الحرب العالمية الأولى: البسكويت والخوذات أدوات لتغيير المسار

مصدر الصورة NARBOROUGH HISTORY SOCIETY
Image caption في بداية الحرب العالمية الأولى، حلق 66 طيارا من الفيلق الجوي الملكي بطائراتهم عبر القنال لدعم الجيش

الخوذة المعدنية والبندقية الآلية والمنطاد هم ثلاثة أمثلة فقط تظهر كيف أن الجبهة الداخلية كان لها أثر كبير على الطريقة التي أدارت بريطانيا بها الحرب العالمية الأولى.

من الصعب حاليا العثور على الكثير من الأماكن التي صنعت فيها هذه الأشياء، بسبب استبدالها بمدن صناعية أخرى.

في بعض الحالات، كان من الضروري إصدار تشريعات برلمانية لضمان إمكانية إنجاز تصنيع هذه الأشياء.

يبحث الموقع الإخباري لبي بي سي في بعض أهم الوسائل التي دفعت أحد ابرز الصراعات الدولية نحو الابتكار الصناعي.

الطائرات

في بداية الحرب العالمية الأولى، حلق 66 طيارا من الفيلق الجوي الملكي بطائراتهم عبر القنال لدعم الجيش.

وبنهاية الحرب عام 1918، كان سلاح الجو الملكي المشكل حديثا يضم أكثر من 18 ألف ضابط.

وتأسست المطارات في أنحاء البلاد لتدريب الطيارين، وأكبرها من حيث المساحة كان في "ناربورو" في نورفوك والذي امتد على مساحة أكثر من 900 هكتار.

وقال ديفيد تيرنر من جمعية ناربوره للدراسات التاريخية إن "الأمر المذهل هو أنه (هذا المطار) لم يفتح حتى عام 1915، ولم تكن هناك مبان هنا حتى عام 1916، وبحلول عام 1919 اختفت 95 في المئة من المباني".

تحول المطار الذي أنشأ في كاسل برومويتش في برمنغهام إلى مدينة صناعية حاليا.

لكن خلال الحرب، كان هذا المطار قاعدة للطيارين من بينهم كل من ملازم أول طيار الليفتنانت ويليام ليف روبنسون في سي، أول رجل يسقط منطاد ألماني فوق بريطانيا وارثر "بومر" هاريس، الذي قاد القاذفة كوماند في الحرب العالمية الثانية.

وقال كريس جون نائب رئيس جمعية "ويسترن فرنت اسوسيشن" في برمنغهام إن تعلم الطيران كان مهمة محفوفة بالمخاطر، وقعت أكثر من 70 حادثة اصطدام في كاسل برومويتش، نصفها تقريبا أسفر عن سقوط ضحايا.

وأضاف "كانت الطائرات عادية للغاية، ولم تكن هناك معرفة جيدة بمبادئ الطيران، وكانت الخسائر عالية جدا".

مناطيد حربية

بعد أن بدأت مناطيد "زبلن" الألمانية غارات على بريطانيا، سارعت الحكومة البريطانية إلى تصميم وبناء مناطيدها الحربية الكبيرة والمتينة، ولقد لجأت الحكومة للرجل الذي اشتهر بتصميم القنبلة المحمولة في الحرب العالمية الثانية، وهو بارنز واليس.

عمل واليس لدى شركة فيكرز في منطقة بارو في كامبريا في تصميم هذه المناطيد الضخمة.

صمم واليس سلسلة من المناطيد الحربية المتطورة جدا، كان أحدثها المنطاد ار 80، الذي كان يضم 1.6 مليون من المكونات، بالإضافة إلى عوارض خشبية خاصة من نوع "دورالومين" كيلومترا وأسلاك تمتد ل85 كيلومترا.

وبنيت تلك المناطيد في حظيرة ضخمة يصل طولها إلى 150 مترا في جزيرة وانلي بالقرب من بارو، والتي كانت تضم أيضا مصنعها للهيدروجين لتزويد الغاز المطلوب لرفع المناطيد.

مصدر الصورة Getty
Image caption كانت بندقية الفيكرز الآلية تزن 13 كيلوغراما، وتحتاج إلى فريق يصل إلى نحو ستة أشخاص لتشغيلها

وهدمت هذه الحظيرة في العشرينيات من القرن الماضي.

وفي عام 1916، اختيرت كاردنغتون في بدفوردشير لتكون الموقع الذي ستبنى فيه حظيرتان كبيرتان، يمكن أن تصنع فيهما مناطيد أكبر حجما.

