هل يتمتع اليمين المتطرف فعلا بنفوذ كبير في اوكرانيا؟

مصدر الصورة BBC World Service

منذ اندلاع "الثورة" في اوكرانيا في فبراير / شباط الماضي، دأب الكرملين على وصف حكام كييف الجدد بأنهم "طغمة من الفاشيين" مكونة من نازيين جدد ومعادين للسامية همهم الوحيد اضطهاد الاوكرانيين الناطقين بالروسية ان لم يكن تصفيتهم نهائيا.

ليس هذا صحيحا بالتأكيد، فاحزاب اليمين المتطرف اخفقت في الفوز بنسبة الـ 5 بالمئة من الاصوات الضرورية للسماح لها بدخول البرلمان. ولكن لو كان لها ان تتحد في جبهة واحدة ربما كانت ستتمكن من تحقيق هذه النسبة والفوز بمقاعد برلمانية.

وفي حقيقة الامر، يوجد وزير واحد في الحكومة الاوكرانية الحالية له ارتباطات بالاحزاب القومية المتطرفة، ولكنه ليس نازيا او فاشيا بأي حال من الاحوال. علاوة على ذلك، فإن فولوديمير غرويسمان، رئيس البرلمان الاوكراني الحالي، يهودي الديانة. رغم ذلك، يتمتع غرويسمان بثالث ارفع منصب في البلاد بعد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

ولكن المسؤولين الاوكرانيين والكثيرين من الاعلاميين يرتكبون خطأ في الاتجاه المعاكس باصرارهم على ان الحياة السياسية في اوكرانيا خالية تماما من النفوذ والتأثير الفاشي. هذا خطأ واضح ايضا.

نتيجة لهذا الاستقطاب الشديد في وجهات النظر، يبقى الخوض في موضوع النفوذ الذي يتمتع به اليمين المتطرف في اوكرانيا امرا حساسا الى ابعد الحدود يفضل السياسيون والاعلاميون الابتعاد عنه لأنهم لا يريدون ان يغذوا آلة الكرملين الدعائية.

ولكن هذا التجاهل الكامل يحمل معه الكثير من المخاطر لأنه يسمح للقوميين المتطرفين بالاختفاء والعمل دون رقيب، فالعديد من الاوكرانيين يجهلون وجودهم اصلا بل يجهلون ما هي النازية الجديدة والفاشية وما هي اهدافها.

"وطني" مثير للغط

ظهر هذا التجاهل والحساسية بشكل واضح للعيان عندما منح الرئيس الاوكراني بترو بوروشينكو جواز سفر اوكرانيا لشخص تصفه منظمات حقوق الانسان بأنه "من النازيين الجدد في بيلوروسيا."

فقد منح الرئيس الاوكراني في الخامس من الشهر الحالي اوسمة وانواطا للمسلحين الذين دافعوا بضرواة عن المطار الرئيسي في منطقة دونيتسك شرقي البلاد ضد محاولات الانفصاليين الموالين لروسيا الاستيلاء عليه.

وكان من ضمن الذين كرموا سرحي كوروتكيخ الذي يحمل جنسية بيلوروسيا. وقد منحه بوروشينكو الجنسية الاوكرانية بعد ان اثنى على "خدمته الشجاعة والمتفانية."

ونشر موقع الرئيس الاوكراني صورة لبوروشينكو وهو يرتب على كتف كوروتكيخ الذي كان يرتدي بزة عسكرية.

وقد انتقد عدد من الخبراء الذين يتعقبون نشاطات اليمين المتطرف قرار بوروشينكو منح البيلوروسي الجنسية الاوكرانية.

ويقول هؤلاء إن كوروتكيخ كان عضوا في حزب الوحدة الروسية اليميني المتطرف، كما انه من مؤسسي الجمعية القومية الاشتراكية (النازية الجديدة) في روسيا.

وبحسب الاكاديمي الاوكراني انتون شيخوفتسوف، فإن هدف هذه الجمعية الاساسي هو "الإعداد لحرب عرقية."

