كوريا الشمالية: أين اختفى كيم جونغ أون؟

كيم جونغ أون مصدر الصورة afp getty
Image caption كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية لم يظهر منذ 38 يوما ورجحت تقارير إصابته بالنقرص والسكري وخلل بالغدد الصماء

اختفى كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية الشاب 32 عاما، عن الأنظار لما يزيد عن 38 يوما، الأمر الذي أثار موجة تكهنات حول الاستقرار السياسي لنظام معروف بغموضه وسريته.

وبصورة خاصة، فإن عدم مشاركة كيم في مناسبتين هامتين في البلاد، هما ذكرى تأسيس حزب العمال الكوري 10 أكتوبر/تشرين أول وتأسيس دولة كوريا الشمالية في 9 سبتمبر/ أيلول، جعلت البعض يعتبر ذلك مؤشرا لاضطرابات سياسية محتملة خلف المشهد.

ونوهت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية إلى أن علة غير محددة هي السبب وراء غياب الزعيم عن الظهور العام.

وتكهن محللون غربيون، بناء على أدلة واقعية محدودة للغاية، بوجودعدة أسباب ظاهرة لهذه الوضع منها إصابة الزعيم بمرض النقرص والسكر، والتدخين بشراهة، بالإضافة إلى إصابة الكاحل أثناء حضوره تفتيشا عسكريا مؤخرا.

وبالإضافة لما سبق ووفقا لشهادة طبيب ألماني قابل كيم، فإنه يعاني مشكلات كبيرة في نظام الغدد الصماء والأعضاء الداخلية.

ويمثل سوء الحالة الصحية تفسيرا مقبولا لقرار منع تسليط الضوء على الغياب الصادم للزعيم، الذي اتضح أنه يستمتع بالظهور العام، على العكس من والده الراحل كيم جونغ-إل صاحب الظهور الخجول.

لكن مازال هناك تفسير درامي آخر للموقف، وهو أن الحاكم الشاب وقع ضحية انقلاب سياسي وأنه قيد الإقامة الجبرية الأن، بعد أن أزاحه سياسيون وعسكريون من الحرس القديم عن السلطة، بعد أن أزعجهم سعيه لتطيهر البلاد من منافسيه، وفشله في تعزيز الاردهار الاقتصادي الدائم.

وكانت أبرز عمليات التطهير إعدام الزعيم لعمه جانغ سونغ-تايك في ديسمبر/ كانون أول 2013.

مصدر الصورة Reuters
Image caption غياب كيم جونغ-أون كشف أزمة عدم وجود خليفة يتولى الحكم بعده بين عائلة كيم التي تتوارث حكم البلاد

ووفقا لنظرية الانقلاب فإن أعضاء كبار من النخبة الحاكمة في بيونغ يانغ ربما أصبحوا ساخطين على نحو متزايد نتيجة لتشديد العقوبات الدولية، التي حدت من حصولهم على الامتيازات العينية، والتي عادة ما تكون في شكل سلع فاخرة.

وبدلا من ذلك فإن السقوط السياسي المفترض للزعيم الكوري ربما يأتي كنتيجة لقلق الدوائر السياسية أن كوريا الشمالية فشلت في لعبة السياسة الدولية عالية المخاطر.

وفشلت السياسة المضطربة التي انتهجها كيم جونغ أون خلال التسعة أشهر الأخيرة، والتي تمثلت في الانتقال ما بين الانتقادات الحادة لإدارة باك جون -هي رئيسة كوريا الجنوبية والتواصل معها، في تحقيق أية مكاسب سياسية أو اقتصادية للشمال سواء في شكل توسيع نطاق المساعدات الانسانية وعودة السياحة في منتجع جبل كومكانغ في كوريا الشمالية، أو في زيادة هائلة في الاستثمارات والتجارة الأجنبية.

ومازالت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على تعهداتها بعدم الرد على استفزازات كوريا الشمالية العسكرية والسياسية، ويبدو أن بيونغيانغ غير قادرة على الاستفادة من وضعها النووي في الحصول على أية تنازلات سياسية ودبلوماسية ذات قيمة من واشنطن.