ويصل طول الحظيرتين إلى أكثر من 247 مترا، وكان من الضروري إصدار تشريع برلماني من أجل توفير كميات الصلب المطلوبة لتشييدهما.

Image caption جهود الحرب في الداخل

وجرى الانتهاء من تصنيع المنطاد الحربي (ار 31) فقط قبل خمسة أيام من انتهاء الحرب، لكنه لم يشارك في أي نشاط على الإطلاق.

بسكويت الجيش

إذا صحت مقولة نابليون بونابرت بأن "الجيش يسير على معدته" (في إشارة لأهمية توفير الغذاء للجنود)، فإن الجيش البريطاني قد زحف معتمدا على البسكويت واللحم المحفوظ. كان البسكويت التقليدي للجيش متين جدا لدرجة أن الجنود كان بإمكانهم تحويله إلى إطارات صور.

اشترى الجيش البريطاني 58.5 كيلوغرام من البسكويت فقط في عام 1918 بتكلفة تبلغ 3.494.000 استرليني.

كان لدى الجيش 12 وصفة لتصنيع البسكويت الخاص به، لكن ما يتذكره الجنود بشأنه هو مدى صلابته.

Image caption كان لدى الجيش البريطاني 12 وصفة لتصنيع البسكويت الخاص به، لكن ما يتذكره الجنود بشأنه هو مدى صلابته

ولم تتمكن سوى الأسنان القوية من قضمه، لكن الجنود كان يغمسونه في الشاي الخاص بهم أو سحقه إلى فتات لإضافته إلى طبخات الجيش التي لا تنتهي.

صنعت شركة هانتلي وبالمرز ومقرها ريدينغ بسكويت الجيش رقم 4 و9، وما يدل على صلابته وطول فترة عمره هو أن بعضه ظل موجودا لنحو 100 عاما.

ويضم متحف ريدينغ مجموعة من هذا البسكويت، تظهر بعض الاستخدامات البديلة لهذا البسكويت من قبل الجنود.

قام أحد الجنود بإرسال قطعة منها في رسالة بريد ونقشت عليها عبارة "لقد بدأت إضرابا عن الطعام، والسبب مرفق، لتهتموا بألعابكم الصغيرة".

تم تحويل قطعة أخرى إلى إطار صورة على شكل قلب، بالإضافة إلى صورة جندي يبدو صغيرا جدا.

خوذات

في عام 1914 خاض الجنود البريطانيون الحرب وهم يرتدون قبعات خفيفة لم توفر أي حماية للرأس من الشظايا أو الطلقات، لم تكن الخوذات قدمت لمعظم الجنود حتى "معركة سوم" في عام 1916.

مصدر الصورة Getty
Image caption أنتجت شركة جوزيف سانكي آند سونس الملايين من الخوذات المعدنية خلال الحرب العالمية الأولى

كان لدى مكتب الحرب قسم خاص للابتكارات خلال الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1915 بدأ قسم الابتكارات البحث عن تصميم للخوذة يمكن أن يقلل من عدد إصابات الرأس التي يتعرض لها الجنود.

منح جون إل برودي شهادة براءة لهذا التصميم في نفس العام.

ولد جون في ألمانيا وتربى في أفريقيا وحقق ثروته في أفريقيا قبل ن يستقر في لندن.

صنعت خوذة برودي من قطعة واحدة من الصلب، وهو ما جعل تصنيعها سريعا وسهلا.

وأنتجت شركة جوزيف سانكي آند سونس الملايين من هذه الخوذات خلال الحرب.

ولم يشكك المؤرخ روجر ديكس في الفاعلية الكبيرة لهذه الخوذات بالنسبة للجنود على الجبهة.

وقال إنه "أنتجت عدة ملايين من هذه الخوذات هنا (في بيلستون)، أصبح من الممكن إنقاذ آلاف الأرواح وأنقذ أرواح جنود كثيرون مما قد توصف بالجروح التي تغييرا كبيرا في حياة الأشخاص، وكانت إصابات الرأس مروعة، ولذا فإن (هذه الخوذات) أحدثت فارقا كبيرا".

وللمفارقة المريرة فإن أحد مديري الشركة وهو سيدني سانكي قتل بطلقة في الرأس بالقرب من يبري في بلجيكا عام 1915، قبل عام من إصدار الخوذات للجنود البريطانيين.

