هجمات باريس: أسئلة رئيسية بعد مقتل أباعود

مصدر الصورة AFP
Image caption مواطنون يضعون أكاليل الزهور ورسائل بالقرب من قاعة حفلات باتاكلان في باريس والتي قتل فيها 89 شخصا في الهجمات

دخلت فرنسا والدول المجاورة لها حالة تأهب قصوى عقب هجمات باريس التي أسفرت عن مقتل 129 شخصا وإصابة مئات آخرين.

وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إن فرنسا "في حرب مع ما يسمى (تنظيم) الدولة الإسلامية".

نبحث في هذا التقرير التداعيات الدولية للهجمات والدروس التي تسعى السلطات للاستفادة منها.

هل انتهت الهجمات؟

من المبكر جدا القول إن الهجمات قد انتهت، لكن هناك انفراجة تحققت يوم الخميس بعد أن تأكد مقتل المشتبه به الرئيسي في الهجمات وأحد العناصر المتشددة في تنظيم الدولة الإسلامية وهو عبد الحميد أباعود في مداهمة للشرطة في ضاحية "سان دني" شمالي باريس.

وجرى التعرف رسميا على بصمات أصابعه من خلال بعض الأشلاء التي عثر عليها في إحدى الشقق بسان دني، حيث اشتبكت مجموعة من المسلحين مع قوات مكافحة الإرهاب في وقت مبكر من يوم الأربعاء.

وتبحث فرنسا عن مشتبه به رئيسي آخر ويدعى صلاح عبد السلام، والمتهم باستئجار واحدة من السيارات التي استخدمت في الهجمات. وشارك شقيق صلاح في الهجمات وفجر نفسه في شارع "بوليفار فولتير" خلال الهجمات التي وقعت الجمعة الماضية.

وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن تسعة مسلحين نفذوا الهجمات، وأعلن عن مقتل سبعة من المهاجمين، لكن هناك احتمال أن مهاجما آخر بالإضافة إلى صلاح عبد السلام لا يزال هاربا.

وثارت تكهنات بأن المسلحين الذين قتلوا واعتقلوا في "سان دني" كانوا يخططون مع عبد الحميد أباعود لمهاجمة حي "لاديفانس " التجاري الشهير في باريس ومطار شارل ديغول لكن لم تقدم أدلة على ذلك.

مصدر الصورة AFP
Image caption الشرطة داهمت شقة في ضاحية سان دوني وخاضت اشتباكات ضارية مع مسلحين وقتل ثلاثة بينهم أباعود

كيف جرى التخطيط للهجمات؟

تعتقد السلطات الفرنسية أن تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا هو الذي خطط لشن الهجمات، وجرى التخطيط للعملية في بلجيكا على الأرجح في حي "مولينبيك" في بروكسل الذي يعرف بارتفاع معدلات البطالة والمشاكل الاجتماعية ومزيج من السكان المهاجرين.

وقال تنظيم الدولة الإسلامية إن مسلحيه هاجموا باريس لمعاقبة فرنسا "الصليبية" بسبب غاراتها الجوية ضد "المسلمين في أرض الخلافة"، في إشارة إلى المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا. ووصف المسلحون باريس بأنها "عاصمة العهر والدعارة".

وتضم "مولينبيك" العديد من السكان العرب وتحدثت تقارير منذ فترة طويلة عن وجود جهاديين مرتبطين بهذا الحي.

واستخدمت ثلاث سيارات استؤجرت في بلجيكا في هذه الهجمات.

ويعتقد المحققون أن المسلحين استخدموا منازل آمنة في "سان دني" و"بوبيني" و"ألفورت فيل" في منطقة باريس.

لكن من غير الواضح متى التقى أفراد هذه المجموعة لتنفيذ الهجمات، وهناك عناصر أخرى لهذا المخطط لا تزال غير معروفة.

مصدر الصورة Reuters
Image caption مجلة دابق التي يصدرها تنظيم الدولة الإسلامية وصفت هذا الشخص بأنه عبد الحميد أباعود

وسيدرس المحققون التسجيلات الهاتفية ويفحصون الأسلحة التي ضبطت للوصول إلى المزيد من الأدلة.

