اثنان وعشرون عاماً خلف المايكرفون في بوش هاوس

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image caption بوش هاوس، مقر بي بي سي العربية منذ انطلاقها في عام 1938 الى عام 2007

جئت من العراق عام سبعة وسبعين لتأدية امتحان القبول في هيئة الإذاعة البريطانية للحصول على وظيفة في القسم العربي.

كان امتحانا يشمل الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، وقراءة مادة وبضعة مقاطع أخبارية، وارتجال الحديث لمدة دقيقة.

ركبت قطار الأنفاق إلى محطة "تشارنغ كروس" في شارع ستراند القريب من مبنى بوش هاوس حسب الخريطة التي درستها بعناية.

مشيت في شارع ستراند باتجاه بوش هاوس، وبدأت أبحث عن مدخل المبنى الذي يعلوه تمثالان كما رأيته في الصورة.

أخيراً، أوقفت سيارة أجرة وقلت للسائق بثقة: "هل لك أن توصلني إلى بوش هاوس؟" ابتسم الرجل: "سيدتي أنت أمام بوش هاوس. دوري إلى يمينك، وستجدين الباب الرئيسي".

درت ودخلت المبنى الذي عملت فيه على مدى اثنين وعشرين عاماً، عاصرت خلالها العديد من المتغيرات في أسلوب إدارة القسم العربي وتقنيات العمل. لكن اهم المتغيرات على الإطلاق، كان دخول التكنولوجيا الحديثة إلى صلب العمل الإذاعي. اليوم كل شيء يتم بالكومبيوتر والناس بالكاد تكلم بعضها. حين أزور مبنى الإذاعة الجديد أشعر أنه عالم لا علاقة له بالعالم الذي عرفت في مبنى بوش هاوس.

بوش هاوس مبنى جميل أنيق، بلمسات واضحة لفن "آرت ديكو"، بُني أصلاً ليكون مركزاً تجارياً من تصميم المعماري الامريكي هارفي ويللي كوربيرت، وبتمويل من رجل الأعمال الأمريكي المعروف إرفينغ بوش ومن هنا جاء اسمه.

افتتحه عام 1925 اللورد بلفور الذي ارتبط بالأذهان بوعد بلفور. بلغت كلفة بنائه حوالي مليوني جنيه إسترليني لذلك اعتُبر في وقتها، أغلى مبنى في العالم. في سبعينيات القرن الماضي، كانت الحياة في بوش هاوس مريحة بدون ضغوط عمل حقيقية.

في السبعينيات، كانت المقالات الإذاعية في السياسية والأدب والعلوم تكتب بالإنجليزية وتصل إلى معدي البرامج عصر كل يوم، مطبوعة على ورق أبيض أو زهري أو أصفر للتمييز بين محتواها، أخبار، علوم، منوعات، على عربة خشبية تدفعها سيدة إنجليزية وتوزعها على مكاتبهم. ولا يسجلون برامجهم دون إجراء بروفة في الاستديو بحضور سكرتيرة تضبط الوقت بساعة توقيت.

مع بداية الثمانينيات، اختفت العربة الخشبية وظهر شيء جديد اسمه الكومبيوتر. كان جهازاً ضخماً بحجم مولدة الكهرباء وضع في غرفة صغيرة ميزته أنه يستطيع أن يتابع تطور الحدث.

كان علينا أن نراجع على شاشة صغيرة قائمة بما في جعبته، وبعد طباعة بضعة رموز عصّية، تخرج من الجهاز صفحات متصلة ببعضها تفصل بينها خروم تسهل قطعها. كان هذا الكومبيوتر ثورة في مواكبة الأخبار والأحداث والمستجدات.

في عام 1988 احتفل القسم العربي بمرور خمسين عاماً على تأسيسه، وبدأت فكرة تجديد شباب "الإذاعة العجوز" التي اشتهرت بتغطيتها الإخبارية الجيدة المدعومة بتقارير مراسليها حول العالم وبرامجها الثقافية، خاصة مع ازدياد شعبية إذاعة مونت كارلو التي كان البعض يراها أكثر شباباً ببرامجها الخفيفة.

وعليه قرر القسم العربي أن يقدم برنامجاً لم يسبق تقديمه بالعربية، "قمة أغاني البوب" الذي يستعرض قائمة الاغني العشر الناجحة كل أسبوع. قدمت الحلقة الأولى منه وكنت أول "دي جي" على محطة إذاعة عربية.

توالت البرامج المتنوعة وبدأت بعض البرامج التقليدية تختفي. بعد ذلك، تم دمج وحدة الموسيقى بوحدة البرامج ليبدأ عصر البرامج الجديدة، برامج موسقية وثقافية خفيفة ترضي كل الأذواق.

نجحت هذه البرامج خاصة مع تطور تكنولوجيا الاستوديوهات، حيث أصبح إجراء المقابلات عبر الهاتف، سهلا وبدأ عصر البرامج الحية، الأقل كلفة، والتي تلبي متطلبات الفكر الجديد في هيئة الإذاعة البريطانية، وهو إعداد برامج بأقل كلفة ممكنة.

