روسيا: سعي حثيث لفرض "الهيبة"

مصدر الصورة AP

هناك مثل شائع يقول "إن كل الطرق تؤدي إلى روما".

لكن اليوم يبدو أن كل الطرق تؤدي إلى روسيا، أو بالأحرى إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

موسكو طرف رئيسي في الحرب الدائرة في سوريا، والنزاع الدائر في شرقي أوكرانيا.

ويتهم قراصنة إلكترونيون روس باختراق خوادم انترنت أمريكية، كما تتهم الدولة الروسية بمحاولة التأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والسعي لتقسيم وإضعاف الاتحاد الأوربي.

حينما جاء بوتين إلى السلطة قبل نحو 16 عاما، بدا أنه مستعد لأن يكون صديقا مقربا من الغرب، ووصفه الرئيس الأمريكي حينذاك بيل كلينتون بأنه "ذكي" ورجل ذو "إمكانيات هائلة".

لكن المجاملات انتهت وأفسحت الطريق للمواجهة، في ظل وجود قائمة طويلة من الخلافات بين الجانبين منها: سوريا، أوكرانيا، توسيع حلف شمال الاطلسي- الناتو، والدرع الصاروخي للناتو وغيرها.

وشعرت الحكومات الغربية بخيبة أمل، مع وجود قائد في الكرملين يزداد استبدادا، كما أن بوتين لم يعد يثق بهم.

"المواجهة العسكرية المباشرة"

يقول المذيع المخضرم فلاديمير بوزنر: "هناك شعور حقيقي حاليا، بأن على الولايات المتحدة أن تثبت أنها القوة العظمى الوحيدة، لكن إذا لم تسر روسيا في الطريق الذي ترغبه واشنطن فإن ذلك سوف يكلف الأخيرة كثيرا".

مصدر الصورة Reuters
Image caption تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب في سوريا، عبر قصفها مدنيين وأهدافا إنسانية.

ويضيف: "التوسيع المستمر للناتو يشكل تهديدا، من وجهة نظر القيادة الروسية. والأمر من وجهة نظرهم كالآتي: أنتم تضغطون علينا، إذن سنرد عليكم بالمثل، وسنبذل قصارى جهدنا لكي ننغص عليكم كما تنغصون علينا".

وأردف: "هناك خطر بوقوع مواجهة حقيقية، ربما تقود إلى نوع من المواجهة العسكرية أو الحرب".

وخلال الأسبوع الجاري، أشارت صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" الروسية إلى أن الحرب الدائرة في سوريا ربما تؤدي إلى "مواجهة عسكرية مباشرة، بين موسكو وواشنطن"، واستدعت الصيحفة مثال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، محذرة من اندلاع حرب عالمية ثالثة.

ويقول أندريه كورتونوف، رئيس المجلس للشؤون الخارجية في روسيا : "لقد كانت لدينا علاقات سيئة مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، لكن خلال تلك الفترة كانت العلاقات مستقرة بشكل ما، لأننا كنا نعرف ردود الأفعال المتوقعة لبعضنا، وعرفنا قواعد اللعبة".

وأضاف: "اليوم ليس لدينا أي شيء من هذا، لذلك فإن العلاقات غير مستقرة. وهذا ما يجعل العلاقات في خطر، وربما أكثر خطورة من فترة الحرب الباردة".

وتتهم الولايات المتحدة والدول الغربية روسيا بارتكاب جرائم حرب في سوريا، عبر استهداف غاراتها الجوية لمدنيين وأهداف إنسانية، لكن موسكو تنفي ذلك وتقول إنها تقصف الإرهابيين.

"إخضاع"

مصدر الصورة Getty
Image caption يتهم الغرب روسيا بدعم المتمردين الانفصاليين في شرقي أوكرانيا.
مصدر الصورة AFP
Image caption تنظر روسيا بقلق لعملية توسيع حلف الناتو.

ربما يكون هناك هدف آخر، ويقول المعلق السياسي ليونيد رادزكوفسكي: "السياسة الخارجية الروسية تتمحور حول معركة لأجل كسب احترام أمريكا. ليس هناك شيء آخر في سياستنا الخارجية. أنا أقصد الاحترام في ثقافتنا الروسية: أن يحترمك الآخرون لأنهم يخافونك".

وأضاف: "بالنسبة لبوتين ليس هناك سوى لعبة واحدة: أولا يكشر للأمريكيين عن أنيابه، ثم يحاول إخضاعهم ليقولوا له: "نحن نرغب في صداقتك".

وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري، علق الرئيس بوتين اتفاقية مع أمريكا، تتعلق بخفض مخزون البلوتونيوم المستخدم في إنتاج أسلحة نووية.

وأصدر بوتين مشروع قانون صادم، أرسله إلى البرلمان للموافقة عليه، يضم قائمة شروط لاستئناف العمل بهذه الاتفاقية منها: أن تلغي واشنطن كافة العقوبات المفروضة على روسيا، وأن تدفع تعويضات لموسكو، وكذلك أن تخفض واشنطن من عدد قواتها في بعض دول الناتو".

وربما يكون ذلك علامة على إحباط بوتين، لأنه حتى الآن لم يستطع توفير الاحترام الدولي، الذي يعتقد أن بلاده تستحقه.

لكن هل سيختلف الوضع إذا كانت روسيا تحت حكم رئيس آخر؟ تقول إيكاترينا شولمان الخبيرة في العلوم السياسية: "بالطبع، الأفراد والشخصيات لهم مكانة ودور".

وتضيف: "لكن يجب الأخذ في عين الاعتبار أن النخبة السياسية في روسيا الآن تتكون من رجال فوق الستين من العمر، ولذلك فهم متشابهون في الطريقة التي نشأوا عليها، وفي تكوينهم النفسي وقيمهم وتعليمهم ورؤيتهم للعالم. ولذلك فإن تغيير الرئيس بشخص آخر لن يسفر عن تغيير جذري".

لكن المعلق السياسي ليونيد رادزكوفسكي يؤكد ثقته، في أن روسيا لن تنجر لحرب مع الولايات المتحدة.

ويقول: "بوتين مصاب بجنون العظمة، فهو يعتقد أنه أفضل من أي قائد غربي بعشر مرات، لكنه ليس الشخص الذي يفتح نافذة في الطابق الثامن عشر، ليقول لنفسه (أنا أستطيع الطيران)، ثم يلقي بنفسه من النافذة".

ويضيف: "بوتين ليس لديه خطة لإسقاط قنبلة هيدروجينية على واشنطن. النرجسية شيئ والميول الانتحارية شيئ آخر. بوتين ليس انتحاريا".

المزيد حول هذه القصة