الهولنديون يحاولون التعامل مع "التهديد الجهادي"

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption صورت مجموعة مكونة من عشرين رجلا الشهر الماضي وهم يلوحون بالعالم الاسود الذي اشتهرت به المجموعات الجهادية

تسعى الحكومات الاوروبية لمنع شبابها من التأثر بالنفوذ المتزايد لمسلحي "الدولة الاسلامية"، ويعتقد ان 100 مواطن هولندي على الاقل يقاتلون ضمن جماعات مختلفة في سوريا والعراق، فيما تم التعرف على مئات آخرين بوصفهم جهاديون محتملون.

ويتحدث اخصائيو محاربة الارهاب الهولنديون عن "اعادة بعث الزعة الجهادية في هولندا."

ففي حي شيلدرزفايك بالعاصمة لاهاي، صورت مجموعة مكونة من عشرين رجلا الشهر الماضي وهم يلوحون بالعالم الاسود الذي اشتهرت به المجموعات الجهادية ويهتفون تأييدا لتنظيم "الدولة الاسلامية" الذي بات يسيطر على مساحات كبيرة من اراضي العراق وسوريا.

وفي الشريط الذي نشر في الانترنت يسمع المتظاهرون وهم يهتفون "الموت لامريكا" و"الموت لليهود."

تسكن حي شيلدرزفايك اغلبية مسلمة، وهو امر يبينه انتشار محلات بيع الكباب التركية والمقاهي المغربية التي تهيمن على شارعه الرئيس، كما يبينه الاستخدام الواسع لاطباق التلفزة الفضائية المنصوبة على اسطح المباني.

التقيت بالناشط في شؤون الشباب مصطفى العياري خارج مركز تسوقي لا يبعد كثيرا عن المكان الذي شهد المظاهرة المؤيدة "للدولة الاسلامية."

قال لي العياري "إن العديد من المسلمين الشباب يجاهدون في سبيل الحصول على فرص عمل وعلى القبول من جانب المجتمع الهولندي، ولذا فالوعود بالجنة التي يبشر بها رجال الدين المتشددون تجد صدى من جانب هؤلاء الناقمين السذج."

وفيما لا يحظى المنحى الدموي الذي يتبناه تنظيم "الدولة الاسلامية" بكثير من الدعم من جانب المسلمين الشباب في هولندا، فإن فكرة المشاركة في الدفاع عن اخوتهم في الدين قد تبدو لا تقاوم من قبل بعض الشباب الذين انسدت بوجههم السبل في بلادهم.

ويقول العياري "عندما يعرضون عليهم اشرطة تظهر قطع الرؤوس، قد يفكر بعض منهم من الذين لا مستقبل لهم هنا بأن هذا هو الاسلام وعلي الانصياع له."

ويبدو ان فكرة تأسيس دولة الخلافة الاسلامية بطرق سلمية تلاقي صدى طيبا في شيلدرزفايك، إذ يقول العياري "كلنا نريد ان نرى دولة الخلافة في نهاية المطاف لأنها تمثل العدل ولأن اهلها يهتمون ببعضهم البعض، ليس كما هو الامر هنا."

وتقول المخابرات الهولندية إن المئات من المواطنين الهولنديين يفكرون جديا بالتوجه للقتال في صفوف المنظمات المتشددة، فيما يؤيد هذا "الجهاد" آلاف غيرهم.

وتقدر اجهزة الاستخبارات ان 130 هولنديا توجهوا بالفعل الى سوريا منذ اواخر عام 2012، وان 14 منهم قتلوا هناك.

يعتبر يلماز نموذج للمقاتلين الاوروبيين الذين شاركوا فعلا في الحرب في سوريا. تدرب يلماز في الجيش الهولندي، وهو يستخدم المعرفة والخبرة التي حصل عليها في الجيش لتدريب الجهاديين الجدد على فنون القتال.

توجه يلماز الى الشرق الاوسط اصلا لأنه شعر باليأس ازاء تردد الدول الغربية في التدخل العسكري في سوريا. كان من اليسير علي الاتصال بيلماز بالنظر لوجوده في اكثر من منبر الكتروني.

اجابني يلماز من خلال رسالة الكترونية استلمتها على هاتفي بأنه موجود الآن في محافظة ادلب شمالي سوريا، وانه يقاتل من اجل تأسيس دولة اسلامية.

تقول اجهزة الاستخبارات الهولندية إن التهديد الذي يشكله "المجاهدون"، والذي يعتبر كبيرا في الوقت الراهن، آخذ بالتغير بحيث يصعب تعقبه، إذ يقوم مؤيدو "الدولة الاسلامية" باستخدام احدث ادوات التواصل الالكترونية متعددة الوسائط لنشر رسالتهم وتجنيد الشباب واليافعين.

قال لي روب بيرثولي، مدير وكالة الامن والاستخبارات العامة في هولندا "عثرنا على فتيات لا تتجاوز اعمارهن الـ 14 عاما تردن الذهاب الى سوريا او العراق"، مضيفا ان "الجهاديين والذين يطمحون الى ان يصبحوا جهاديين اضحوا يتصرفون بحرفية اكثر من الماضي، فهم يجيدون استخدام الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وخدمة يوتيوب والافلام السينمائية."

ويضيف بيرثولي بأن دوره يتلخص في حماية هولندا من التهديد الذي يشكله "العائدون" من سوريا والعراق.

وتقوم اجهزة الاستخبارات الهولندية في الوقت الراهن بمراقبة 14 من هؤلاء العائدين، وكان وزير الامن الهولندي قد قال إن من يثبت سفره الى سوريا او العراق قد يصار الى مصادرة جواز سفره ومقاضاته عند عودته الى هولندا.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يتعرض العمدة يوزياس فان ارتسن للهجوم بسبب قراره حظر مظاهرة كان ينوي يمينيون تنظيمها في شيلدرزفايك في الشهر المقبل

اما زعيم حزب الحرية خيرت فيلدرز المعروف بعدائه للمسلمين فقال "إنهم عبارة عن قنابل موقوتة في مجتمعنا، وان جميع دولنا الاوروبية تواجه نفس المشكلة." وينوي فيلدرز تنظيم مظاهرة مناوءة للجهاديين "لاستعادة شوارع لا هاي."

وكان مئات من القوميين الهولنديين المتطرفين قد ساروا في شوارع شيلدرزفايك وهم يرفعون العلم الهولندي. وقد تصدى لهم المسلمون بالحجارة عندما حاولوا تمزيق الحجاب الذي ترتديه الفتيات المسلمات.

اما عمدة لا هاي - هذه المدينة التي ترمز دوليا للسلام والعدل - فيلاقي صعوبة كبيرة في تجنب اندلاع المزيد من المواجهات.

فبعد تعرضه للانتقاد لسماحه للمسلمين المتطرفين بالتظاهر في يوليو / تموز الماضي، يتعرض العمدة يوزياس فان ارتسن للهجوم بسبب قراره حظر مظاهرة كان ينوي يمينيون تنظيمها في شيلدرزفايك في الشهر المقبل.

ولكن الصعوبة الحقيقية هي من نصيب سكان شيلدرزفايك، الذين لا يطمحون الى اكثر من ان يعيشوا بسلام فيما يحاول المتشددون من الجانبين الاستيلاء على شوارع بلدتهم.