ويعتقد المحققون أن هناك ثلاث مجموعات من المسلحين منظمة جيدا وتعمل بتنسيق كبير عن كثب نفذت الهجمات التي وقعت في باريس في 13 نوفمبر/تشرين الثاني باستخدام بنادق كلاشينكوف هجومية وأحزمة ناسفة.

وشهدت قاعة حفلات باتاكلان وقوع أكبر عدد من الضحايا في هذه الهجمات، حيث قتل 89 شخصا.

وقال بيتر فان اوستاين الخبير البلجيكي في التنظيمات الإسلامية المتشددة إن الهجمات على الأرجح تطلبت شهورا من التدريب.

وكان المخطط يهدف بشكل واضح إلى إيقاع عدد كبير من القتلى بشكل عشوائي، إذ أنهم استهدفوا أماكن مزدحمة يتجمع فيها الشباب للهو.

لماذا فشلت السلطات في إيقاف المهاجمين؟

ستجرى تحقيقات حول ما إذا كانت أجهزة الأمن الفرنسية ونظيراتها الأوروبية كان يجب عليها جمع معلومات استخباراتية أوفى بشأن الهجمات وإيقافها.

وقال فان اوستاين لبي بي سي إن مقاتلين بلجيكيين اثنين من تنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال حذرا في فيديو نشر في فبراير/شباط الماضي بأنهما سيهاجمان فرنسا.

وشددت الإجراءات الأمنية في فرنسا بعد الهجمات التي شنها إسلاميون متشددون في باريس في يناير/كانون الثاني الماضي على موظفي مجلة شارلي إبدو الساخرة وشرطية ومتجر يهودي. ونفذ ثلاثة مسلحين هذه الهجمات وقتلوا 17 شخصا قبل أن تقتلهم قوات الشرطة.

لكن خبراء أمنيين قالوا إنه من الصعب منع هجمات مثل تلك الأخيرة التي استهدفت باريس والتي شاركت فيها مجموعات من الانتحاريين هاجموا مواقع بشكل عشوائي يسهل استهدافها وبصورة متزامنة.

وتراقب السلطات اتصالات الجهاديين المعروفيين سواء عبر الهواتف المحمولة أو الانترنت، لكن وسائل التشفير القوية المتاحة حاليا تجعل حتى ذلك ا لأمر صعبا جدا.

هناك ضغوط كبيرة في فرنسا وبلجيكا حاليا لتكثيف مراقبة الجهاديين المشتبه بهم لأن بعض المهاجمين قضوا فترات في سوريا مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

وتشمل المقترحات التي عرضت في هذا الشأن السجن أو الإقامة الجبرية للعناصر الجهادية العائدة من سوريا، وتجريد الجهاديين الذين يتبنوا نهج العنف من جنسياتهم ووضع أساور الكترونية في أيدي المشتبه بهم لتسهيل عملية تعقبهم.

ويقول بعض المعارضين أيضا إنه من السهل جدا على الجهاديين عبور الحدود في منطقة شينغن لدول الاتحاد الأوروبي التي تسمح بحرية العبور بين مواطنيها، وبدأت حاليا فقط إجراءات لتفتيش السيارات بشكل منتظم على الحدود بين بلجيكا وفرنسا.

ربما كان من الممكن أن يساعد تكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية بين شرطة مكافحة الإرهاب الفرنسية والبلجيكية في الانتباه للتهديد الوشيك لباريس.

مصدر الصورة Reuters
Image caption الشرطة البلجيكية كثفت عمليات البحث والدوريات في مولينبيك التي يشتبه في أنها كانت مركز عمليات التخطيط لهجمات باريس الأخيرة

علاقة بلجيكا بالهجمات؟

كانت منطقة "مولينبيك" في بلجيكا بشكل كبير جدا هي المركز العمليات لتنفيذ هجمات باريس الأخيرة، لكن الهجمات ترتبط ببعض العوامل الأخرى في بلجيكا.

فقد تفاخر أباعود بأنه لعب دورا في تأسيس خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في مدينة "فيرفيه" شرقي بلجيكا. وكانت الشرطة نفذت مداهمة لمنزل آمن هناك في يناير/كانون الثاني وقتلت اثنين من الجهاديين، لكن أباعود تمكن من الفرار.

