هجمات باريس: محاربة تنظيم الدولة في الداخل والخارج

مصدر الصورة Getty
Image caption أحد منفذي هجمات الجمعة الدامية على الأقل كان معروفا لدى أجهزة الأمن الفرنسية

تحدث الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، عن شن "حرب لا رحمة فيها" على المسؤولين عن الأحداث الأخيرة المروعة في باريس. فكان خطابه قويا، وشددت الإجراءات الأمنية، وحشدت القوات.

لكن سلسلة الهجمات وإطلاق النار في باريس، نهاية الأسبوع، سلطت الضوء مرة أخرى على العقبات في توفير حالة الأمن الكامل في إحدى أهم العواصم الغربية الحديثة.

لكن إلى أي مدى كان هناك تقصير أمني؟ وهل كان يمكن أو حتى ينبغي على أجهزة الاستخبارات الفرنسية منع هذا الهجوم؟

وماذا عن الحملة الأوسع على ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية" في الخارج؟ وهل يرجح أن يتغير شيء هناك في أعقاب المذبحة المروعة في شوارع العاصة الفرنسية؟

كانت أحداث يناير/كانون الثاني الماضي، وهي الهجمات التي استهدفت مكاتب صحيفة شارل إبدو الساخرة ومركز تسوق يهوديا، سيئة في حد ذاتها، لكنها كانت بمثابة تحذير مروع بأن الأسوأ كان سيأتي.

مصدر الصورة AFP
Image caption بعد شهر من مذبحة شارل إبدو، عادت الصحيفة الأسبوعية إلى أكشاك بيع الصحف

وفي أعقاب تلك الهجمات، تعززت الأجهزة الأمنية.

ووفرت المئات من الوظائف الجديدة في مختلف وكالات الاستخبارات الفرنسية، وفرضت إجراءات جديدة لتعزيز التنسيق وتبادل المعلومات فيما بينها.

ويتطلب كل ذلك حتما وقتا لتنفيذه، كما أن الكثير من تلك الوظائف الجديدة لم تبدأ عملها بعد. لكن حتى تلك التعزيزات قد تكون غير كافية للمهمة المطروحة.

ويبدو مرة أخرى - كما حدث في هجمات يناير/كانون الثاني - أن أحد مرتكبي هجمات الجمعة الماضية معروف لدى أجهزة الاستخبارات الفرنسية.

مصدر الصورة AFP
Image caption أحد المعروفين لدى الشرطة الفرنسية استهدف مسرح باتكلان للحفلات

وكان إسماعيل عمر مصطفاى - أحد منفذي الهجمات الانتحارية في قاعدة باتكلان للحفلات - مواطنا فرنسيا وأدين في عدة جرائم سابقة.

وكان مصطفاي مرصودا لدى أجهزة الاستخبارات الفرنسية منذ عام 2010 كشخص يواجه خطر التشدد. ووفقا لصحيفة ليموند، فربما يكون مصطفاي قضى وقتا في سوريا بين عامي 2013 و2014.

ومهما كانت الأسباب، فلم يدق جرس الإنذار بشأن إذا ما كان قد عاد ومتى.

وفي الماضي، اشتكت المصادر الأمنية في فرنسا من الكم الهائل من القضايا التي تتعامل معها.

وهناك عدد كبير جدا من الأهداف المحتملة لدرجة يصعب مراقبتها جميعا، وفي حال عدم تورط أفراد في أي أعمال يشتبه فيها يكون من الصعب للغاية تبرير نشر وسائل المراقبة الشحيحة ضدهم.

صلات داخل بلجيكا

وتتطابق سيرة مصطفاي الذاتية مع هذا الجيل من الناشطين المتشددين.

وعلى الرغم من أن السلطات الفرنسية لم تدل بمعلومات كافية، فإن ثمة اختلافا بشأن تلك الهجمات الأخيرة وهو أن السلطات تعتقد اعتقادا واضحا بأن هناك قيادة خارجية وراء العملية.

