"أيام سوداء" في بنغلاديش

مصدر الصورة Getty
Image caption أدى الهجوم إلى مصرع 20 شخصا، معظمهم من الأجانب

أدى الهجوم الذي شنه إسلاميون على مقهى في العاصمة البنغالية دكا في أوائل شهر يوليو/تموز - والحصار اللاحق - إلى مصرع 20 شخصا، معظمهم من الأجانب. فكيف أثر ذلك في المزاج العام في بنغلاديش، التي تعد أحد أفقر بلدان العالم؟

لا تزال دكا كما هي تعاني من الازدحام والصخب والفوضى المرورية، لكنها تتمتع بالحيوية والنشاط. ويمكنك مشاهدة عشرات آلاف عربات الريكشو، التي تعد العمود الفقري للنقل في دكا، وهي تخترق شوارع المدينة ذهابا وإيابا.

كان يمكنك رؤية الآلاف من النساء اللاتي يرتدين الملابس الملونة وهن يدخلن ويخرجن من المئات من مصانع الملابس المنتشرة في المدينة وحولها، والناس وهم يلقون التحية قائلين "السلام عليكم". نعم، كان هذا هو شكل دكا عندما جئت إلى هنا قبل بضع سنوات.

لكن تحت هذا الهدوء، يوجد توتر لا يمكن إنكاره، ويشعر الناس بالقلق. وانتشرت نقاط التفتيش الأمنية الجديدة بالقرب من المواقع الرئيسية. وتشن الشرطة مداهمات عشوائية في عدة مناطق سكنية، ويُنظر إلى طلاب الجامعات بنظرة شك. ويحرص أولياء الأمور على معرفة ما يمارسه أبناؤهم وبناتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع من يتواصلون.

تصاعد العنف في البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية. وقتل أكثر من 40 شخصا - معظمهم من المدونين الليبراليين والناشطين والأكاديميين وأعضاء الأقليات الدينية - في عمليات قتل مستهدف. وقال تنظيم "الدولة الإسلامية" وتنظيم القاعدة في جنوب آسيا إنهما يقفان وراء هذه الهجمات.

ويبدو أن الهجمات الجهادية على مقهى في منطقة يفترض أنها محمية بشكل كبير في العاصمة دكا، والعنف خارج أكبر تجمع في البلاد لأداء صلاة العيد في وقت سابق من هذا الشهر، غيرت البلاد إلى الأبد.

تلقى بعض الإسلاميين تعليمهم في مدارس وجامعات النخبة في البلاد، وكان المشتبه بهم المعتادون من طلاب المدارس الدينية أو المدارس الدينية الإسلامية. وقال الأشخاص الذين تحدثت إليهم إن الجهاديين قد فازوا في الجولة الأولى - عن طريق بث مشاعر الذعر وانعدام الأمن.

مصدر الصورة Getty
Image caption نشرت كتيبة التدخل السريع في بنغلادش بعد الهجوم على المقهى

ومع ذلك، تبدو حكومة حزب "رابطة عوامي" واثقة، وتقول إن الوضع تحت السيطرة، وإنها تراقب الشباب البنغالي الذي قد يتبنى الفكر المتطرف، ويمكن أن يخطط لمزيد من الهجمات.

ويقول جوهر رضوي، المستشار البارز لرئيس الوزراء، لبي بي سي: "نحن نعرفهم ونراقبهم بعناية. يمكنني أن أؤكد لكم أنه على الرغم من أن هذه المأساة يمكن أن تصيب أي بلد أو مدينة، كما نرى، فإن لدينا أقصى درجات العزم على منع ذلك من الحدوث مرة أخرى."

وعلى الرغم من هذه الكلمات المطمئنة، أشعر أن الأمور قد تغيرت بالتأكيد على الأرض. فما إن وصلت دكا، حتى حذرني زملائي وأصدقائي من السفر سيرا على الأقدام. وقالوا لي: "تنقل بسيارتك، حتى إذا كنت ترغب في السفر لمسافات قصيرة. دكا ليست آمنة."

كنت أعرف أن الوضع يزداد سوءا، لكن ليس بهذا القدر من السوء. لقد عشت وعملت في هذا البلد الجميل لنحو ثلاث سنوات. وكنت باعتباري زميلا من جنوب آسيا، قادرا بسهولة على الاختلاط مع السكان المحليين. والآن، تجد حماية مسلحة أمام العديد من الفنادق والمباني. ويتم فحص المركبات والحقائب، ويفتش الزوار تفتيشا جسديا.

