في بنغلاديش "لا يوجد مكان آمن" للملحدين والعلمانيين

مصدر الصورة Getty
Image caption قتل المدون نيلوي نيل بالمناجل في منزله

يشعر مستخدمو شبكة الانترنت بالصدمة بعد مقتل مدون رابع في بنغلاديش.

ويبدو أن الرجال الذين قتلوا المدون نيلوي نيل بالمناجل يسيرون على نفس النهج الدموي الذي شهدته بنغلاديش بالفعل ثلاث مرات خلال العام الجاري.

وكما هو الحال مع المدونين أفيجيت روي وواشيكور رحمن وبيجوي داس - الذين قتلوا جميعا في الآونة الأخيرة - كان الضحية معروفا لمستخدمي الإنترنت بأنه ملحد.

وشكل هؤلاء مجموعة استخدمت مدونة على مدى سنوات للتشكيك في وجود الله وطرح نقاشات حول الأفكار الإسلامية وغيرها من الأفكار السياسية والدينية.

واتهمت السلطات متشددين إسلاميين بأنهم وراء سلسلة من جرائم قتل الملحدين.

ويركز كثيرون على تفاصيل دقيقة في جريمة القتل الأخيرة وهي مكان وقوعها، إذ تعرض نيل للهجوم داخل منزله، في حين قتل الآخرون في أماكن عامة.

كنت الأسبوع الماضي في العاصمة دكا وتحدثت إلى مدونين وجماعات إسلامية، وسجلت حلقة لمدة ساعة لراديو بي بي سي والتقيت العديد من الملحدين والمدونين العلمانيين الذين كانوا حذرين للغاية في الأماكن العامة، لكنهم لم يشعروا بالخوف من الحديث معنا داخل المنزل، على الأقل حتى تلك اللحظة.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption كان نيلوي نيل ملحدا من خلفية هندوسية

"القائمة"

وألقت السلطات القبض على اثنين من طلاب المدارس الدينية للاشتباه في قتل واشيكور رحمن، كما اعتقل إسلامي دعا إلى قتل أفيجيت روي - على الرغم من عدم توجيه اتهامات لأي منهم إلى الآن.

وكان الأربعة أشخاص الذين قتلوا ضمن قائمة تضم 84 "مدونا ملحدا" أعدتها جماعات متشددة عام 2013، وجرى تعميمها على نطاق واسع.

وقدمت هذه القائمة إلى الحكومة في الأساس بهدف اعتقال هؤلاء المدونين، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة ازدراء الدين الإسلامي.

وأخبرتنا الجماعات الإسلامية التي طالبت في البداية باعتقال المدونين بأنها لا تعرف من يقتلهم.

وتدين العديد من الأصوات الداعمة للإسلام أعمال القتل لكنها في نفس الوقت تنتقد المدونين العلمانيين والملحدين.

وقال أحد المدونين المحافظين لبي بي سي: "كانوا يسخرون من الله، بطريقة سيئة حقا."

وأدان تالوكدير شاهيب (وهذا ليس اسمه الحقيقي)، وهو مدون شاب مرتبط بحزب الجماعة الإسلامية، القتل، لكنه دافع عن من يطالبون باعتقال المدونين.

وتساءل المدون "في بنغلاديش يمكن القبض عليك لانتقادك رئيس الوزراء، إذا لماذا لا يعتقل من ينتقد الله، أليس الله أعلى بكثير من رئيس الوزراء؟"

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption ينتظر نشطاء في بنغلاديش تقديم التعازي لأفيجيت روي

وتتسم خلفيات عمليات القتل بأنها أكثر تعقيدا من مجرد الجدل حول الدين وحده، إذ أن هناك تاريخا سياسيا أيضا.

