دونالد ترامب يلوم معسكر أوباما "لتدشينه عصر الارهاب"

مصدر الصورة AP
Image caption حاول ترامب تقديم نظرة رزينة ومتزنة للسياسات الخارجية التي ينوي اتباعها، ولكن خطابه اتسم مع ذلك بالكثير من الغرائب

كان خطابا يتمحور حول فكرة واحدة فقط - التهديد الذي يشكله الاسلام المتطرف. لذلك، وربما بشكل متناقض، كان الخطاب بهذا المفهوم متناسقا بشكل تام مع التيار العام للسياسة الخارجية الامريكية الحالية.

فقد رفع هذا التوجه السياسي مستوى التهديد الذي تشكله مجموعات مثل "الدولة الاسلامية" و"تنظيم القاعدة" الى ظاهرة تستوجب شن "حرب على الارهاب" من اجل التصدي لها.

وفعلا، اشار عنوان خطاب ترامب الاخير الى وجود "عصر للارهاب" لا اقل من ذلك.

اما بالنسبة "لمصادر التهديد" الكبرى الاخرى التي تواجهها الولايات المتحدة - الصين الصاعدة على سبيل المثال، ناهيك عن روسيا والفشل الذي يظهره الاقتصاد الامريكي في التنافس في السوق الدولية ومسألة تماسك المجتمع الامريكي نفسه - فلم يخطر على بال ترامب حتى ذكرها.

كان ترامب واضحا: امريكا التي يقودها ستدحر "الارهاب الاسلامي المتطرف". وكرر مقاول البناء النيويوركي ادعاءه بأن السياسات التي اتبعها الرئيس باراك اوباما ووزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون هي التي ادت الى نمو وصعود تنظيم "الدولة الاسلامية."

ولاثبات ذلك، اعتمد ترامب مقارنة بسيطة، إذ قال إنه قبل عام 2009، وقبل تولي ادارة اوباما مقاليد الامور في البيت الابيض، "كانت ليبيا مستقرة، وكذلك سوريا، وكانت مصر تحت حكم حليف علماني للولايات المتحدة، وكان مستوى العنف في العراق يسير باتجاه الخفوت وكانت العقوبات الاقتصادي تخنق الاقتصاد الايراني."

وقارن ترامب بين ذلك الوضع والوضع الراهن حيث "ليبيا عبارة عن ركام، وسوريا في خضم حرب اهلية طاحنة، والارهابيون حصلوا على موطئ قدم في سيناء المصرية والعراق في حال من الفوضى وتنظيم الدولة الاسلامية انفلت من عقاله."

اذا اخذنا هذه المقارنة كصورة ثابتة في لحظة من الزمن، قد تخدم ما يرمي اليه ترامب الى حد ما. ولكن تحميل ادارة اوباما مسؤولية كل الاضطرابات والتصدعات التي جاء بها ما كان يطلق عليه "الربيع العربي" قد يكون مبالغا به بعض الشيء.

مصدر الصورة AFP
Image caption هل كان على الرئيس اوباما بذل المزيد في سبيل ابقاء حسني مبارك في السلطة؟
مصدر الصورة Reuters
Image caption هل ان هيلاري كلينتون مسؤولة فعلا عن نمو وصعود تنظيم "الدولة الاسلامية"؟

ووجه ترامب انتقادا محددا للرئيس اوباما مفاده انه لم يساند الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك، اضافة لانتقاده ما جاء في الخطاب الذي القاه اوباما في القاهرة في عام 2009 والذي سعى فيه الى اعادة تشكيل علاقة امريكا بالعالم العربي.

ليس بوسع احد القول إن السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط لم ترتكب اي اخطاء. لكن اكبر هذه الاخطاء وافدحها ارتكبت قبل وصول الرئيس اوباما الى المكتب البيضاوي. وهذا سبب غرابة الادانات التي يطلقها ترامب، إذ انه يلمح فيها الى انه كان هناك ثمة حل امريكي لمشاكل المنطقة لو اتبع لما وصل الحال الى ما هو عليه اليوم.

قد ينظر الى هذه الادانات والتهجمات (ترامب يرى ان هيلاري كلينتون هي المسؤولة عن تردي الاوضاع في الشرق الاوسط ونمو تنظيم "الدولة الاسلامية" الخ) على انها تكتيكات سياسية حصيفة اذا نظر اليها على انها جزء من هجوم سياسي على منافسته في السباق نحو البيت الابيض.

