الانتخابات التركية: ثمن شعبية أردوغان

مصدر الصورة bbc
Image caption تنتشر الملصقات الإعلانية الضخمة التي تحمل صورة أردوغان في جميع أنحاء اسطنبول

على ضفاف البوسفور، تعلو الأصوات بأغنية تقول "أشرقت شمس جديدة على بلادي وحل على أرضها أمل جديد بإرادة قوية وقلب كبير ... رجب طيب أردوغان."

يصفق أنصاره على إيقاع الأغنية ذات النغمات الأخاذة، مثلها مثل الذي تُغني من أجله، التي جعلت منها واحدة من أفضل الأغنيات المحببة إلى حشود معجبيه.

ويتطلع رئيس الوزراء التركي، الذي يشغل منصبه للعام الحادي عشر، إلى آفاق جديدة تتمثل في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها يوم الأحد المقبل.

ومن المقرر أن يخضع اختيار من يتولى منصب الرئيس، الذي كان البرلمان يختاره وكان يعد منصبا شرفيا إلى حد بعيد فيما مضى، للاقتراع العام للمرة الأولى.

كما قال أردوغان إنه يريد تعزيز سلطات ذلك المنصب.

وفي جميع أنحاء أسطنبول، ترى صور رئيس وزراء تركيا مطبوعة على رايات تخرج من نوافذ المباني بينما تغمر الملصقات الإعلانية التي تحمل صورته شوارع العاصمة.

ويدير أردوغان تلك الحملة، التي يتفوق بها إلى حدٍ كبيرٍ على منافسيه في انتخابات الرئاسة، وهما المرشح المدعوم من المعارضة التركية أكمل الدين إحسان أوغلو والمرشح الكردي الشاب صلاح الدين دمرداش.

وتواجه وسائل الإعلام المملوكة للدولة اتهامات بالانحياز لرئيس الوزراء أثناء ساعات البث.

فعلى مدار يومين، ثبت أن قناة تي آر تي التلفزيونية الحكومية خصصت 533 دقيقة من وقت البث لدعاية أردوغان الانتخابية بينما منحت المرشح المنافس إحسان أوغلو ثلاث دقائق في حين لم يحصل المرشح دمرداش إلى على 45 ثانية من وقت بث القناة.

بهذا تتحول الانتخابات الرئاسية إلى استفتاء شعبي على أردوغان رئيسا لتركيا، وهو السياسي الذي يتخذ أنصاره من المنطقة الوسطى بالبلاد قاعدة لهم، وهي المنطقة المعروفة بالتوجه المحافظ والتدين.

تجدر الإشارة إلى أن أغلب منتقدي أردوغان يكرهون خلطه الدين بالسياسة في بلد علماني بنص الدستور. كما ينتقدون زوجته – التي لم تكن تتوقع أن تكون قرينة رئيس وزراء تركيا – لارتداءها الحجاب بالإضافة إلى استياءهم من خطابه الناري الذي غالبا ما يستميل من خلاله أنصاره من المتدينين.

Image caption تبدو الحملة الانتخابية لأردوغان ضخمة للغاية مقارنة بحملات منافسيه

قالت العضوة المحلية بحزب العدالة والتنمية، حزب أردوغان، كوبرا ساشي سيو ليجو: "لقد قدم الكثير لكل مواطن في تركيا ولكل مرأة مثلي."

وأضافت: "فيما مضى كانت النساء اللاتي ترتدين الحجاب لا يُسمح لهن بالعمل في بعض الأماكن. وكانت هناك مشكلات تواجهني أثناء دراستي بالجامعة. أما الآن فالحرية مكفولة لنا. وقبل أردوغان، لم يكن هناك استقرار في تركيا، أما الآن فالأوضاع جيدة على كافة المستويات سياسيا واقتصاديا."

ليس أردوغان الذي أعرفه

يلوح في أفق أسطنبول نجاح رئيس الوزراء التركي في إدارة البلاد.

فالرافعات منتشرة في كل مكان بالعاصمة تشيد المباني الإدارية والفنادق.

وتظهر الأبراج البراقة مدى ما حققه أردوغان من نجاح على المستوى الاقتصادي على مدار السنوات العشر الماضية.

فبعد أن كانت تركيا تعاني تردي الأوضاع الاقتصادية في نهاية القرن الماضي، أصبحت الآن في المركز الخامس عشر بين أكبر الاقتصادات العالمية ليتضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هناك ثلاث مرات بقيادة أردوغان.

كما أعطت البُنى التحتية الجديدة، والمستشفيات، والمدارس قدر كبير جدا من الثقة لهذا البلد.

بالإضافة إلى ذلك، تم إبعاد الجيش التركي، الذي كانت له السلطة المطلقة بالبلاد والذي أطاح بأربع حكومات مدنية على مدار الفترة من عام 1960 وحتى الآن، عن الحياة السياسية في البلاد.

مصدر الصورة AFP
Image caption حاول أردوغان حجب تويتر ويوتيوب، ولكن المحكمة الدستورية ألغت القرار

وتجري في الوقت الراهن عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني بعد عشر سنوات من الصراع الذي راح ضحيته 40 ألف شخص.

على الجانب الآخر، لحقت بعض الأضرار بصورة رئيس وزراء تركيا.

فبعد ظهور المحادثات الهاتفية المسربة أخيرا، التي يزعم البعض أنها تنطوي على فساد هائل في أعلى مستويات السلطة السياسية التركية، والتي ذهب البعض إلى أنها تشير ضمينًا إلى تورط أردوغان نفسه في ممارسات فساد، حاول رئيس الوزراء التركي حجب موقعي التواصل الاجتماعي يوتيوب وتويتر في البلاد، ولكن المحكمة الدستورية ألغت القرار.

