هل حقا انتهت الطبقية في بريطانيا؟

مصدر الصورة Getty

تشتهر بريطانيا بالتفريق الواضح بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، لكن ما هي الحقيقة؟ وكيف تقارن بغيرها من البلدان؟

سواء أحببنا ذلك أم لا، يرى كثيرون أن النظام الطبقي مكون جوهري للحياة البريطانية شأنه في ذلك شأن الولع بتناول كوب من الشاي مع الكيك، أو الحديث عن الطقس.

ذات يوم كتب عالم النفس الاجتماعي البريطاني ريتشارد هوغارت يقول: "التمييز بين الطبقات لا يختفي، لكن الطبقات تتعلم طرقاً جديدة للتعبير عن نفسها. مع كل عقد من الزمان نقول إن الطبقية ماتت، لكن الكفن يبقى فارغاً".

إذا ما ألقينا نظرة فاحصة على ما يقوله الإعلام الأجنبي سنجد أنه يرسم صورة لنظام طبقي قاس في بريطانيا، خصوصاً بالمقارنة بأماكن أخرى كالولايات المتحدة حيث الطموح والموهبة والعمل الجاد هو ما يميز بين الناس.

لكن إلى أي حد تعتبر هذه الفكرة أمراً سلبياً؟ هل مازال النظام الطبقي البريطاني متجذراً كما كان في الماضي؟ أو هل هذه الفروق الطبقية باتت من الماضي؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بشكل يقيني، لكن معلومات حديثة كشفت عن معلومات مدهشة.

كما لاحظ هوغارت، يتحدث الكتّاب عن تلاشي النظام الطبقي البريطاني منذ بدايات القرن العشرين على الأقل. فقد زعم الكاتب إيفيلين واف في رسالة مفتوحة إلى صديقته نانسي ميتفورد أن "نسيجاً ضخماً وواضحاً نما تقريباً في سرية. والآن تظهر علامات مقلقة على التراجع والانهيار".

وتعد روايته، التي تحمل اسم "Brideshead Revisited"، في حد ذاتها تمجيدا لطبقة النبلاء الإنجليز، والتي بدا أنها تنهار وينهار معها المنزل الفخم رمز الثراء والتفاخر.

ومع أنه فيما يبدو قد تغيرت تركيبة النظام الطبقي منذ أيام واف، لا تزال ثمة طبقية واضحة في المجتمع البريطاني، فكل طبقة لها رأسمالها الاجتماعي والثقافي والإقتصادي. وبملاحظة اعتبارات من قبيل التعليم والراتب والوظيفة وملكية المنزل، فقد كشفت دراسة مسحية أجرتها بي بي سي بعنوان "الطبقة البريطانية الكبرى" عن وجود ما مجموعه سبع طبقات تعلوها نخبة (تمثل 6 % من السكان) تقع فوق تشكيلة واسعة من الطبقات العاملة والوسطى.

مصدر الصورة Christopher FurlongGetty Images
Image caption يشيد الكتاب بوفاة النظام الطبقي على مدى عقود - لكن الفروق لم تتلاشى مطلقا

ولعل السؤال الأكثر علاقة بهذا الأمر إذا هو ليس ما إذا كان التمايز الطبقي موجوداً أم لا، ولكنه يكون كالتالي: هل من الممكن الخروج من طبقة والالتحاق بطبقة أخرى؟

إلى أي حد تؤثر خلفيتنا العائلية على مدى نجاحنا في الحياة؟ هناك إجماع عام على أن التنقل الاجتماعي، أي الانتقال من طبقة لأخرى، ازداد بفعل التحسن الذي طرأ على التعليم والرفاهية الاجتماعية، لكن هل الأمور حقاً بهذه السهولة والوضوح؟

أحد الأمثلة الرائعة التي خضعت للدراسة كانت في سلسلة وثائقيات "أب"، التي أنتجها مايكل أبتيد واختار فيها 14 طفلاً من خلفيات متنوعة، وكان عمرهم سبع سنوات عام 1964، وقد صورهم وهم في رحلة إلى حديقة حيوان لندن قبل أن يتابع تطورهم كل سبع سنوات بعد ذلك.

