هل تصبح بريطانيا أكثر أمنا بخروجها من الاتحاد الأوروبي؟

مصدر الصورة PA
Image caption هل وجود جيش أوروبي سينهي وجود الجيش البريطاني؟

يصعُب أحيانا التقريب بين الآراء التي يعبر عنها بعض المتخصصين في مجال الدفاع والأمن بشأن احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

يتفق مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد ومعارضوه على أن العلاقات الرئيسية بدءا من التعاون العسكري إلى حلف الناتو وتبادل المعلومات الاستخبارية من خلال ما يطلق عليه ترتيبات "الأعين الخمسة" (التي تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا) ستظل دون تغيير، لكن "المؤيدين لبقاء بريطانيا"، و"المطالبين بخروجها" من الاتحاد الأوروبي، كل منهما يؤكد أن السبيل الذي اختاره هو الأفضل للأمن القومي.

وخيمت خلال الشهور الأخيرة أزمة المهاجرين واحتمال استغلال تدفق اللاجئين من جانب العناصر الإرهابية للتسلل إلى أوروبا بطريقة غير شرعية على الرؤية العامة والجدل بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وكتب الشهر الماضي ريتشارد ديرلوف، المدير السابق لجهاز المخابرات الخارجية البريطاني (MI6) مقالا قال فيه إن كون بريطانيا مساهما رئيسيا في الأمن الأوروبي، فإنها بالكاد ستعاني من خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهناك دول أخرى ستحتاج كثيرا إلى بقائها ضمن الكتلة الأوروبية.

وأضاف بأنه علاوة على ذلك فإن "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى تحقيق مكسبين أمنيين مهمين، (وهما) القدرة على التخلي عن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ... والأهم هو تعزيز الرقابة على الهجرة من الاتحاد الأوروبي."

ورغم أنني وجدت أن العديد من الخبراء العسكريين وخبراء المخابرات البريطانية يتفقون مع رأي ريتشارد ديرلوف بأن الاتفاقيات الأمنية مع حلف الناتو وتبادل المخابرات على المستوى الثنائي على الأرجح لن تتغير بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الغالبية ممن تحدثت معهم لا يزالون يعربون عن معارضتهم لمغادرة بريطانيا الاتحاد.

مصدر الصورة PA
Image caption ريتشارد ديرلوف يرى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يضرها

ويشير هؤلاء إلى الروابط الأوروبية الناشئة على مستوى أوروبا في التأكيد على موقفهم الرافض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويقولون إن عدم وجود نصيب لبريطانيا في هذه الروابط هو أمر يتجاوز أهمية تعزيز القدرة على ضبط حركة مواطني الاتحاد الأوروبي، الذي يؤكد "مؤيدو الخروج" مثل وزير العمل والتقاعد البريطاني السابق أيان دنكان سميث بأنه سيجعل بريطانيا أكثر أمانا.

وقال نيغل انكستر المسؤول البارز السابق في الاستخبارات الخارجية البريطانية "MI6" وهو الآن مدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: "إننا قد نفقد الدخول على مجموعات البيانات المهمة بدءا من 24 يونيو/حزيران المقبل إذا صوتنا على الخروج من الاتحاد الأوروبي (في الاستفتاء)".

ويتحدث انكستر عن مبادرة "سجل بيانات الركاب" ومعلومات بطاقات الائتمان وبيانات اتصالات الهواتف المحمولة باعتبارها معلومات متبادلة تحكمها اتفاقات أوروبية. ويرى انكستر أن ديرلوف، الذي تنحى عن منصبه كرئيس للاستخبارات البريطانية MI6 قبل 12 عاما، قد يكون غير ملم بأحدث التطورات في موضوع التعاون الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب.

"تبعات متشابكة"

وأكد الجنرال مايك جاكسون، رئيس هيئة الأركان بين عامي 2003 و2006، أن المخاوف المتعلقة بتطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ليست في محلها لأنها لم تصغ من جانب الاتحاد الأوروبي، وستظل بريطانيا دولة موقعة على الاتفاقية حتى إذا غادرت الاتحاد الأوروبي.

مصدر الصورة Getty
Image caption الجنرال جاكسون يرى أنه يجب أن تظل بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي لأسباب استراتيجية مهمة

وأوضح أن معارضته لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لها أسباب استراتيجية أكبر، من بينها أنه سيكون بمثابة "فتح الباب لتبعات كثيرة" في إشارة إلى باب المشاكل التي سيفتحها هذا الإجراء والتي ستتمثل في ردود فعل متسلسلة تنعكس في النزعة القومية وعدم الاستقرار في أوروبا. وأعرب عن قلقه أيضا من أن التصويت على خروج بريطانيا قد يؤدي إلى إجراء استفتاء ثان في أسكتلندا، وغيرها من المخاطر الاستراتيجية.

العواقب المجهولة التي يمكن أن تنجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن تعادلها العوامل التي يصعب تقييمها بدقة لاستمرار بقائها ضمن الكتلة الأوروبية.

الأميرال روجير لين-نوت وهو مسؤول بارز سابقا في البحرية البريطانية مثال على المسؤول العسكري رفيع المستوى الذي يؤيد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. يرى لين-نوت أن قليلا من الدول الأوربية جادة في تعهداتها للناتو، ولديه شكوك عميقة بشأن المفوضية الأوروبية.