فعلى سبيل المثال، تصف الجماعات الإسلامية هؤلاء المدونين بأنهم "ملحدون" - والعديد منهم كذلك في حقيقة الأمر، لكن من الأفضل وصف البعض الآخر ضمن القائمة بأنهم أصوات علمانية لا تشكك في المعتقد الديني لكنها تطرح نقاشات حول الدور العام للدين في بنغلاديش.

لكن الشيء المشترك بين المدونين هو مشاركتهم في حركة احتجاج علمانية بالأساس خرجت إلى الشارع في منطقة شاهباغ في دكا عام 2013، وكانوا يريدون تطبيق عقوبة الإعدام على مجرم حرب مدان من حزب الجماعة الإسلامية من بين أمور أخرى.

وواجهت هذه الحركة العلمانية معارضة في وقت لاحق من قبل الجماعات الإسلامية التي خرجت هي الأخرى إلى الشوارع، حتى قمعتهما الشرطة.

اعتقال المدونين

وقال حسن الحق اينو وزير الإعلام في بنجلاديش لبي بي سي إن المتشددين في ذلك الوقت حاولوا "تحويل القضية" - أو لفت الانتباه بعيدا عنهم - من خلال مهاجمة المدونين ووصفهم بأنهم "ملحدين ومعادين للإسلام".

لكن بعد مرور عامين، وبعد سلسلة من جرائم القتل، يشعر كثير من المدونين الآن بالغضب من السلطات ويتهمونها بالفشل في حمايتهم، وكذلك بإلقاء القبض على المدونين الملحدين لاسترضاء الجماعات الإسلامية.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption تُتهم الحكومة في بنغلاديش بقمع حرية التعبير للأصوات الدينية والعلمانية على حد سواء

وألقى القبض على ستة مدونين قبل أن يفرج عنهم بكفالة بتهمة الإساءة للمشاعر الدينية.

وقالت سارة حسين، المحامية الحقوقية التي تدافع عن العديد من المدونين المعتقلين، لبي بي سي "القلق الذي يساور كثير منا هو أنه في الوقت الذي لا يمكنك فيه أن تؤذي المشاعر الدينية، يمكنك أن تؤذي المشاعر العلمانية بقدر ما تريد."

وتُتهم الحكومة في بنغلاديش بقمع حرية التعبير للأصوات الدينية والعلمانية على حد سواء، بما في ذلك اعتقال شخصيات معارضة.

لكن اينو دافع عن الإجراءات الحكومية، قائلا "لدينا بعض القوانين التي تنص على عدم استخدام الدين بطريقة خاطئة. ففي حال تحريض شخص ما أو التحريض على الفوضى فمن المفترض إلقاء القبض علي المحرض ومحاكمته."

ونفى اينو أن تكون حرية التعبير مهددة في بنغلاديش.

وأضاف: "إذا نظرت إلى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، سترى أن الجميع ينتقدون أخطاء الحكومة أو إساءة استعمال السلطة أو الفساد."

"سجن مفتوح"

ويشعر المدونون الملحدون والعلمانيون بمزيج من الخوف والتحدي.

وأوضح المدون عارف رحمن لبي بي سي "يشعر المدونون وأصحاب الأفكار التقدمية في المجتمع بالغضب. فهم لا يشعرون بالخوف الآن، وأصبح الغضب تجاه الحكومة هو الموضوع الرئيسي الآن."

ويبدو البعض الآخر أكثر حذرا، وقال أحد المدونين لبي بي سي إن البلاد كلها أصبحت "سجنا مفتوحا" بالنسبة له ولعائلته الصغيرة، مشيرا إلى أنه يخشى من الرقابة على ما يكتب.

ومنذ مقتل نيل في منزله، يقول المدون إنه بات أكثر شعورا بالرعب، مؤكدا أنه "لا يوجد هناك شبر آمن في بنغلاديش."

وتساءل "كيف يمكنني أن أعتقد أن أشعر بالأمان في منزلي"، بعد مقتل نيل في منزله.

المزيد حول هذه القصة