وانقلب أردوغان أيضا على معارضيه، خاصة أتباع عالم الدين فتح الله غولن، الذي اتهمه رئيس الوزراء بأنه يدير "دولة داخل الدولة". وكان المئات من ضباط الشرطة والقضاة قد أقيلوا من مناصبهم جراء عضويتهم المعلنة بحركة غولن.

وعلق معارضو أردوغان على ما أقدم عليه من إقالة هؤلاء الضباط والقضاة بقولهم إنه يستخدم ساتر من الدخان لتفادي تهم الاحتيال.

ويقول أحد زملاء الدراسة لأردوغان، إلا أنه الآن أحد أبرز القياديين بحركة غولن، إن الخط الذي يسير عليه رئيس وزراء تركيا والذي يتضمن التأكيد على أن أعضاء حركة غولن يتآمرون من أجل إقامة "دولة داخل الدولة"، ما هو إلا هراء فارغ.

وأضاف يوزاك أن "الطريقة التي يتحدث عنا بها والكلمات التي يستخدمها تذكرني بالطريقة التي كان يستخدمها هتلر أثناء الحديث عن اليهود."

وتابع: "ليس هناك أدنى دليل ضدنا، وإنه من الصعب علي أن أسمعه يتحدث هكذا. إنه ليس أردوغان الذي أعرفه."

ملك الإحساس

بمجرد أن احتفى به الغرب واحتضنه كرئيس وزراء يمكنه الجميع بين الإسلام والديمقراطية، دخل أردوغان في حالة من العزلة.

Image caption شيع المئات جثمان إلفان، ولكن أردوغان وصفه بـ "الإرهابي"

ولكن العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة شهدت تدهورا في المرحلة الأخيرة وتصاعدت التوترات مع تركيا وقوى الغرب بعد الاتهامات التي وجهها أردوغان لإسرائيل بأنها تمارس "الإبادة الاجماعية ... وأنها تستعيد ذكريات الهولوكوست." أثناء أزمة غزة الأخيرة.

كما وضعه دعمه للإخوان المسلمين في صراع مع الحكومة الجديدة بالقاهرة.

وأدى دعمه للمعارضة السورية إلى مواجهته اتهامات بأنه يسمح للجماعات الجهادية بالتسلل داخل الحدود التركية.

وأصبحت السياسة الراسخة التي تتضمن "انعدام المشكلات مع دول الجوار" والتي اتبعتها تركيا على مدار العقد الأخير، محل سخرية ممن يرون أن أردوغان لا يظهر سوى العداء لتلك الدول.

يقول رئيس تحرير صحيفة حريت دالي نيوز، مورات يتكنس، إنه "ملك الإحساس."

وأضاف أنه "يظهر في صورة الضحية ويردد أن هناك أعداء - من الداخل والخارج – يحاولون طوال الوقت تقويض سلطاته وإسقاطه. كما يستخدم الإعلام بفاعلية."

وتابع يتكنس: "إنه يعلم أن قاعدته الجماهيرية لا يعنيهم التواصل الاجتماعي في شيء وأنهم يشاهدون القنوات التلفزيونية الرئيسية ويميلون إلى الاعتماد على ما يردده هو."

نقطة تحول

ومن الجدير بالذكر أن تولي أردوغان رئاسة الوزراء بتركيا مر بنقطة تحول في يونيو / حزيران 2013 عندما خرج المحتجون ضده معترضين على مشروع بناء من شأنه أن يدمر متنزه جيزي العام بأسطنبول.

وكان رد فعل الحكومة هو إرسال قوات الشرطة للسيطرة على المكان بقنابل الغاز المسل للدموع.

وعمت التظاهرات العنيفة أرجاء البلاد مع تنظيم الحركات المدافعة عن البيئة تظاهرات غاضبة ضد سلطوية وانتهاكات أردوغان لحقوق الإنسان. وأصبح عدد الصحفيين المسجونين في تركيا يفوق عدد الصحفين المسجونين في أي بلد آخر.

"رجل الدولة"؟

Image caption حمل والد إلفان رئيس وزراء تركيا مسؤولية مقتل ولده

ووصف رئيس الوزراء من خرجوا في تلك الاحتجاجات ضده بأنهم "حثالة".

وذلك بعد أن أسفرت ممارسته القمعية عن وفاة ثمانية أشخاص من بينهم بيركين إلفان، البالغ من العمر 14 عاما" والذي خرج ذات صباح لشراء الخبز، لكنه لم يعد.

وكان المئات قد شاركوا في تشييع جثمان إلفان، ولكن أردوغان وصفه بـ "الإرهابي".

واصطحبني سامي إلفان، والد بيركين، إلى المكان الذي أطلق فيه الرصاص في الرأس على ولده على يد أحد ضباط الشرطة الذي كان يرتدي قناعا ضد الغاز المسيل للدموع.

وقال سامي، وعيناه في حالة جمود،: "ألقي باللوم أردوغان في وفاة ابني."

وأضاف: "فلولاه، لكان ابني لا زال حيا. لقد قسمنا جميعا. والآن أحاول ببساطة أن أستمر على قيد الحياة، ولكنه من الصعب علي أن أفعل ذلك."

بالعودة إلى ضفاف البوسفور، نرى شاشات البلازما تعرض مقاطع فيديو مبهرجة خاصة بحملة أردوغان بينما يقول طالب يُدعى محمد "أحبه" ويتابع إنه "جعلنا أقوياء".

مع ذلكـ يمكننا القول إن أنجح رئيس وزراء لتركيا في العصر الحديث قد أشاع الاستقطاب داخل البلاد.

ولا شك أن الهالة الدينية التي تحيط بأردوغان تمثل قوة كبيرة، وربما تتوج بالمجد يوم الأحد المقبل.

المزيد حول هذه القصة