كيف كان أداء يانيس فاروفاكيس في الأزمة اليونانية ؟

مصدر الصورة BBC World Service

التقيت مؤخرا بوزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس في بهو أحد فنادق أثينا الراقية.

وجاء لقاؤنا عند نهاية اسبوع مضطرب بالنسبة للحياة السياسية في اليونان، إذ جرى بعد ساعات فقط من الاعلان عن التعديل الوزاري الأخير الذي اقال فيه رئيس الحكومة أليكسيس تسيبراس عددا من الوزراء الذين انشقوا عن سياساته وقراراته. ومنذ ذلك الحين، تحسن التصنيف الائتماني لليونان كما تحسن موقفها بالنسبة للسيولة النقدية مما ابعد شبح خروج البلاد من منظومة الدول الأوروبية التي تستخدم العملة الأوروبية الموحدة اليورو.

وقبل يومين من موعد لقائنا، اندلعت اعمال عنف في البلاد احتجاجا على تصويت البرلمان بالمصادقة على أحدث اتفاق للانقاذ المالي والذي يفرض شروطا على اليونان يعتبرها كثيرون مجحفة بحقهم. وكان فاروفاكيس آنذاك يقود هجوما على سياسات حكومته تحت قبة البرلمان.

والآن، وبعد اشهر من المفاوضات الفاشلة والعراك في الشوارع واتفاق لا يرضي اليونانيين، سألته عما اذا كان يشعر بالأسف لاخفاقه في حل الأزمة في وقت أبكر.

ولكن، ودون أي تردد، ذكرني فاروفاكيس بنتيجة الاستفتاء الذي أيد موقفه بنسبة 61,5 بالمئة، للاثبات بأنه انما كان يعمل بارادة الشعب.

عند ذاك، تغيرت نبرته لتصبح تلك التي يستخدمها زعيم سياسي لمهاجمة خصم له في قاعة البرلمان، وارتفع صوته ليتفوه ما يعتقد انها ضربته القاضية.

وما زال جوابه يرن في أذني، إذ قال "سؤالك يا سيدي يعتبر مرادفا للقول بأن الخطاب الذي القاه (رئيس الحكومة البريطانية ابان الحرب العالمية الثانية) ونستون تشرتشل عام 1940 والذي رفع فيه من همة الشعب البريطاني في مواجهة الغزاة، هو الذي كان مسؤولا عن معاناة سكان لندن اثناء حملة القصف الجوي الألماني وبعدها من شح في المواد الأساسية وتقنين المواد الغذائية وغيرها. لا مجال للشك بأن الدفاع عن الحرية والعقلانية يتطلب في بعض الاحيان قدرا كبيرا من المعاناة. ولكن أن تنقلب على الضحايا وتحملهم مسؤولية ما فعله الأشرار يعتبر قمة الصفاقة."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption سألني فاروفاكيس عما اذا كان تشرتشل هو المسؤول عن معاناة اللندنيين في الحرب الثانية

وعود غير قابلة للتحقيق

وسط التظاهر بالشجاعة خرجت بانطباع بأن فاروفاكيس يعتقد بأن معاناة اليونانيين كانت ثمنا يستحق الدفع، ولكن لأي غاية؟

للتوصل الى اجابة على هذا السؤال، توجهت الى اثنين من الاقتصاديين.

بالنسبة للاقتصادية فيكي برايس، المولودة في العاصمة اليونانية، فإن فاروفاكيس سمح للمفاوضات مع زعماء دول منظومة اليورو أن تستمر لوقت أطول من اللازم.

وتقول "الحقيقة التي لا يرقى اليها شك تقول إن اليونانيين لم يحصلوا على أي شيء مقابل الاشهر الستة التي قضوها في التفاوض. كان على تسيبراس وفاروفاكيس أن يعيا بأن الوعود التي قطعاها للشعب اليوناني غير قابلة للتحقيق."

وأضافت ان الاقتصاد اليوناني بدت عليه في العام الماضي علامات التعافي، إذ تمكنت المصارف من تعزيز مدخراتها بسهولة وتمكنت الحكومة من اقتراض الاموال بسندات امدها ثلاث أو خمس سنوات.

ولكن التأخير الذي نتج عن المفاوضات المطولة أضاع تلك الفرصة، ونتيجة لذلك اغلق العديد من الشركات والمصالح ابوابه.

