البوسنة تغوص في مستنقع السياسة العرقية والإحباط

مصدر الصورة AP
Image caption قذف المتظاهرون رئيس الوزراء الصربي الكسندر فوسيتش بالحجارة في الذكرى الـ 20 لمجزرة سربرينتسا

لا يمكن ممارسة التجارة والأعمال بالمفهوم المعتاد في جمهورية البوسنة. وكيف يحدث هذا في بلد منقسم إلى "كيانين عرقيين"، يحكمه 14 رئيس وزراء، وفي ظل وجود ثلاثة رؤساء يتصرف كل منهم كرئيس للدولة؟

وحتى وفقا للمعايير الغريبة في البوسنة، تمر البلاد بأوقات عصيبة - إذ عادت فكرة استمرار وجود الدولة إلى الواجهة مرة أخرى.

وقد دعا ميلوراد دوديك، رئيس صرب البوسنة التي تشكل الأغلبية العرقية في البلاد، إلى استفتاء في سبتمبر/أيلول المقبل حول سلطة المحكمة البوسنية الوطنية في جمهورية صرب البوسنة. ويتبنى دوديك أيضا سياسة انفصال جمهورية صرب البوسنة بحلول عام 2018.

وفي الوقت نفسه يشعر بعض القوميين الكروات بالاستياء من مشاركتهم للكيان الآخر (اتحاد البوسنة والهرسك) مع البوشناق (المجموعة العرقية ذات الأغلبية المسلمة).

وكشف دوديك عن تأييده لفكرة وجود كيان ثالث - من شأنه أن يجعل جمهورية صرب البوسنة هي الكيان الأكبر، ولم يكن هذا من قبيل الصدفة.

وفي تأكيد على الغضب الدائم الذي يشعر به بعض البوشناق - بعد مرور 20 عاما على انتهاء الحرب - شهدت الاحتفالات الأخيرة في سربرينتسا هجوما لفظيا وجسديا على رئيس الوزراء الصربي الكسندر فوسيتش.

ويبدو الأمر لمن هم بالخارج وكأن البوسنة باتت على وشك التفكك، لكن الأمور هنا لا تبدو تماما كما هي في واقع الأمر.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption احتجاجات العام الماضي جعلت البعض يتحدث عن "الربيع البوسني" - لكن ظل السياسيون في نفس أماكنهم

مواطنون تقطعت بهم السبل

ويتحدث دوديك عن الانفصال منذ سنوات. وكانت هناك محاولة لإجراء استفتاء عام 2011، قبل أن يتم التراجع عن الأمر نتيجة الضغط الدولي. ولا تشجع صربيا زعيم جمهورية صرب البوسنة على ذلك - وفي الواقع حث رئيس الوزراء فوسيتش دوديك على إعادة النظر في الاستفتاء.

ويرى كورت باسوينير، المحلل السياسي المقيم في سراييفو ويعمل في مجلس سياسة إرساء الديمقراطية، أن الأمر يعد تحديا لسلطة المجتمع الدولي في البوسنة.

وأضاف: "هذا هو دوديك يقوم باختبار الأنظمة لمعرفة ردود الفعل المحتملة".

وهناك أيضا فجوة بين خطاب القادة السياسيين ومشاعر عدد كبير من البوسنيين الذين يشعرون بأنه قد تقطعت بهم السبل في دولة ضعيفة.

وأظهرت الاحتجاجات التي شهدتها البوسنة العام الماضي أن هناك حالة من الغضب على نطاق واسع من السياسيين - الذين ينظر إليهم على أنهم يعملون على إثراء أنفسهم على حساب الشعب. ولكن عندما تأتي الانتخابات، يصوت لنفس الوجوه القديمة مرة أخرى.

وهناك عدة أسباب وراء ذلك، إذ لم تفرز الحركة الاحتجاجية قادة مقنعين للشعب، كما لم يبذل أي من الأحزاب السياسية جهدا قادرا على جذب الناخبين من جميع الخلفيات العرقية.

ويعني نظام المحسوبية أن بعض الأشخاص يخشون من خسارة وظائفهم إذا صوتوا "بطريقة خاطئة".

لكن جذور كل المتاعب تعود إلى اتفاق السلام الذي وقع في دايتون قبل 20 عاما، إذ رسخ للانقسامات وشبكات المحسوبية التي لا تزال قائمة حتى الآن - ويصر كورت باسوينير على أن الشخصيات الدولية يجب أن تتحمل مسؤولية تغيير ذلك.

وقال: "هذا حكم أقلية نتعامل معه على أنه ديمقراطية لأننا نحن من استحدثناه".

وأضاف: "الناس في هذا البلد راشدون ويمكن أن يحلوا المشاكل. والعقبة التي يجب إزالتها هي تحويل المستفيدين من النظام إلى عوامل تساعد على التغيير، لكنهم لن يصلوا إلى تلك المرحلة من تلقاء أنفسهم".

ويعد الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع الدولي في البوسنة مبعث قلق كبير للسكان المحليين. ودائما ما يحمل المحتجون خارج مبنى الرئاسة في سراييفو لافتات تدعو الاتحاد الأوروبي إلى التدخل.

لكن هاريس باسوفيتش، المخرج المسرحي الذي صنع اسمه ونجوميته من المهرجانات أثناء حصار سراييفو، يقول إن الأجانب الذين كان من المفترض أن يساعدوا البوسنة أصبحوا يشعرون بالراحة الشديدة من حالتها السيئة.

وتساءل: "ماذا كان سيحدث إذا كان كل شيء على ما يرام؟ إذا عملت في ظل الديمقراطية لمدة 20 عاما وأصبح كل شيء فجأة على ما يرام، ما الذي كان يمكن القيام به؟"

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يعتقد المخرج المسرحي هاريس باسوفيتش أن الأجانب أصبحوا يشعرون بالراحة الشديدة من حالة البوسنة السيئة

أزمة أم فرصة؟

وبعد سنوات من سياسة عدم التدخل تجاه الطبقة السياسية في البوسنة، أصبح بعض اللاعبين الدوليين أكثر نشاطا في الآونة الأخيرة.

وأصبحت الخطة الأنغلو ألمانية لتشجيع التغيير في البوسنة مبادرة من الاتحاد الأوروبي، وأعادت بروكسل تفعيل اتفاق الاستقرار والشراكة - وعرضت إمكانية تقديم مساعدات اقتصادية في مقابل إجراء إصلاحات ذات مغزى.

ولعل الأمر الأكثر تشجيعا للجميع هو أن لارس غونار، مبعوث الاتحاد الأوروبي للبوسنة، يرى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم اتفاق دايتون.

وقال: "لم يكن اتفاق دايتون مثاليا، ونحن بحاجة إلى صقله وتحديثه بحيث يمكن للبوسنة الاعتماد على نفسها".

ولن يكون هذا المسار خاليا من المخاطر. ويشير ملادن ايفانيتش، العضو الصربي في الرئاسة، إلى أن اتفاق دايتون قد ساعد على ضمان استمرار السلام لعقدين من الزمان.

لكنه لم يحقق الازدهار. وربما تكون الاضطرابات الأخيرة في جمهورية صرب البوسنة وسربرينتسا واتحاد البوسنة والهرسك بمثابة فرصة وليس أزمة: فرصة لمناقشة أن ما يحتاجه الناس في هذا البلد هو الابتعاد عن النزاع المجمد والاتجاه نحو مستقبل عملي.

المزيد حول هذه القصة