عدد قليل من الأطفال تمكنوا من تغيير ظروفهم من خلال بذل جهد كبير وانضباط. أحد الأولاد واسمه نك، والذي ترعرع في مزرعة، أصبح الآن عالم فيزياء ناجح يعيش ويعمل في الولايات المتحدة. وتمكن طفل آخر يدعى لين، ترعرع في المناطق الأقل حظاً في شرق لندن، من أن يحتل وظيفة ناجحة كأمين مكتبة. بشكل عام، افتقرت السلسلة إلى قصص تثير الدهشة الحقيقية لأطفال انتقلوا من الفقر المدقع إلى الثراء. وقالت صحيفة النيويوركر في ملحقها الأخير: "النظام الطبقي البريطاني يتمتع بحمايته الخاصة على كل المستويات، ولكن، على الأقل من وجهة نظر أمريكية، يحمل في طياته قصورا ذاتيا. لم يصبح أي طفل من أطفال الدراسة التي أعدها أبتيد مدمناً على الكحول أو المخدرات، لكن إمكانية التنبؤ بالمصير الذي آل إليه معظم الأطفال من حيث أن أبناء الطبقة الكادحة يتطورون بشكل طفيف، وأن الأطفال الأثرياء يبقون أثرياء، تفقد الإنسان صبره".

Image caption الأطفال الذين ظهروا في سلسلة وثائقيات "أب"، يمكن رؤية لين بشعره الطويل في وسط الصورة؛ ونيك إلى أقصى اليمين

وطبقاً لما جاء في تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2010، تعتبر بريطانيا حقاً بين أسوأ الدول في معايير معينة للتغير الاجتماعي المتعلق بالانتقال من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى، حيث وجد التقرير أن ثروة الوالدين تمنح الطفل فرصة لتعليم عالي المستوى ووظيفة براتب ممتاز.

رغم ذلك، كان هناك معدل زيادة منتظم في عدد السكان بعد الحرب العالمية الثانية، توقع معه كل طفل أن يكون أفضل حالاً من والديه ولو بقدر يسير. ولسوء الحظ، فإن أعداد الأشخاص الذين انتقلوا بين الطبقات صعوداً أو هبوطاً يبدو أنها تتراجع.

ويقول إرزيبيت باكودي، من جامعة أكسفورد: "أعداد أكبر من النساء والرجال ينتقلون من طبقات أعلى إلى طبقات أدنى وأعداد أقل من السابق تنتقل من الطبقات الأدنى إلى الأعلى".

ويطلق باكودي على هذه الحالة اسم "الجانب المظلم من العصر الذهبي لحقبة الانتقال الطبقي". فكلما زاد عدد الناس الذين يتبوأون القمة كلما توقعنا سقوط المزيد من الناس إلى الهاوية.

روابط متباعدة

المشكلة هي أن نسيج المجتمع البريطاني يتكون من خيوط كثيرة، فربما كان من الصعب إخفاء كافة العوامل المحتملة التي يمكن لها أن تؤثر على وضع الأفراد.

وإحدى القضايا المحتملة هي أن معظم الدراسات السابقة أخضعت للدراسة جيلين فقط هما الأطفال والآباء والأمهات، في الوقت الذي يمكن أن تعتمد طبقتك على فروع أخرى في شجرة العائلة.

على سبيل المثال وجد تاك وينغ تشان، من جامعة يونيفرستي كولدج في لندن، أنه إذا كان الجد من طبقة أعلى فإن هناك فرصة أكبر بمرتين ونصف لأن يحصل الطفل على وظيفة كمسؤول في مؤسسة. ومن الممكن أن يكون الجد أو الجدة هم من يدفعون تكلفة التعليم، ويساعدان في العناية بالطفل، أو أن يقدما له شبكة علاقات يمكن لها أن تعزز من فرص الطفل في الحصول على عمل.

بهذه العلاقات الأكثر تباعداً ربما تكون الطبقة الاجتماعية أكثر مرونة ومطاطية مما كنا نعتقد، حتى لو ابتعد جيل من الأجيال عن طبقته، فإن الجيل التالي يمكن أن يعود مرة ثانية بفضل العلاقات الأوسع للعائلة الكبيرة.

مصدر الصورة Dan KitwoodGetty Images
Image caption هل ما زال النظام الطبقي موجود في بريطانيا حتى الآن؟

يقول جريجوري كلارك، من جامعة كاليفورنيا: "إذا أردت أن تتنبأ بمستقبل شخص ما، فلا تنظر فقط إلى والديه، ولكن انظر أيضاً إلى أعمامه وعماته وخالاته وأخواله، وأجداده وأجداد أجداده. يجب أن تأخذ كل ذلك في الحسبان".

وقد ركز كلارك على دراسة تؤكد تفوق وسيادة أسماء عائلات بعينها عبر التاريخ. على سبيل المثال في "كتاب يوم الحساب" (دومزداي بوك) لعام 1086 يمكنك أن تجد أسماء ملاك الأراضي الأثرياء الذين انحدروا في غالب الأحيان من الغزاة النورمانديين، مثل عائلة باسكرفيل، ودارسي، وماندفيل، ونيفيل، وبيرسي، وبونشارد وتالبو.

