فرقاطة فرنسية من القرن الثامن عشر تبحر إلى أمريكا

استمتع الزائرون في ميناء لاروشيل جنوب غربي فرنسا خلال الأسبوع الجاري برؤية أحد أعظم مشاهد تاريخ الإبحار، حيث شاهدوا فرقاطة قوية يعود تاريخها لنحو 240 عاما، تم تجهيزها وإعدادها لخوض المغامرة.

إنها إرميون، نسخة طبق الأصل من الفرقاطة الفرنسية التي تنتمي للقرن الثامن عشر وتحمل نفس الاسم، وهي نتيجة عشرين عاما من التفاني والإبداع.

ونجحت الفرقاطة ذات الثلاثة صواري في محاولات سابقة للإبحار عبر خليج بسكاي، وأبحرت في رحلتها الأولى عبر المحيط الأطلنطي لتصل إلى الولايات المتحدة حيث طافت السفينة الأولى التي حملت نفس الأسم.

ويضم طاقم الفرقاطة 18 بحارا محترفا و54 من المتطوعين الشباب، بعضهم لم يسافر عبر البحر من قبل.

وسيواجه هؤلاء ستة أسابيع من الرياح والأجواء المتقلبة قبل أن يروا اليابسة مرة أخرى.

أفضل صديق فرنسي

وسترسو السفينة في مدينة يوركتاون الأمريكية عند مدخل خليج تشيزبيك، حيث شهدت هذه المدينة استسلام الانجليز لجورج واشنطن في نهاية الثورة الأمريكية عام 1781.

وتعد النجاح في يوركتاون نتيجة للتحالف الفرنسي الأميريكي، الذي لا يزال يحتل موقعا مهما في الذاكرة التاريخية للبلدين. وللفرقاطة إرميون أهميتها في هذه القصة.

فقد كانت الفرقاطة إرميون هي التي حملت إلى بوسطن عام 1780 الارستقراطي الفرنسي الشاب جيلبرت دو موتي أو ماركيز دى لافاييت، الذي لا يزال، بعد أكثر من مئتي عام يحمل لقب أفضل صديق فرنسي للأمريكيين على الإطلاق.

ويرى القائمون على المشروع أنه وسيلة للاحتفاء بالسفن الضخمة والتاريخ والصداقة الأمريكية الفرنسية.

ويقول المؤرخ لورانس شاتيل دو برونسيو، الذي كتب السيرة الذاتية لـ"لافاييت": "الحقيقة المحزنة أنه بالرغم من أن فرنسا دولة بحرية عظيمة، إلا أننا أهملنا تاريخنا البحري."

وأضاف: "ليس لدينا ما يماثل نصر فرنسي مماثل لنصر نلسون الشهير في ترافلغر الذي أضر بنا كثيرا. نحن نحتاج إلى سفينة تاريخية خاصة بنا، يمكن للناس أن يزوروها ليطلعوا على تاريخنا في البحرية".

Image caption العديد من أفراد الطاقم المتطوعين لم يسافروا عبر البحر من قبل
مصدر الصورة AFP
Image caption اكتسب أفراد الطاقم المتطوعين مهارات بحرية بسرعة

إعجاب

واختيرت الفرقاطة إرميون إلى حدما لارتباطها بـ "لافاييت" (وهو ما جذب عددا من المموليين الأمريكيين)، لكن لأنها أيضا تمثل نقطة فارقة في تاريخ صناعة السفن في فرنسا.

واكتمل بناء إرميون عام 1779 في ميناء روتيشفورت، وكانت بمثابة تاج البحرية الفرنسية. وكانت الفرقاطة صغيرة (طولها 65 مترا وتحمل 34 مدفعا) لكنها كانت أنيقة وسريعة للغاية.

وأعجب الانجليز، الذين كانوا يحاربون الفرنسييين طيلة القرن السابق وظلوا كذلك حتى عام 1815، بالفرقاطة الفرنسية.

وفي عام 1783 استولوا على فرقاطة مشابهة للفرقاطة إرميون وهي كونكورد. وقبل أن يعيدوها إلى ساحة الحرب وهي تحمل العلم البريطاني، أجروا دراسة شاملة لاستكشاف كيف تبحر بهذه السرعة.

واحتفظ الانجليز بهذه الدراسات بمقر البحرية البريطانية في جرينتش، لتشكل الأساس لأعادة تصنيع إرميون بعد أكثر من قرنين من الزمان.

جوهرة

وبعد عدة سنوات من قيام جمعية إرميون – لافاييت بجمع الأموال، بدأ بناء فرقاطة نسخة من إرميون عام 1997.