لفافات الساق

بدأ نحو مليوني جندي ارتداء الزي العسكري الكاكي للجيش البريطاني بحلول عام 1918، وكانت لفافة الساق التي يتم ارتداؤها حول مقدمة الساق أحد أبرز السمات البارزة لهذا الزي.

وأوضح دوغلاس كوردو من شركة "فوكس براذرس آند كو ليمتد" من ولنغتون في سمرست إن "اللفافة كانت أشبه بضمادة مصنوعة من الصوف (المحبوك) وكانت تلف حول الساق".

واضاف كوردو بأن "الشيء الرائع في هذه اللفافة يتمثل في أنها لا تحتاج إلى مقاسات، وهي أيضا تحمي الحذاء من الانغماس في الطين".

Image caption استبدلت لفافات الساق قبل فترة قصيرة من الحرب العالمية الثانية بألأحذية التي تغطي الكاحل ومؤمنة بإبزيم

وصنعت الشركة ما يقدر بـ 12 مليون زوج من هذه اللفافات، والتي في حال تفكيكها قد تغطي مساحة تصل إلى 66 ألف كيلو متر، وهي مساحة كافية ليجوب الشخص ساحل بريطانيا مرتين.

واستبدلت لفافة الساق قبل فترة قصيرة من الحرب العالمية الثانية بألأحذية التي تغطي الكاحل والمؤمنة بإبزيم.

ولا تزال تصنع الشركة هذه الأحذية في نفس المكان الذي استخدمته في الحرب العالمية الأولى.

بنادق فيكرز الآلية

ألحقت هذه البندقية الآلية خسائر كبيرة في الأرواح للجنود في ساحات المعارك في الحرب العالمية الأولى، وكانت بنادق فيكرز فعالة وناجحة وظلت تستخدم في الخدمة مع الجيش البريطاني لأكثر من 50 عاما.

ورغم أن بندقية فيكرز طرحت للمرة الأولى عام 1912، فإن الجيش البريطاني لم يكن لديه سوى 100 قطعة منها مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفقا لمؤسسة "ويسترن فرونت اسوسيشن". وكان الجيش الألماني لديه أكثر من عشرة آلاف بندقية فيكرز في عام 1914.

وتزايد الطلب سريعا وبشكل هائل على هذه البندقية التي صنعت في مصانع فيكرز في كرايفورد بمدينة كنت، وصنعت 266 منها في الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 1914، و39 ألفا في عام 1918، وفقا لإحصاءات مكتب الحرب.

ويمكن للفيكرز إطلاق نحو 500 طلقة في الدقيقة الواحدة، وقللت لاحقا لوقف السخونة الزائدة لفوهة البندقية.

وكانت البندقية تزن 13 كيلوغراما، وحمالتها ثلاثية القوائم تزن نحو 23 كيلوغراما وتحتاج إلى فريق يصل إلى نحو ستة أشخاص لتشغيلها.

مصدر الصورة ACME WHISTLES
Image caption السيرجنت تي دبليو هاربر قال في رسالة إن إحدى صافرات "إي سي ام إي" أنقذت حياته حينما تلقى طلقة في الصدر عام 1914

صافرات

كانت الصافرات أداة اتصال حيوية في ساحات المعارك خلال الحرب العالمية الأولى، وكانت تستخدم لإبلاغ الجنود بوقت "بدء الهجوم" وأيضا في تحذير رجال المدفعية بأن مدفعيتهم على وشك أن تطلق نيرانها، حتى يتجنبوا أي إصابة من عملية الارتداد.

معظم هذه الصافرات كانت من تصنيع شركة "إي سي ام إي ويسلز" التي لا تزال تصنعها حتى الآن في نفس المقر في "جولاري كوارتر" في برمنغهام.

ويقول سيمون توبمان أحد مسؤولي الشركة إن الطلب على هذه الصافرات قد تزايد لدرجة أن الشركة استنفدت الرصاص المستخدم في صناعتها، وناشدت الحكومة تقديم المساعدة.

وأضاف بأن الحكومة سارعت إلى "(شركة) كادبوري، واقترضت كمية من صفائح البسكويت، وأرسلوها إلينا، وقمنا بتصنيع الصافرات من صفائح البسكويت".

وتلقت الشركة خطابا من السيرجنت تي دبليو هاربر يقول فيها إن إحدى الصافرات التي قامت بتصنيعها أنقذت حياته حينما تلقى طلقة في الصدر عام 1914.

المزيد حول هذه القصة