وقال: "الحديث عن جيش أوروبي وبحرية أوروبية أمر يثير قلق كبير. إذا بقينا في الاتحاد الأوروبي، فإننا قد نضطر للانضمام (إلى هذه المؤسسات العسكرية) ضد رغبتنا. ولن نفوز مطلقا بتصويت في الاتحاد الأوروبي."

وكرر الجنرال جاكسون هذا الرأي أيضا، قائلا إن وجود جيش أوروبي سيكون أمرا مثيرا للقلق، لكن ذلك لن يحدث. وقال إنه "بحسب رئيس الوزراء (ديفيد كاميرون)، فإن وجود تكامل أكثر هو أمر غير مطروح الآن."

"ستكون هناك كارثة"

يظهر غالبية المؤيدين لبقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي حينما تتحدث إلى سياسيين من أقرب حلفاء بريطانيا، أبرزهم الولايات المتحدة وفرنسا اللذان أعربا علنا في أغلب الأحيان عن استيائهما من إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

Image caption الرئيس الأمريكي باراك أوباما شدد على أن استمرار بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي "سيمنح ثقة أكبر في قوة الاتحاد"

وقال فرانسوا هايسبورغ رئيس المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وهو مسؤول فرنسي سابق أيضا "ستكون هناك كارثة. بدون بريطانيا ..."

وتتعلق مخاوف هايسبورغ بالأسباب التي تجعل العديد من المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين لا يزالون يعربون عن معارضتهم القوية أو قلقهم بشأن هذا الاحتمال، رغم أن هؤلاء المسؤولين مقتنعون بالرأي القائل إن علاقات بريطانيا مع الناتو أو علاقاتها الثنائية مع دول الاتحاد الأوروبي لن تتغير بخروج بريطانيا من الاتحاد.

وحينما تسألهم عن الأسباب فسيخبرونك أنهم يخشون بأنه إذا لم تعد بريطانيا عضوا في الاتحاد، فإن باقي الشركاء على الأرجح سيتخذون مواقف غامضة أو الطريق السهل بشأن قضايا من بينها على سبيل المثال العقوبات الروسية أو برنامج إيران النووي.

وقال دومينيك مويسي الشريك المؤسس للمعهد الفرنسي للدراسات الدولية: "هل ستكون أوروبا أكثر ميلا لتبني سياسية تهدئة إزاء موسكو بدون بريطانيا العظمى؟ هذا ربما سيكون هو الأرجح، على الأقل ربما سيكون هذا هو تفكير (الرئيس) فلاديمير بوتين في موسكو، حينما ترى أنه يريد بشكل كبير جدا ... خروج بريطانيا العظمى من الاتحاد الأوروبي."

يشارك المسؤولون الأمريكيون هذه الرؤية على ما يبدو، والتي تقول إن وجود شريك قوي على الجانب الآخر من الأطلسي، (وجود) قوة مسلحة نوويا سيساعد في تقوية الإرادة الجماعية لأوروبا. هذا واحد من الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإطلاق دعوات متكررة لبريطانيا بأن تظل في الاتحاد الأوروبي.

مصدر الصورة AP
Image caption مخيم خاو لتسجيل اللاجئين على الحدود بين النمسا وسلوفينيا

النمسا مثال

سمعت في النمسا الأسبوع الماضي مناشدة قوية لبريطانيا كي تظل في الاتحاد الأوروبي.

نجحت بشكل كامل تقريبا سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة النمساوية خلال الأسابيع الماضية، والتي لم تحظ بقدر كبير من التغطية الإعلامية، لمنع انتقال المهاجرين شمالا عبر البلقان من خلال إغلاق حدودها مع اليونان.

ويقول رينولد لوباتكا، وزير الخارجية النمساوي السابق وزعيم الكتلة البرلمانية لحزب الشعب النمساوي إن هذه الإجراءات "أتت أكلها".

أثارت الإجراءات التي اتخذتها النمسا لتأمين حدودها اتهامات من بعض أجزاء أخرى من أوروبا بأنها تنتهك قواعد الاتحاد الأوروبي واتفاق شنغن بشأن حرية التنقل. وقالت الحكومة إنه إذا استمرت الهجرة عبر طريق ليبيا، فإنها ستغلق الحدود مع إيطاليا التي يستغلها الأشخاص للهجرة غير الشرعية.

يقول لوباتكا إن عدد طالبي اللجوء في بلاده انخفض من 800 شخص يوميا قبل بضعة أسابيع إلى أقل من 100 شخص. وأوضح أن الدرس الذي يمكن الاستفادة منه هو أن "هذا الأمر ممكن في إطار الاتحاد الأوروبي للحد من عدد" المهاجرين.

ودعا لوباتكا بريطانيا على البقاء في الاتحاد الأوروبي، قائلا إن عزم النمسا على السيطرة على حدودها وفرض سيادتها لم يؤد إلى إيجاد مبررات قوية بين الشعب مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد.

ومن خلال المناقشة التي أجريتها في الأسابيع الأخيرة مع المتخصصين في الدفاع من النمسا وفرنسا وألمانيا حول احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد سمعت عبارات القلق المتكررة.

وكما تشير هذه المناقشات، فإن إمكانية استغلال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لهذا الشعور بأن بريطانيا مساهم قوي لأمن أوروبا لإحداث تأثير أكبر في مفاوضاته الأخيرة مع شركائه في القارة هي مسألة مختلفة تماما.

المزيد حول هذه القصة