ومن ثم قام بفحص إلى أي مدى استمرت أسماء كهذه تظهر في السجلات التاريخية عبر القرون التالية. وقد فتش في قوائم أسماء الملتحقين للدراسة في جامعتي كامبريدج وأكسفورد، وسجلات وصايا الميراث، وأعضاء البرلمان، على سبيل المثال، والتي تشي بوضع اجتماعي أعلى.

ولو كانت نسبة الانتقال بين الطبقات عالية، لكنا قد توقعنا انتقال هذه الأسماء النادرة إلى الطبقات الأعلى بوتيرة أقل تكراراً، حيث أن الناس من خلفيات أخرى يبدأون بتبوء هذه المواقع المرموقة. ولو كانت نسبة الانتقال بين الطبقات منخفضة، لكانت النتيجة تقريباً مشابهة.

في الحقيقة، توصل كلارك إلى أن التغير الطبقي طويل الأمد كان بطيئاً جداً، بناء على حسابات أجراها فوجد أن الأمر يستغرق حوالي عشرة أجيال لشخص ما في الطبقة الأعلى أو الطبقة الأدنى ليصل إلى الطبقة الوسطى. وذلك هو نفس معدل التغير الذي يمكنك توقعه من ظواهر بيولوجية مثل طول القامة.

مصدر الصورة Alan CrowhurstGetty Images
Image caption إذا أردت أن تتنبأ بمستقبل شخص ما، فلا تنظر فقط إلى والديه، ولكن انظر أيضاً إلى أعمامه وعماته وخالاته وأخواله، وأجداده وأجداد أجداده

لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن معدل التغير الطبقي بقي مستقراً بشكل ملحوظ، حتى في أعقاب التغيرات الكبرى التي أحدثتها الثورة الصناعية وانتشار التعليم على مستوى العالم.

إذا بدا أن هذه النتائج تؤكد "خمول" النظام الطبقي البريطاني، فالأمر يستحق الأخذ بعين الاعتبار دراسات كلارك التي أجراها على بلدان أخرى، على سبيل المثال دراسة على ملتحقي كليات رابطة آيفي الأميريكية، وقوائم المحامين المسجلين في رابطة المحامين الأمريكيين أو الرابطة الطبية الأمريكية.

وعلى الرغم من التصورات بوجود تغيرات طبقية أكبر، وجد أن معدل التغير كان مساوياً تقريباً لما هو عليه في بريطانيا. وتبين صحة الشيء ذاته في السويد، على الرغم من أن الفروق في الثروة ليست أصغر بين الغني والفقير، فلا يزال بإمكاننا أن نجد عائلات تحتل الوظائف المرموقة مثل الأطباء والمحامين وأساتذة الجامعات.

لكن الأساليب التي اتبعها كلارك في البحث لها جوانب ضعفها. فالنتائج التي وصل إليها مبنية على سجلات ليست خالية من الأخطاء وهو ينظر إلى اتجاهات عامة عبر فترات طويلة من الزمن، فمن الممكن أن تصل إلى نتائج مختلفة إن كنت قادراً على أن تتتبع بدقة كل فرع من كل شجرة عائلية.

وتفسيره لهذه النتائج يمكن أن يجعل المرء يشعر بالدهشة. فكما هو الحال مع تشان، نراه يأخذ في الاعتبار أن أحد الاحتمالات هو احتمال اجتماعي بحت، ويقول: "الناس تجمعهم دائرة من الروابط والعلاقات وهذا الوسط الاجتماعي مؤثر جداً على ما يؤول إليه الأشخاص من مستقبل اجتماعي". لكن كلارك يعتقد رغم ذلك أن الجينات التي نحملها يمكن أيضاً أن تلعب دوراً. ربما كانت بعض العائلات تحمل الحمض النووي الذي يساعدها على النجاح، حسب قوله. لكن فكرة المحدد الجيني هذه لا تحظى بشعبية لدى الكثير من العلماء.

ومهما كانت التفسيرات للنتائج التي توصل إليها كلارك، من المشوق أن نفكر كيف أن موقعنا الاجتماعي يعتمد على أشخاص لم نلتق بهم أبداً. يقول كلارك: "حتى لو لم تعرف من هو جدك الأول، فإن ذلك الشخص سيتنبأ بمدى سعادتك في الحياة الآن".

إذا كان كلامه صحيحاً، فإن الشغف البريطاني بالطبقة الاجتماعية ليس أمراً ينتمي إلى الماضي. وسواء كنت تعيش في لندن أو بكين أو نيويورك أو ستوكهولم، فقد يكون من الصعب بشكل مدهش الانفكاك من روابط الماضي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.

المزيد حول هذه القصة