ويعد جولشان هو الحي الدبلوماسي في دكا حيث يوجد مقر معظم الوافدين والأجانب والسفارات، كما يضم بعضا من أفضل المطاعم والنوادي والمقاهي.

واعتدت على مقابلة جميع أصدقائي في مطاعم مختلفة. وقبل بضعة أيام، ذهبت إلى العديد من المطاعم لأرى ما حدث لها بعد الهجوم على المقهى، وكان معظم المطاعم لا يضم سوى عدد قليل من العملاء، وبعضهم كان فارغا.

وتشتهر دكا بأنها مدينة النوادي والمطاعم، فإذا لم تعمل هذه النوادي والمطاعم بطاقتها الكاملة، فما الذي سيفعله الناس في المساء؟

يقول صاحب مقهى لبي بي سي: "تقلص عملنا بنسبة 80 في المئة. يخاف عملاؤنا، سواء الأجانب أم السكان المحليين، من المجيء إلى المطاعم."

مصدر الصورة AP
Image caption هناك مخاوف من أن تلحق هجمات أخرى أضرارا بالغة بصناعة الملابس في بنغلاديش

وكانت صناعة الملابس في البلاد هي الأكثر تضررا. وتعد بنغلاديش ثاني أكبر مصدر للملابس الجاهزة في العالم، وتوظف هذه الصناعة أربعة ملايين شخص، معظمهم من النساء. وبلغت قيمة صادرات البلاد من الملابس العام الماضي نحو 28 مليار دولار، معظمها إلى أوروبا والولايات المتحدة.

وفي أعقاب الهجوم، غادر العديد من المشترين الأجانب البلاد، وألغى العديد من الماركات العالمية زيارة ممثليهم إلى بنغلاديش. وحتى أولئك الذين قرروا البقاء طلب منهم البقاء في منازلهم وتوخي الحذر الشديد.

وقيل لي إن إحدى الشركات ذات العلامات التجارية الأوروبية سحبت 12 من موظفيها البالغ عددهم 15 شخصا، على أن ينقل الثلاثة الباقين إلى الهند. ولا يوجد أدنى شك في أن الأجانب يشعرون بالخوف هناك.

ويأمل أصحاب المصانع في ألا يكون هناك أي تأثير فوري على التجارة، ولكن الأمور يمكن أن تتغير على المدى الطويل.

وتقول روبانا حق، العضوة المنتدبة لمجموعة "محمدي غروب": "في حال وقوع هجوم آخر سنضطر إلى إغلاق المحل، وليس هناك أي بديل. لا أعتقد أن صناعة الملابس في بنغلاديش ستكون قادرة على الصمود أمام أي هجمات أخرى، وخاصة فيما يتعلق بالمغتربين."

وخلال لقاءاتي مع أشخاص من شريحة واسعة من المجتمع، أثيرت نقطة واحدة بقوة شديدة، وهي وجود حالة من الشك، حتى بين الطلاب.

ويقول طالب بجامعة دكا: "هذا الحادث يبين أننا لا نكاد نعرف بعضنا بعضا. نحاول الآن أن نتأكد من أننا نعرف الأشخاص الذين نسير معهم كل يوم. هذا الحديث لا ينطبق على الأشخاص الذين نقابلهم فقط أو نعرف أسماءهم فقط، ولكن ينطبق أيضا على الذين نعرفهم تمام المعرفة."

ولأول مرة، أشعر أن الناس هنا خائفون ومكتئبون ومغلوبون على أمرهم. واجهت بنغلاديش عددا من الكوارث الطبيعية والانقلابات العسكرية العنيفة في تاريخها، لكن كان شعبها دائما قادرا على الخروج من تلك المحن.

ويعرف الناس في بنغلاديش بقدرتهم على الصمود، لكنهم الآن يشعرون بالقلق والشك تجاه عدو غير مرئي. إنهم لا يعرفون ما هو الاتجاه الذي يسير فيه هذا البلد ذو الأغلبية المسلمة. ولا يعرفون الأشخاص الذين يجب أن يثقوا فيهم وما سوف يحدث بعد ذلك.

قال لي أحد رجال الأعمال: "الأمر لا يتعلق بالنكسات التي نواجهها، لكنه يتعلق بكيفية الرد على هذه النكسات، وهذا هو أهم شيء لأنه سيحدد مستقبلنا."

المزيد حول هذه القصة