واقر وزراء بلجيكيين بأنه كان يجب اتخاذ المزيد من الإجراءات للتعامل مع التشدد الإسلامي في مولينبيك.

وكان مهدي نموش، وهو جهادي فرنسي من أصل جزائري والمتهم بقتل أربعة أشخاص في متحف يهودي في بروكسل في مايو/أيار عام 2014، قضى فترة من الوقت أيضا في مولينبيك.

وسافرت أعداد من الجهاديين من بلجيكا للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق أكبر من أي دولة أوروبية أخرى.

وتوجد في بلجيكا، المقسمة إلى عدة فيدراليات، العديد من قوات الشرطة، ولذا فإن هناك عوائق أحيانا تواجه التنسيق بينها.

وتقول الخبيرة الهولندية ليزبث فان دير هايد من مركز مكافحة الإرهاب بجامعة ليدن إنه في بعض الأحيان لا يجري تبادل المعلومات الاستخباراتية، ليس فقط داخل بلجيكا بل أيضا إلى شركائها في دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا.

ولا يوجد لدى دول الاتحاد الأوروبي قاعدة بيانات لمعلومات استخباراتية محددة تتعلق بالجهاديين، لكن هناك دعوات لإنشاء هذه القاعدة حاليا.

هل فقدت أوروبا السيطرة على حدودها؟

عززت الهجمات الدامية في باريس المخاوف بشأن معاهدة شنغن والحدود الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي.

وتمثل حرية الحركة قيمة رئيسية مهمة للاتحاد الأوروبي، لكنها تسمح بإمكانية عبور الجهاديين الذين ينتهجون العنف وغيرهم من العناصر الإجرامية للحدود بسهولة بعد دخولهم دول الاتحاد.

مصدر الصورة AP
Image caption الآلاف من المهاجرين لا يزالون يتدفقون على الجزر اليونانية بالقرب من تركيا في طريقهم لأوروبا

وفيما يتعلق بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، فإن تدفق المهاجرين، والعديد منهم لاجئون سوريون، وضع دول الاتحاد تحت ضغط شديد هذا العام.

يقدم الاتحاد مساعدة لليونان وإيطاليا، التي تربط بينهما حدود بحرية طويلة، من أجل فحص المهاجرين الوافدين، لكن هذا ليس كافيا.

ووصل أكثر من 650 ألف مهاجر إلى السواحل الأوروبية هذا العام، وهناك مخاوف من أن بعض الجهاديين ربما تسللوا وسط هذه الحشود.

أحد الانتحاريين الذي شارك في هجمات باريس كان يحمل جواز سفر سوري مزور باسم "أحمد المحمد"، وأفاد مسؤولون يونانيون بأن شخصا ما يحمل جواز سفر بهذا الاسم جرى تسجيله الشهر الماضي في جزيرة "ليروس".

هل يمكن أن تتكرر هجمات أخرى مماثلة لهجمات باريس في مناطق أخرى من فرنسا؟

تشدد فرنسا إجراءات الأمن حاليا في جميع أنحاء البلاد. وفي ظل حالة الطوارئ المفروضة حاليا في البلاد، فإن الشرطة الفرنسية لديها صلاحيات أكبر في تفتيش المنازل واعتقال المشتبه بهم.

لكن وزير الداخلية الفرنسي برنارد كازنوف حذر من أن دول الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تشديد إجراءات المراقبة على الحدود الخارجية.

وقال: "من الملح أن تتعاون أوروبا معا وتنظم نفسها وتدافع عن نفسها ضد التهديد الإرهابي."

وردت فرنسا على الهجمات بقصف مواقع لمسلحي الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. وتشن الولايات المتحدة وحلفاؤها وروسيا أيضا هجمات على تنظيم الدولة بدرجات متفاوتة.

لذا فإن خطورة محاولة مسلحي تنظيم الدولة شن المزيد من الهجمات، داخل أوروبا وفي أماكن أخرى، لا تزال قائمة بالفعل.

المزيد حول هذه القصة