ويتفق فاسيليس بيزمازاوغلو، الاستاذ المساعد في علم الاقتصاد في جامعة البيلوبونيس، مع ما ذهبت اليه برايس من أن المفاوضات الفاشلة كان لها أثر سلبي أو "انكماشي" على حد تعبيره.

وقال "إن قرار اجراء الاستفتاء، وخصوصا بالنظر لتوقيته وأثره في اتخاذ قرار اعتماد ضوابط التحويل، أضعف الاقتصاد، فبدل أن تتمتع اليونان بنمو نسبته 2,8 بالمئة يتوقع للاقتصاد أن ينكمش بنسبة ناقص 3 بالمئة في 2015 وأعلى من ذلك بقليل في العام المقبل.

تحقيق نتائج

واذا كان فاروفاكيس يأمل في أن يجبر الدائنين على التراجع بتهديدهم بخروج اليونان من منظومة اليورو، لم يكن لهذه الخطة أي حظ بالنجاح.

وقال بيزمازاوغلو إنه اصبح واضحا بالتدريج على مدى الاسابيع القليلة الماضية أن خروج اليونان من منظومة اليورو لم يكن ليزعج الاسواق أو المصارف الى حد كبير، بل أن هذا الخيار كان هو المفضل بالنسبة لعدد من كبار الساسة الألمان.

ولكن فاروفاكيس، الحليق الرأس الذي يحب الظهور بسترته الجلدية، والذي اطلق عليه الاعلام "نجم الروك في الحياة السياسية"، يصر على استخدام اسلوبه العدائي بأمل تحقيق النتائج التي يرتجيها.

وقالت فيكي برايس إن التفاوض حول ديون اليونان اصبح الآن مسلما به بل ضروري لتعافي البلاد على المدى البعيد، فيما اقتنعت معظم الجهات الدائنة بأن التقاعس عن اتخاذ اجراءات من شأنها خفض هذه الديون ليس واردا.

وتقول برايس "سيشجع ذلك على اعادة التفكير في ما قد يحدث في مناطق اخرى من منطقة اليورو، مثل البرتغال واسبانيا. بدأت العملية في الاشهر القليلة الماضية، بفضل فاروفاكيس الى حد كبير."

وقالت "فقد كشف فاروفاكيس عن مشاكل اليونان ومنطقة اليورو والاسلوب اللاديمقراطي الذي اتخذت به القرارات التي تهم الدول الاخرى والانقسامات بين الدائنين وكلها عوامل أدت الى بروز دور فرنسا كصانع قرار مهم في وقت كان يبدو فيه أن ألمانيا هي التي تمسك بالمقود."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption فاروفاكيس: "نجم الروك" في عالم السياسة؟

نرجسي ؟

وفي أحدث فعالية له، بعد لقائنا، صوت فاروفاكيس مع الحكومة ليلة الاربعاء لصالح اجراء سلسلة من الاصلاحات الضرورية لاطلاق مفاوضات الانقاذ من جديد.

وفي الحقيقة، اصبح سلوك فاروفاكيس، الاقتصادي الماركسي الذي يهوى ركوب الدراجات النارية، صعب التوقع بالنسبة لبعض اليونانيين.

قالت لي أم اثينية تتابع أخبار فاروفاكيس إن نهجه يبدو غير ثابت في بعض الأحيان، فهو ينتقد الاتفاق مع الاوروبيين والدائنين تارة ثم يؤيده عندما يصبح ذلك ضروريا. واضافت بأنها تعتقد أنه يتصرف بنرجسية في بعض الاحيان.

وعندما اعيد النظر في لقائي القصير به، تثير انتباهي القوة التي يدافع بها عن مواقفه المتشددة. ولكن فيما كان ذلك يعتبر من نقاط قوته في وقت ما، أجد نفسي اتسائل ان لم تكن من نقاط ضعفه بعد أن فشلت السياسات التي كان ينادي بها في زحزحة الأزمة.

ولكن، والقول لفاروفاكيس، سينظر المؤرخون الى هذه الحقبة باعتبارها تلك التي "داست أوروبا فيها على روحها."

قد يكون ذلك، ولكن مما لا يرقى اليه الشك أن المؤرخين سيهتمون بتأثير هذا الرجل على الطريقة التي ستدار بها منطقة اليورو في المستقبل.