ويبدو أن لدى الخلية التي نفذت هجمات باريس صلات داخل بلجيكا، التي تعد بؤرة لمسلمين متطرفين منذ فترة طويلة.

مصدر الصورة Getty
Image caption ضربات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تستخدم في محاولة لاحتواء تنظيم الدولة

وعلى الرغم من أن الحديث المتكرر عن الاختلافات بين تنظيمَيْ القاعدة و"الدولة الإسلامية"، وليس أقلها تصميم التنظيم على تأمين وامتلاك قاعدة إقليمية في الشرق الأوسط، يستعرض تنظيم الدولة حاليا قدرته على مد أذرعه إلى الخارج.

فإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء في مصر، والتفجيرات التي حدثت في تركيا وتلك التي تعرض لها حزب الله في لبنان، والآن تلك الهجمات في باريس، كل ذلك يظهر قدرته على استهداف أعدائه بعيدا عن معاقله في سوريا والعراق.

وبصرف النظر عن تكثيف جهود مكافحة الإرهاب وتنسيقها داخليا، وكذلك الجهود على مستوى أوروبا، فإن الأحداث المروعة في باريس تشير إلى الحاجة إلى رؤية جديدة بشأن إمكانية دحر تنظيم "الدولة الإسلامية". وهنا لا يتوفر سوى القليل من الإجابات السهلة لتلك التساؤلات.

فراغ السلطة في سوريا

وينصب التركيز حتى الآن، بصورة كبيرة على احتواء تنظيم "الدولة الإسلامية" في تلك المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا. وهذه هي مهمة الضربات الجوية للولايات المتحدة وحلفائها، مع الحديث الدائم عن أنه دون نشر قوات برية فعالة، سيكون من الصعب للغاية دحر التنظيم كليا.

وقد بدأت الأمور تتغير، مؤخرا. فالقوات الكردية حققت نجاحا محليا كبيرا في استعادة مدينة سنجار من تنظيم الدولة، فضلا عن إحراز القوات العراقية بعض التقدم حول مدينة الرمادي.

مصدر الصورة AFP
Image caption المقاتلون الأكراد طردوا مسلحي تنظيم الدولة من مدينة سنجار في العراق

ويوجد العديد من المستشارين الأمريكيين وغيرهم من الأجانب مع القوات البرية التي تحارب تنظيم الدولة، وإرسال المزيد من الطائرات الأمريكية إلى قواعد عسكرية في تركيا، حيث تتمكن الطائرات التي تنطلق من هناك من قضاء وقت أكبر في الأجواء السورية.

وهناك مؤشرات أولية لظهور خطة سلام دولية جديدة للأزمة السورية، رغم أنها صيغت في الأساس دون مشاركة مباشرة لأي من الفصائل المقاتلة على الأرض.

ويمثل وضع نهاية لفراغ السلطة في أجزاء كبيرة من سوريا شرطا حاسما لدحر تنظيم الدولة. لكنه من الصعب رؤية اختفاء هذه الظاهرة كليا.

ويعتبر تنظيم الدولة ذاته ببساطة صورة جديدة من تطرف مقاتلي تنظيم القاعدة الذين دحروا في العراق إبان "صحوة السنة".

وعلى الرغم من ذلك، أدى القضاء على قاعدتها الإقليمية والهروب المستمر لقادتها إلى احتواء تنظيم القاعدة واستنزاف موارده.

ورغم ذلك - مع الأسف - قد لا تكون هناك إجابة ثابتة لمثل هذا التساؤل.

فالأجهزة الأمنية بحاجة إلى أن تكون في أفضل مستوى ممكن، ويتعين كذلك على المجتمعات الأوربية أن تظهر صورة أفضل للاندماج، بينما يجب على البلدان في الشرق الأوسط السعى لتكون أكثر قدرة على توفير احتياجات مواطنيها.

المزيد حول هذه القصة