وقال شيخوفتسوف إن البيلوروسي كوروتكيخ ادين بالتورط في تفجير وقع في قلب العاصمة الروسية موسكو عام 2007، كما القي عليه القبض في عام 2013 في العاصمة البيلوروسية مينسك لطعنه ناشطا معاديا للفاشية. وقد اخلي سبيله لاحقا لغياب الادلة.

وتقول الناشطة الحقوقية هاليا كويناش إنه رغم كون تفاصيل تلك القضية تتعلق باتهامات وليس حقائق مثبتة، فإن الاتهامات كانت خطيرة للغاية.

ولكن مسؤولين اوكرانيين كبار نفوا لاحقا ان تكون لكوروتكيخ اي صلات بالنازيين الجدد ووصفوا الاتهامات الموجهة اليه بأنها "افتراء"، إذ قال رئيس جهاز المخابرات الاوكراني فالنتين ناليفايتشينكو "ليس لجهاز مكافحة التجسس اي معلومات تمنعه من حيازة الجنسية الاوكرانية."

مع ذلك، فالحقيقة الثابتة هي ان النازيين الجدد يعتبرون معلما من معالم الحياة السياسية الجديدة في اوكرانيا رغم صغر حجمهم.

فوج آزوف

كما تبين قضية كوروتكيخ، فإن القوميين المتطرفين قد اثبتوا بأنهم مقاتلون اشداء في الحرب الشرسة الدائرة في شرقي اوكرانيا ضد الانفصاليين الموالين لروسيا والقوات الروسية (حسب ادعاء كييف) الذين يضمون ايضا عددا كبيرا من اليمين الروسي المتطرف.

نتيجة لذلك، نالوا قدرا من المقبولية رغم جهل غالبية الاوكرانيين بمعتقداتهم الحقيقية.

يعتبر فوج آزوف نموذجا لذلك.

فهذا الفوج الذي تديره منظمة "وطنيو اوكرانيا" المتطرفة التي تعتبر اليهود وغيرهم من الاقليات "دون البشر" وتدعو المسيحيين البيض الى شن حرب صليبية ضدهم. ويحتوي شعار هذه المنظمة ثلاثة من الرموز النازية المعروفة.

ويشكل فوج آزوف واحدا فقط من اكثر من 50 مجموعة متطوعين تحارب في شرق اوكرانيا، اغلبها لا علاقة لها بالتطرف. ولكن فوج آزوف يتمتع على ما يبدو بدعم خاص من جانب بعض كبار المسؤولين الاوكرانيين.

فوزير الداخلية آرسين افاكوف ونائبه انتون غيراشينكو دعموا بقوة ترشيح اندري بيلتسكي، قائد فوج آزوف، للبرلمان الاوكراني.

اما فاديم ترويان، وهو من كبار قادة فوج آزوف وعضو فعال في "وطنيو اوكرانيا"، فقد عين اخيرا قائدا لشرطة منطقة كييف.

يذكر ان كوروتكيخ هو الآخر من اعضاء فوج آزوف.

ومن الملاحظ ان الاعلام الاوكراني التزم الصمت تجاه الموضوع بأسره.

ففي مقابلة صحفية اجرتها مؤخرا صحيفة الجانب الايسر الاوكرانية التي تمتع بنفوذ واسع مع ترويان، لم يتطرق الصحفي الذي اجرى المقابلة اطلاقا الى خلفيته النازية او آرائه السياسية.

وبعد ان نشرت وكالة يونيان للانباء مقالا تحت عنوان "بوروشينكو يمنح نازيا جديدا الجنسية الاوكرانية"، استبدل المقال بآخر لا يتطرق اطلاقا لاتهامات التطرف.

ومما لاشك فيه ان هذا الصمت يحمل في طياته مخاطر جمة، فالخبراء يقولون إن فوج آزوف، الذي تلاقفت اخباره وسائل الاعلام الغربية، يضر بسمعة اوكرانيا ويصب في صالح حملة روسيا الاعلامية.

وبالرغم من ان اوكرانيا لا تحكم من جانب الفاشيين بالتأكيد، فإن المتطرفين اليمينيين يحققون بالفعل اختراقات خاصة في مجال سلك الشرطة.

اما الجمهور الاوكراني، فهو يجهل كل هذه الامور. والسؤال هو لماذا لا يريد احد توعيتهم؟

المزيد حول هذه القصة