حزن وإصرار في مدينة بيشاور بعد هجوم المدرسة الدموي

مصدر الصورة AFP
Image caption عندليب أفتاب، معلمة في المدرسة، تنتحب طفلها وإلى جانبها زوجها وأولادها

قتل مسلحون من طالبان 141 شخصا، معظمهم من الأطفال بمدرسة تقع في مدينة بيشاور الباكستانية في وقت سابق الأسبوع الجاري، مما أدى إلى حدوث مزيج من مشاعر الحزن والإصرار التي سادت بين أسر فقدت عزيزا لها في الحادث وأسر الناجين على حد سواء .

ولست بحاجة لرؤية برك الدماء التي لطخت أركان قاعة المدرسة كي تدرك أن مذبحة قد حدثت هناك في ذلك المكان.

تستطيع وأنت سائر أن تشم رائحة ثقيلة، ويحكي الصمت الغريب على وجوه البالغين المصدومين وهم ينظرون إلى ما تبقى من متعلقات الأطفال المبعثرة قصة مؤلمة.

تحمل صفوف المقاعد في هذه القاعة المدرسية آثارصورة مرعبة، فالكتب ملطخة بالدماء والأحذية خلفها الأطفال وهم يحاولون الهرب في يأس، فضلا عن بقايا قصاصات ورق عليها كلمات بخط يد الأطفال.

إنها المدرسة التي هاجمها مسلحو طالبان وأطلقوا الرصاص على ما يزيد على مئة طفل من مدى قريب.

كان التلاميذ في تلك القاعة يتعلمون دروسا في الإسعافات الأولية عندما وقع الحادث.

كما يحمل ركن من أركان القاعة أثر حريق يشير إلى واقعة إشعال مسلحين النار في أحد المدرسين.

مصدر الصورة AFP
Image caption تلاميذ يسيرون إلى جانب جندي بعد مذبحة بيشاور

شعور اليأس

عندما وصلت إلى مستشفى "ليدي ريدنغ" التي نقل إليها الكثير من الضحايا، رأيت مجموعة من أولياء الأمور وأفراد أسر يجتمعون أمام جدار ويتدافعون للوصول إلى الصفوف الأمامية.

كان الجدار يحمل قوائم أسماء القتلى والجرحى في الحادث.

وبانقضاء النهار أصبحت القائمة أطول كما أصبح عد المحتشدين أمام تلك القوائم أكبر، جميعهم يخالجهم شعور يائس بحثا عن حقيقة ما حدث لذويهم.

وفي وحدة الرعاية المركزة بالمستشفى وجدت طفلا يدعى سيد، 13 عاما، يرقد على فراش وحوله أسرته.

كان الطفل ما زال مصدوما وهو يروي ما حدث.

قالت لي والدته نادية، التي تعمل معلمة في المدرسة، إن طفلها اختبأ تحت مقعده ونادى عليها عندما بدأ الهجوم.

وقالت: "سمعت كل شيء. كان ابني على التليفون وقال لي (لقد أطلقوا علي الرصاص تعالي وخذيني). لم أعلم كيف أصل إليه. لا أستطيع أن أصف لك شعوري كأم."

وأضافت نادية والدموع في عينيها :"الحمد لله أنه الآن هنا معي."

مصدر الصورة AFP
Image caption بوابات المدرسة أصبحت أشبه بمزارات تمتلئ بالورود

"يملك عصفورين"

في المقابل هناك الكثير من أولياء الأمور الذين يتعين عليهم الآن أن يتقبلوا حقيقة ذهاب ذويهم بلا رجعة، مثل أسرة أيوان التي أطلق الرصاص على وجه ابنها، عبد الله، 14 عاما، أثناء الهجوم.

تجمعت نساء العائلة في ساحة الدار حول جثة الصبي الراقدة في نعش مفتوح، كان جسده النحيل محاطا بالزهور، كما استطعت أن أرى أثر الرصاصة في وجهه.

جلست أمه على الأرض وهي تبكي ماسحة جبهته وكانت تمسك ذراعه وتناديه باسمه.

أسرة مكلومة، وأقارب يبكون ذويهم، وأطفال صغار ينظرون لا يصدقون ما حدث.

ووقف رجال الأسرة في المقابر يرتلون آيات القرآن ويصلون على عبد الله قبل توديعه إلى مثواه الأخير.

قال لي عمه: "كان تلميذا متفوقا، كان يحب العصافير ويملك عصفورين في منزله وضعت إحداهما بيضا. وكان (عبد الله) يعد الأيام كي تفقس، لكنه الآن رحل."

وبعد مراسم التشييع تحدثت مع والد الصبي الذي قال لي: "إنه (عبد الله) الآن بين يدي الله، ويجب أن أصبر، أنا لا أشعر بأي شئ حاليا. جميع هؤلاء الناس حولي يساندوني. لكن ماذا أفعل عندما يداهمني الحزن وأنا وحدي الليلة في الفراش."

مصدر الصورة AFP
Image caption عشرات المراسم أقيمت لتشييع جثامين ضحايا المذبحة

"حلم مات"

وخلال الأيام التي أعقبت الهجوم ازدادت أعداد الحشود المتجمعة أمام بوابة المدرسة.

وبدت بوابات المدرسة أشبه بمزارات تمتلئ بالورود والشموع واللافتات.

كتبت على تلك اللافتات رسائل حزن وتضامن. قالت إحداها "كان ابني هو حلمي، وحلمي مات بالرصاص."

كما تجمعت مجموعة من طلبة المدرسة العامة العسكرية يرتدون زيهم الموحد.

مصدر الصورة AFP
Image caption نظمت مسيرات عديدة في شتى أرجاء باكستان تندد بطالبان

ما زال أحد التلاميذ ويدعى عاطف عظيم يحمل أثر بقع الدماء على سترته، بعد أن نجا من الهجوم لكنه قال لي إنه شاهد رفاقه من التلاميذ يموتون أمام عينيه.

قال لي :"ذهبت من جنازة إلى أخرى. لم أنم منذ يومين."

سألته إن كان يستطيع مواجهة العودة إلى المدرسة بعد ما حدث.

وقال :"هذا هو سبب حضوري هنا اليوم مرتديا الزي الموحد."

إنها رسالة إلى أولئك الذي نفذوا الهجوم، رسالة تقول لهم إن كان بإمكانكم أن تقتلوا أصدقائي ومعلميّ، لكني ما زلت هنا أرتدي زي المدرسة، وسأعود إليها.

المزيد حول هذه القصة