حتى الصين الحليف الاقليمي والضامن لأمن الأراضي الكورية، أصبحت غاضبة بشكل متزايد من سياسية كيم العدائية اقليميا.

بدون خليفة

ورغم كل الأقاويل عن الانقلاب وتغيير القيادة، فإن الأدلة الظرفية الحالية تشير إلى أن كيم مازال في السلطة.

وتدعم أجهزة الاستخبارات في كوريا الجنوبية وجهة النظر التي تتحدث عن مرض الزعيم الشاب، وقرار الحد من ظهوره العلني يبدو أنه محاولة للحفاظ على المناخ العام للعصمة التي تتمتع بها سلالة كيم.

مصدر الصورة AP
Image caption زيارة مستشار مقرب من الزعيم الشاب لكوريا الجنوبية الشهر الماضي عزت فكرة أنه مازال يسيطر على الحكم في البلاد

وتمثل مبادرات الدبلوماسية الأخيرة في الأغلب تأكيدا على أن كيم مستمر في توجيه السياسة الوطنية.

وجاءت زيارة مفاجئة لوفد ثلاثي كوري شمالي، برئاسة مستشار كيم العسكري ومحل ثقته هوانغ بيونغ-سو، والذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس لجنة الدفاع الوطني، إلى سيول 4 أكتوبر / تشرين أول الماضي، لتؤكد أن الزعيم الشاب مازال يسيطر على البلاد.

وأشارت تقارير إلى أن هوانغ كان يحمل رسالة شخصية من كيم إلى رئيسة كوريا الجنوبية بارك، وهدفت الزيارة لفتح مساحة دبلوماسية نادرة لتجديد الحوار بين الشمال والجنوب.

وجاءت تلك الخطوة مشابهة لما حدث بالأمم المتحدة في نهاية سبتمبر/ أيلول، عندما تلقى الأمين العام بان كي مون رسالة خطية من كيم، نقلها وزير خارجية كوريا الشمالية ري سو-يونغ، أثناء حضوره اجتماعات الأمم المتحدة، للمرة الأول التي يحضر فيها مسؤول كوري الأمم المتحدة منذ 15 عاما.

وربما كان الدليل الأقوى ضد سيناريو الانقلاب عدم وجود خليفة واضح حتى الآن.

ولا يوجد في كوريا الشمالية أي تقليد لقيادة جماعية يضمن انتقال سياسي للسلطة، مقارنة بالتحول في مرحلة ما بعد ستالين في الاتحاد السوفيتي، والذي جرى في ظل وجود خروشوف ومالينكوف عام 1953.

فالأهم هنا هو هيمنة سلالة كيم والاعتماد حصرا على نسب الأسرة كأساس للشرعية السياسية، وحصر استبدال مجموعة القادة المؤهلين في خيارات صعبة غير واضحة.

ولا يمكن لإخوة الزعيم الشاب الاثنين تولي المهمة مستقبلا، فأحدهما منفي في الخارج والآخر غير مناسب للمهمة لميوله غير الطبيعية جنسيا، كما تحدثت تقارير عن إدمانه مخدر أمفيتامينز.

وكان هناك تكهنات بأن شقيقتة الصغرى كيم يو-جونغ ربما تتولى الأمور مؤقتا خلفا لشقيقها، لكن حتى لو كان هذا صحيحا، فمن غير المحتمل بشدة أنها ستمثل زعيما بديلا متاحا ومقبولا شعبيا في مجتمع ذكوري للغاية، ولا توجد لديه قواعد لوجود إمرأة على القمة.

وحتى الآن فإن التفسير الأقوى والأكثر اقناعا لغياب كيم جونغ- أون هو مخاوف صحية جعلته يبقى بعيدا عن الظهور العلني.

وفي حالة عودته هناك توقعات بالمزيد من الجهود والدبلوماسية لتجديد التواصل مع العالم الخارجي، إلى جانب دوريات عسكرية رمزية الى حد كبير واستعراض أسلحة لاثبات أن كوريا الشمالية لا تزال قوة لا يستهان بها ودولة لا يمكن تجاهلها.

المزيد حول هذه القصة