وعليه تم تقليص الوقت الذي كان يمنح لإعداد وتسجيل البرامج التي لا تقدم حيّة على الهواء مثل الواحة وموزاييك وندوة المستمعين التي قدمتها لفترات طويلة. وتقلصت الخدمات الإدارية، ولم يعد لكل برنامج سكرتيرة، صار لكل مجموعة من البرامج سكرتيرة واحدة تهيئ عقود المشاركين وتنظم حجوزات الأستوديو. حتى مهندس الصوت في الاستوديو فقد مساعده بعد ظهور الاسطوانات الرقمية "سي دي" التي يمكن توقيتها بسهولة.

في ربيع عام 1990 انتقل القسم العربي من مقره في الدور الرابع في المبنى الرئيسي، إلى الجناح الشمالي الغربي لتجديد مكاتب الموظفين.

ومع حلول الصيف احتل العراق الكويت وبدأت مرحلة الترقب لما سيحدث،

وأصبح الكومبيوتر الذي يوفر متابعة دقيقة لكل ما يستجد، سيد الموقف، في زمن لم تكن فيه الفضائيات العربية الأخبارية قد رأت النور بعد، ففضائية MBC بدأت العمل في لندن عام 1991 وقناة الجزيرة في الدوحة عام 1996. وعليه كان المستمعون المتشوقون لمتابعة الأخبار يستمعون إلى إذاعة القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية.

كان المطلوب من كل مقدمي البرامج أن يساهموا في العمل في برنامج عالم المساء الذي أصبح يعتمد المقابلات والتقارير الإخبارية الحية. كنا حين ننتهي من عملنا في برامجنا نبدأ العمل في غرفة "عالم المساء"، نساعد في الإعداد والمونتاج، وقراءة التقارير على الهواء. كان الزميل الراحل ماجد سرحان كثيراً ما يُعطى على الهواء خبراً عاجلاً بالإنجليزية فيقرأه بالعربية في ترجمة فورية دون أي تلكؤ.

حين عدنا إلى مكاتبنا في الدور الرابع بعد أن انتهى العمل فيها، وجدنا على كل مكتب جهاز كومبيوتر مع "برينتر"، بدأ عصر الكومبيوتر في العمل الإذاعي بكل تفاصيله.

ولكن هل زادت التكنولوجيا الحديثة من مهارة الإذاعي؟

ربما سهلت القيام بأمور كانت تعتبر مستحيلة كإجراء مقابلات عبر الهاتف مع أي شخصية حول العالم من الاستوديو الذي تديره بنفسك، غرفة صغيرة، بنفس قدرات الاستديوهات الضخمة التي يديرها مهندس الصوت. هذا التطور التكنولوجي شجع القسم العربي على تقديم برنامج شهري يتيح للمستمعين الاتصال الهاتفي على الهواء بالبرنامج، للمشاركة في الحوار والنقاش، قدمته وأخرجته مرات على مر السنين.

مع تصاعد منافسة الفضائيات الإخبارية، في منتصف التسعينيات، بدأت فكرة إذاعة الـ FM التي ألغت البث على الموجات القصيرة والمتوسطة، وأصبح المستمعون في العديد من الدول العربية يستقبلون بثنا على موجة محلية بوضوح تام، وبدأ عصر التكنولوجيا الحديثة.

بدأ نوع في التنافس في القدرة على استعمال الكومبيوتر بعد أن أصبحت لدى البعض، مقياساً لتقييم القدرات الإذاعية. فالمستقبل سيكون لتكنولوجيا الإعلام، هكذا كانوا يقولون.

كنت أتساءل باستمرر ما علاقة التكنولوجيا بالمهارات الحقيقية في إعداد البرامج واختيار المادة الممتعة والتعامل الذكي مع الموضوعات المختلفة؟ فالتكنولوجيا لا تعلم الإذاعي صناعة البرامج الجيدة، قد تسهل عمله لكن عليه هو أن يصنع القيمة الحقيقية لما ينتج.

اليوم يرى كثيرون أن الاعتماد على تكنولوجيا الإعلام، قلص من أهمية ما لا بد أن يتوفر في الإعلامي الناجح، الثقافة والرغبة في تقديم الأفضل.

أحزنني أن رئيس القسم العربي لم يعد يفتح باب مكتبي الصغير ليقول كلمة شكر أو إطراء. صار الإيميل وسيلة التحاور الوحيدة بينه وبين العاملين.

مع الأيام ازداد الإقبال على البرامج الحية، الأقل كلفة. فهذه البرامج لا تحتاج لاستوديو التسجيل ولا لمنتجة وكل من يستضيف البرنامج في مقابلات عبر الهاتف لا يتلقون أجراً. في حين أن دعوة شخصية إلى بوش هاوس لاستضافتها في أحد البرامج المسجلة، يعني دفع مبلغ من المال مخصص لمثل تلك الزيارات.

في خضم كل ذلك، ازدادت ساعات بث القسم العربي، التي كانت ساعتين في الفجر وسبع ساعات من منتصف النهار حتى الثامنة بتوقيت غرينتش. أصبح القسم العربي يبث برامجه خلال ساعات اليوم الأربع والعشرين ويعيد البرنامج الواحد مرات ومرات ويكرر نفس الأخبار والمقابلات والتقارير وكل ذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة.