كيف تحولت باكستان إلى ساحة لطيف مذهل من المتشددين؟

مصدر الصورة Getty
Image caption منذ مقتل زعيم حركة طالبان باكستان حكيم الله محسود العام الماضي في غارة لطائرة بدون طيار، تشهد الحركة انقساما متزايدا.

يأتي طرد المتحدث الرسمي باسم حركة طالبان باكستان شهيد الله شهيد من الحركة لدعمه تنظيم "الدولة الإسلامية" ليمثل أحدث علامة على الانقسامات التي تشهدها الحركة المسلحة.

محمد إلياس خان، مراسل بي بي سي في إسلام آباد، يرصد في هذا التقرير كيف تحولت باكستان على مدار سنوات إلى ساحة لهذه الحركة وتحول البلاد إلى بيئة مذهلة خرجت منها جماعات متشظية وطوائف مختلفة.

ويعتبر شهيد ثالث متحدث رسمي يترك الحركة خلال الأشهر الأخيرة.

وقبله انفصل عنها في مايو/ أيار عزام طارق إلى جانب خان سعيد ساجنا، زعيم مجموعة محسود التابعة للحركة. وتلاهم أيضا إحسان الله إحسان الذي أصبح كبير المتحدثين الرسميين لحركة "جماعة الأحرار" التابعة لقبيلة الموهماند.

ويظهر هذا الانشقاق في صفوف الحركة أنها كأي كيان اجتماعي آخر، فإن المجموعات المسلحة الكبيرة تضم أيضا بين صفوفها مجموعات متفرعة عنها.

ولم يندهش سوى القليل في سبتمبر/ أيلول حين ألقى المتحدث باسم الجيش الباكستاني بالمسؤولية على جماعة "الشورى" — وهي جماعة غير معروفة من المسلحين — عن الهجوم في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2012، والذي استهدف الناشطة الباكستانية مالالا يوسفزاي.

"جند حفصة"

وبعد 35 عاما من النزاع الذي كان يضم أطرافا غير تابعة للدولة، تعود الباكستانيون على الجماعات المسلحة التي تنشق عن صف الحركة لشن هجمات مدوية. وفي معظم الأحيان، فإن تلك المجموعات تتلاشى عن الأنظار بسرعة كبيرة.

وبدأ هذا الاتجاه في الظهور في الفترة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، عندما بدأت عناصر من هذه الحركة المسلحة، كانت قد استؤصلت من أفغانستان، شن هجمات على أهداف في باكستان.

وضمت تلك المجموعات مقاتلين من مسلحي القبائل الباكستانية، وطالبان بنجابي، ووسط آسيا ومسلحين عربا وآخرين من شرق آسيا. وانجذب غالبية هؤلاء لينضووا تحت مظلة التنظيم المسلح لحركة طالبان باكستان التي نشأت عام 2007.

وكان من أوائل تلك المجموعات التي ظهرت على الساحة "حركة المجاهدين العالمي" التي نسبت إليها سلسلة من الهجمات التي شهدتها مدينة كراتشي الباكستانية عام 2002، بما في ذلك محاولة اغتيال الرئيس الباكستاني برويز مشرف، وتفجير فندق شيراتون، بالإضافة إلى تفجير سيارة مفخخة خارج القنصلية الأمريكية.

مصدر الصورة EPA
Image caption يمثل انفصال المتحدث الرسمي لحركة طالبان باكستان شهيد الله شهيد (منتصف) عنها آخر علامة على الانقسامات التي تشهدها الحركة المسلحة

وكان اسم تلك الحركة مشابها لحركة المجاهدين، تلك المجموعة البنجابية الكبيرة التابعة لحركة طالبان في كشمير، إلا أن إضافة وصف "العالمي" إلى الحركة الأولى أعطاها مجالا أوسع.

إلا أن تلك الحركة سرعان ما تلاشت ولم يسمع عنها أي شيء منذ ذلك الحين.

وفي عام 2004، ظهرت مجموعة تطلق على نفسها اسم "جند الله" بكمين نصبته لقائد فيلق كراتشي، ثم اختفت لثمان سنوات قبل أن تظهر مرة أخرى مختلفة مع حركة طالبان باكستان حول من قام بعملية عام 2013 التي أسفرت عن مقتل تسعة من السائحين الأجانب كانوا يتسلقون جبل نانغا باربات.

وكانت حركة جند الله قد أعلنت مسؤوليتها عن ذلك الحادث، إلا أن حركة طالبان باكستان قالت إن وحدة "جند حفصة" وهي إحدى وحدات الحركة الخاصة، هي التي نفذت الهجوم.

وألقت شرطة كراتشي بالمسؤولية في عدد آخر من الهجمات أيضا على حركة جند الله، التي لم تعلن أي موقف حيال ذلك.

ومن بين الحركات التي لم يدم ظهورها طويلا حركتا "النمور الآسيوية" و"لاشكار جنجفي"، وظهرت الحركتان لوقت قصير في الأخبار في ربيع عام 2010.