وعلى مدى سنوات زار مئات الآلاف من الأشخاص حوض بناء السفن، الذي تم تجديده في رتشيفورت، لكي يروا العمل الجاري لإعادة بناء نسخة طبق الأصل من الفرقاطة.

واستغرق العمل 17 عاما، وتكلف 30 مليون دولار، من حصيلة الأموال العامة والخاصة.

وعلى رصيف ميناء لاروتشيل بدت الفرقاطة وكأنها جوهرة. ووقف طابو طويل من الزوار لمشاهدة الفرقاطة، بينما انشغل أفراد الطاقم بإكمال الاستعدادات لبدء رحلة الإبحار.

وبالعودة إلى عام 1780، اختيرت إرميون للقيام بمهمة القائد لافاييت بسبب سرعتها الفائقة.

وكانت مهمة لافاييت تلك هي ثاني رحلة له إلى الولايات المتحدة، حيث التقى جورج واشنطن الذي نجح في التأثير عليه تماما.

مصدر الصورة AFP
Image caption زار مئات الآلاف من الأشخاص الفرقاطة هيرميون أثناء عملية إعادة بنائها التي استغرقت سنوات
Image caption أدخلت تعديلات ضرروية على نسخة الفرقاطة لتواكب معايير الوقت الراهن

مساعدات عسكرية

في الحقيقة فإن بن فرانكلين، رجل المستعمرات الثائرة الأساسي في باريس، حث جورج واشنطن على تملق الرجل الفرنسي، والحفاظ على حياته ثم إرساله إلى بلاط الحكم في فرساي، حيث يمكن أن يساعد دعمه في تحقيق تحالف مهم للغاية مع فرنسا.

وبالفعل تحقق ذلك، وخلال رحلته الثانية إلى أمريكا كان لافاييت ينقل وعدا لواشنطن بمساعدات مادية هامة: السفن والجنود.

وخلد الأمريكيون ذكرى لافاييت بتسمية عشرات الأماكن على اسمه مثل لافاييت ألاباما، وفاييتفيل في كارولينا الشمالية.

وسميت بعض تلك الأماكن على اسم جولة لافاييت في الولايات المتحدة، التي ألقى فيها خطابات سياسية، عامي 1824 – 1825، حيث احتفل به كآخر قائد على قيد الحياة ممن شاركوا في حرب الاستقلال الأمريكية.

لكن حظ لافاييت فرنسا كان مختلطا. فخلال الثورة أثار غضب المؤيديين للملكية باعتباره ليبراليا أكثر مما ينبغي، وأثار غضب الثوار باعتباره محافظا أكثر مما ينبغي.

وبالنسبة إلى شاتيل دو برونسيو "كان لافاييت قويا في الحرب، سيئا في السياسة"، لكنه كان قادرا على النجاة بنفسه، وخدم في حكومات فرنسية متعاقبة حتى موته عام 1834.

مصدر الصورة AFP
Image caption يأمل الفرنسيون في أن تحيي النسخة الجديدة من الفرقاطة هيرميون تاريخهم البحري

والنسخة الجديدة من إرميون مطابقة تماما للنسخة الأصلية، لكنها تتضمن بعض الخصائص الحديثة، كان لافاييت سيعرفها لو عاش لعصرنا هذا.

وتتطلب قواعد الوقت الراهن وجود محرك وقوارب نجاة. كما أن معايير النظافة الشخصية بلا شك أعلى كثيرا من نظيرتها قبل 240 عاما.

وأسفل طوابق السفينة هناك مكان يتسع لنحو سبعين شخصا للنوم فيه على ارجوحات شبكية، بالإضافة إلى مطابخ وحمامات، وأماكن لتخزين الحمولات، وكابينة للقبطان وغرفة للمحرك وغيرها من المرافق.

وأحد المتطوعين ذوي القمصان الحمراء على السفينة، شاب لم يكن ليبدو غريبا إلى جوار الماركيز.ويدعى هذا الشاب آدم هودجز لوكلير، وهو طالب أمريكي ومتخصص في تصميم الملابس. وصمم هذا الطالب، وارتدى، تصميمه الخاص من ملابس بحارة القرن الثامن عشر.

ويقول لوكلير: "هذه التجربة تسمح لي بأن أرى كيف تعمل هذه الملابس خلال الممارسة. هذا الأمر أكثر عمقا من مجرد القراءة عنه في الكتب".

وانطلقت الفرقاطة مساء السبت بعد احتفالات حضرها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند. وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة ستسافر بمحاذاة الساحل الشرقي، وتشارك في احتفالات الولايات المتحدة بعيد الاستقلال في الرابع من يوليو/ تموز المقبل.

المزيد حول هذه القصة