لكن ترامب مضى للقول إنه لو اصبح رئيسا للولايات المتحدة، "سينتهي عصر بناء الامم (أي مسؤولية الولايات المتحدة عن اصلاح ما تخربه حروبها) على الفور."

هل يطرح ترامب حقا سياسة "رفع اليد" في الشرق الاوسط؟ اذا كان الامر كذلك، فهو يثبت فشلا من جانب ترامب في استيعاب العوامل التي قوضت جهود الرئيس اوباما لسحب يد الولايات المتحدة من حروب المنطقة.

غرائب

المأساة - اذا صح القول - بالنسبة للولايات المتحدة تكمن في انها مذمومة اذا فعلت ومذمومة ايضا اذا لم تفعل. التخلي عن المنطقة تماما ليس خيارا سياسيا معقولا او مقبولا.

ولكن ترامب ضمّن مع ذلك خطابه الاخير بعض الغرائب التي اصبحت معهودة منه، رغم الجهود التي بذلتها حملته في صياغة الخطاب.

فقد ادعى على سبيل المثال انه كان على الولايات المتحدة "الاحتفاظ بنفط العراق" وانه كان على امريكا ابقاء قدر كاف من القوات في ذلك البلد من اجل حماية حقول النفط. وقال إن الاموال التي كانت امريكا ستتقاضاها من بيع النفط العراقي كان يمكن انفاقها - بنظره - في تمويل العناية الطبية بالعسكريين الجرحى واسرهم.

يبدو ان ترامب نسي - او تناسى - ان الحكومة العراقية، رغم عيوبها، هي حليفة للولايات المتحدة، اما الاساس القانوني الذي كانت ستستند عليه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالنفط العراقي فلم يجد له احد جوابا بعد.

اما فيما يخص حلف شمال الاطلسي، فيبدو ان ترامب قد خفف من حدة موقفه الاولي، الذي كان يشكك في فوائده.

ولكن، ومنذ تهجم ترامب على الحلف، غير هذا - حسب ترامب طبعا - سياساته واصبحت لديه فرقة خاصة لمحاربة التهديدات الارهابية. ولكن محاربة الارهاب ليست في صلب مهمة الاطلسي، وهو امر يبدو انه غاب عن انتباه المرشح الجمهوري.

وغاب اي ذكر في خطاب ترامب للتهديد الروسي الماثل للدول الاصغر حجما في حلف الاطلسي او للسياسات الروسي المزعزعة لاستقرار اوكرانيا وجورجيا - بل على العكس، يرى ترامب في روسيا حليفا محتملا في الحرب ضد تنظيم "الدولة الاسلامية."

تناقضات

كما سعى ترامب الى تخفيف خططه الخاصة بالهجرة، إذ يبدو انه تخلى عن طلبه الاصلي بحظر دخول كافة المسلمين الى الولايات المتحدة واستبدله بتعليق مؤقت للهجرة من دول معينة بينما يصار الى ابتكار نظام لاختبار المتقدمين ايديولوجيا.

كان خطابا مليئا بالتناقضات، وكان ايضا يهدف - وهذا ليس شيئا مفاجئا - الى النيل من منافسيه في الانتخابات.

ولكن الخطاب خلا كليا من اي اشارة الى ان ترامب يفهم او يستوعب مشاكل العالم خارج الولايات المتحدة.

قد لا يكون ذلك مهما، فقد تخلى عن ترامب معظم خبراء السياسة الخارجية الامريكيين الميالين للحزب الجمهوري. اما جمهور الناخبين، فكثير منهم لن يلاحظ - او يأبه - بمواقفه المتناقضة.

على عكس العديد من التصريحات التي سبق لترامب ان ادلى بها بخصوص السياسة الخارجية، كان هذا الخطاب مصاغا بعناية، وكان الغرض منه ان يكون اكثر تأنيا ووقارا، وان يكون مؤشرا للسياسات التي سيتبعها لو فاز بالرئاسة.

وكان الخطاب يهدف الى التركيز على الفروق بين خططه وما يراها على انها السياسات الفاشلة التي اتسمت بها حقبة اوباما /كلينتون، واضفاء شيء من الواقعية على بعض من طروحاته المتهورة.