استكمال الفكر الجهادي

ويبدو أن حركة النمور الآسيوية قد قالت إنها قبضت على اثنين من المسؤولين السابقين من وكالة الاستخبارات الباكستانية وصحفي بريطاني من أصول باكستانية، وقطعت رأس أحد المسؤولين بتهمة "التجسس".

وبعد أسابيع من تلك الحادثة، نشرت تقارير حول سلسلة من الهجمات التي شهدها شمال وزيرستان يقال إن اثنين من قيادات حركة النمور الآسيوية قد لقوا مصرعهم فيها على يد شخص يسمي نفسه زعيم حركة لاشكار جنجفي.

مصدر الصورة AFP
Image caption سيطرت طالبان على كابول واضعة نهاية للحرب الأهلية في أفغانستان، لتبدأ المجموعات الجهادية في التدفق مرة أخرى على باكستان وأفغانستان

وبعد ذلك بشهرين، قتل ذلك الرجل مع اثنين آخرين على يد مسلحين مجهولين، وترك منفذو العملية رسالة مكتوبة تحمل اسم حركة طالبان باكستان وتتهم هؤلاء الرجال باختطاف مسؤولين في وكالة الاستخبارات الباكستانية الذين كانوا "ودودين مع حركة طالبان أثناء فترة خدمتهم".

وبعد ذلك، انفصلت جماعة أخرى تطلق على نفسها "جماعة الأحرار" عن حركة طالبان باكستان، وليس واضحا ما إذا كانت هذه الحركة خلفا لجماعة "أحرار الهند" المرتبطة بطالبان باكستان.

فيما يرى كثيرون أن إطلاق جناح القاعدة في جنوب آسيا مؤخرا يعتبر استكمالا لهذا الفكر الجهادي.

ويبدو أن كل تلك الحركات منبثقة عن مصدر واحد هو المجاهدون الأفغان من ثمانينيات القرن الماضي وحلفاؤهم من العرب وغير العرب الذين انضموا بعد تلك الفترة إلى تنظيم القاعدة وحركة طالبان باكستان.

وظهر كل ذلك تحت مظلة الحكم العسكري الذي كان يحكم باكستان خلال الثمانينيات وكان مأوى لتحالف من سبعة أطراف من المجاهدين الأفغان كان يطلق عليه اسم "بيشاور سبعة"، وكان يهدف إلى زعزعة الاستقرار في كابول عندما كانت تحت الحكم السوفيتي.

مصدر الصورة AP
Image caption تشن حركة طالبان باكستان تمردا على الحكومة الباكستانية المتحالفة مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب.

وكان الانحراف الفكري للنظام سببا في خلق مساحة للجماعات المتطرفة للسيطرة على الجهاد في أفغانستان، وهو ما أدى في النهاية لظهور حركة طالبان عام 1994.

وفي عام 1996، وعندما سيطرت طالبان على كابول واضعة نهاية للحرب الأهلية في أفغانستان، بدأت المجموعات الجهادية العربية والسلفية في التدفق مرة أخرى إلى باكستان وأفغانستان، ليكتمل بذلك هذا المزيج الذي شكل التسلح المحلي في المنطقة.

"الحرب على الإرهاب"

ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، تضاعف عدد تلك الجماعات وقوتها العددية، واتخذ العديد منها من باكستان هدفا، لكونها واحدة من حلفاء الولايات المتحدة في الحملة التي تقودها تحت شعار"الحرب على الإرهاب".

وفي وقت سابق من العام الحالي، قال وزير الداخلية الباكستاني شودري نصار للبرلمان إن حركة طالبان باكستان الرئيسية تضم ما يربو على 35 حركة، فيما وضعت وثيقة سياسة أمنية بعد ذلك بقائمة تضم ما يقرب من 60 حركة حظرتها الحكومات الباكستانية المتعاقبة منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين.

إلا أنه لا تزال هناك عشرات آخريات منها تتنافس كلها للحصول على الشهرة والتمويل.

ومعظم تلك الحركات لديها اهتمامات محلية، وأعضاؤها من السكان المحليين في المناطق التي يحكمونها، ويعمدون إلى التجمع مع بعضهم البعض لتشكيل كيانات إقليمية، وغالبا ما تجري تسمية تلك الحركات باسم زعمائها، مثل حركتي الملا نظير و موهماند طالبان.

وهناك حركات أخرى لديها أهداف فكرية أوسع.

وفي الغالب، تضم تلك الحركات مقاتلين من مقاطعة البنجاب ممن كانوا على صلة بحركة لاشكار جنجفي التي تسعى للقضاء على المذهب الشيعي. ولأولئك المقاتلين روابط بتنظيم القاعدة والحركات التي تتبعها، وخاصة حركة طالبان باكستان والحركة الإسلامية في أوزبكستان.

المزيد حول هذه القصة