هجمات باريس: "أنا لست شارلي"

Image caption عززت الشرطة الفرنسية من وجودها لتأمين المعبد اليهودي في سارسيل

قد يكون لدى المسلمين الفرنسيين الذين يرفضون بشدة هجمات باريس أسباب تجعلهم لا يتبنون شعار "أنا شارلي".

قال لي أحد الشباب الذي التقيته في سارسيل: "بالنسبة للمسلمين فإن النبي محمد أكثر أهمية من آبائهم"، قال ذلك بينما وجهه ممتلئ بالازدراء للرسوم الكارتونية التي نشرتها مجلة شارلي إبدو.

وأومأ صديقه البالغ من العمر 18 عاما بالموافقة، حيث كنا نقف في شارع في هذه البلدة، التي تشتهر في فرنسا بأنها مجتمع كبير للجالية اليهودية من السفارديم.

وأردف: "لقد تلقوا تحذيرات لكنهم استمروا في السخرية من النبي محمد، لكنك لا يمكنك أن تقتل لهذا السبب، لا يمكنك محاربة حرية الصحافة في فرنسا. ومع ذلك هم سيحاسبون أمام الله".

وقال شاب ثالث يبلغ من العمر 22 عاما وهو مسلم أيضا: "المسلمون الحقيقيون يدينون تلك الهجمات".

وأضاف: "هؤلاء الذين ارتكبوا الهجمات مختلون عقليا. الهجوم على المتجر اليهودي كان فادحا على فرنسا والعالم، إذا قتلت رجلا فكأنما قتلت البشرية جميعا. هذا هو ما نعتقده".

لقد وقفنا على الرصيف نتحاور بانفتاح لكن أحدا لم يرغب في الكشف عن هويته.

القيم الفرنسية

لقد تعمق عدم الثقة إزاء وسائل الإعلام منذ اندلاع أعمال عنف في يوليو/ تموز الماضي، حينما منعت قوات الشرطة مثيري الشغب من دخول المنطقة اليهودية في البلدة، عندما تظاهروا غاضبين بسبب القصف الإسرائيلي على غزة.

ويحد خط خفي بداية المنطقة اليهودية في شارع بول فاليري، وهو مكان شهد مواجهة مع الشرطة. وتبدأ المنطقة قبل النصب التذكاري للمحرقة اليهودية والمعبد.

ولا يوجد أي علامة على اضطرابات، لكن المنطقة مؤمنة من جانب شرطة مكافحة الشغب منذ الأسبوع الماضي.

Image caption يعيش في سارسيل جالية مسلمة كبيرة

التقيت ديفيد، وهو تاجر يعمل في الأطعمة اليهودية، ويشعر بالفزع بسبب ما يراه تدهورا في علاقات الجالية اليهودية بغيرها في فرنسا، مما جعله يتنبأ بأنه في وقت ما ستهاجر "الغالبية العظمى" من اليهود، البالغ عددهم نحو نصف مليون شخص في فرنسا.

لكن فتى مسلما اتهم وسائل الإعلام الفرنسية بتضخيم الانقسام في سارسيل، التي يشكل اليهود نحو ربع سكانها البالغ عددهم نحو 60 ألف شخص، قائلا وهو مبتسم: "نحن نقول شيئا ما، لكنك ربما تكتب شيئا آخر".

وحينما سألته كيف يتعامل هو وأصدقاؤه مع الجالية اليهودية في البلدة، أجابوني بأنهم لديهم أصدقاء من اليهود وأن "شيئا لم يتغير".

وأضاف: "لقد هوجمت مساجد من قبل، لكن ذلك لم يتصدر نشرات الأخبار".

وتحدث الشاب الأكبر سنا ضمن الثلاثة بحماسة حقيقية للقيم الفرنسية، التي تربى عليها من حرية وأخاء ومساواة. وقال عن بلده الأصلي: "حينما أذهب إلى قضاء إجازة في المغرب، أشعر بأنني لا أستطيع العيش هناك لأن الناس يشعرونني بأني فرنسي".

وأضاف: "لكن في فرنسا يشعرونني بأني مغربي".

وتساءل الشاب الأصغر: "هل أصعد إلى المنطقة اليهودية؟"، وأضاف بطريقة أقل حدة أن اليهود يقطنون الجزء الأجمل في سارسيل، وأشار إلى الصفوف الطويلة من المباني ذات الشكل الموحد والمكونة من خمس طوابق والتي تمتد لأسفل حتى محطة السكك الحديدية.

في الواقع، كان هناك زمن عاش خلاله المهاجرون اليهود من المستعمرات الفرنسية هناك في أعداد محدودة، ولا يزال بعض اليهود هناك لكن التركيبة السكانية قد تغيرت.

ويجلس رجال كبار السن إلى جوار المسجد بالقرب من المحطة ويتحدثون بالعربية.

"استفزازات"

وقدم لي رجل تونسي متقاعد عن العمل سببين جعلاه لا يشارك في مسيرات الوحدة الوطنية التي جرت في باريس الأحد، في الوقت الذي يدين فيه الهجمات.

ومثله مثل الشباب الصغار، يشعر هذا الرجل بالغضب إزاء الرسوم الكارتونية التي نشرتها مجلة شارلي إبدو، وقال: "إنها تعمدت استفزاز المسلمين، لمجرد التسلية".

Image caption شارك ملايين الأشخاص في مسيرات تضامنا مع مجلة شارلي إبدو في أنحاء فرنسا

وأضاف: "لقد هاجمت دينهم. اسخر من نفسك إذا أردت، لكن دع الآخرين وشأنهم. وسائل الإعلام مثل السيارة، فأنت بحاجة إلى رخصة لكي تقود السيارة على الطريق، وإلا فستعرض حياة الآخرين للخطر. مجلة شارلي ليس لديها رخصة لكي تعرض حياة الناس للخطر باستفزازاتها".

أما السبب الثاني فهو مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في المسيرة، والذي يصفه بأنه "أكبر إرهابي في العالم" بسبب الحرب على غزة.

ويؤكد الرجل أنه ليس ضد اليهود، قائلا إن لديه أصدقاء يهودا في بلده الأصلي تونس.

"لا أحد في مأمن"

التقيت مسلما متقاعدا آخر وهو رجل من المغرب، وقال لي إن لديه أصدقاء يهودا أيضا هنا في فرنسا، ويتناول معهم "القهوة أو البيرة".

ويتبنى الرجل وجهة نظر مستقلة إلى حد ما إزاء مجلة شارلي إبدو، واصفا إياها بأنها صحيفة هامشية لم يرغب يوما في قراءتها، مضيفا: "لكني بنسبة 200 في المئة مؤيد لحرية التعبير".

وأشار إلى أن الكثير من المسلمين ربما كانوا سيشاركون في المسيرة، إذا لم يشعروا بـ"الخجل" من تصرف مسلحين يزعمون أنهم يدافعون عن الدين.

وأضاف: "كما أن مسلمين آخرين يخافون من انتقام الجهاديين منهم إذا شاركوا في المسيرات".

وقال لي قبل أن يوجهني إلى أقرب محطة ترام إنه نفسه يشعر بالقلق بعد الهجمات، مضيفا: "لا أحد في مأمن الآن".

وبينما يخرج بي الترام من سارسيل، فكرت في أنني لم أر لافتة واحدة تحمل عبارة "أنا شارلي" أو رمز القلم الرصاص منذ وصولي للبلدة، لكن المعركة الدائرة بين الأفكار هنا ليس أقل ضراوة منها في باريس ذاتها.

المزيد حول هذه القصة