ما قصة "منتجع الموساد" بالسودان الذي حولته نتفليكس إلى فيلم؟

عروس

لم تكون عروس مجرد منتجع مثالي في الصحراء السودانية على شاطئ البحر الأحمر، بل كانت هذه البقعة الساحرة قاعدة لعملاء بالموساد كانوا في مهمة سرية وكانت قصتهم الحقيقية ملهمة لفيلم بشبكة نتفليكس.

وتبث شبكة نتفليكس فيلم منتجع غطس على البحر الأحمر The Red Sea Diving Resort حول منتجع وهمي أقامه الموساد الإسرائيلي في السودان كواجهة لتهريب آلاف اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل وحمل هذا المنتجع اسم قرية "عروس".

"الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" في نتفليكس

لماذا أثار "جابر" ضجة في الأردن؟

المستعربون في جزء ثان من "فوضى" الإسرائيلي

وكتب الفيلم وأخرجه جدعون راف وشارك في بطولته كريس إفانز نجم أفلام الخوارق مثل سلسلة كابتن أمريكا، كما أنه أحد نجوم سلسلة الخوارق "الرائعون الأربعة" حيث يقوم بدور الشعلة البشرية.

ومن نجوم الفليم أيضا هيلي بنيت وأليساندرو نيفولا اللذان يلعبان دور عميلين في الموساد، وبن كنغسلي الذي قام بدور المشرف على عملية سحبهم من المنتجع. وتم تصوير الفيلم في ناميبيا وجنوب أفريقيا.

ويدور الفيلم حول حكاية حقيقية لإنقاذ اليهود الإثيوبيين في أوائل الثمانينيات في ما كانوا يحاولون الهروب من المجاعة ونظام الحكم الأثيوبي وقتها بزعامة مانغستو هايلا ماريام.

ويلعب إيفانز دور العميل الذي أدار العملية مستخدما المنتجع الصحراوي كواجهة.

لكن ما هي الحكاية؟

يقول المنشور السياحي للمنتجع: "عروس قرية سياحية على البحر الأحمر، منطقة رائعة لممارسة رياضة الغطس، ومركز للترفيه الصحراوي في السودان".

ما سبب الاشتباكات بين الفلاشا والشرطة الإسرائيلية؟

إسرائيل: الموافقة على هجرة الالاف من الفلاشا

كما يقول المنشور أيضا "إن المياه في العروس هي من أنقى مياه البحار في العالم، ويمكنك رؤية مشاهد ساحرة ليلا فيما تتلألأ النجوم في السماء".

وهكذا تبدو عروس بشعابها المرجانية وحطام سفينة غارقة قبالة سواحلها حلما لعشاق رياضة الغطس.

وكان المنشور مطبوعا بالآلاف وموزعا على الوكلاء السياحيين بأوروبا. وكانت الحجوزات تتم من خلال مكتب في جنيف وبمرور الوقت تدفق مئات الزوار على المنتجع.

إسرائيل تستقدم 20 ألفا من الفلاشا

وكانت هيئة السياحة في السودان سعيدة بوجود المستثمرين الأوروبيين الذين عملوا بدورهم على جذب السياح الأجانب.

خدعة

لكن القصة كلها كانت خدعة، فالواحة الصحراوية التي توجد فيها منشآت مميزة ورياضات مائية وقبلة لهواة الغوص ووافرة الطعام الطازج والكحول كانت مجرد واجهة، فمنتجع الغطس على البحر الأحمر كان له هدف آخر.

مصدر الصورة RAFFI BERG
Image caption عملاء الموساد في الخلفية مع القوارب التي استخدمت للترفيه وتهريب الفلاشا

ففي بداية الثمانينيات قام الموساد بإطلاق المنتجع وإدارته كغطاء لعملية غير عادية لإنقاذ آلاف اليهود الإثيوبيين العالقين في مخيمات اللاجئين في السودان ونقلهم لإسرائيل.

وقد كان السودان دولة معادية فكان لابد من القيام بالمهمة بشكل سري ودون ضوضاء سواء هناك أو في إسرائيل، لدرجة أن العملاء لم يتحدثوا عنها حتى لأسرهم.

الحرب الأهلية

في سبعينيات القرن الماضي شهدت أثيوبيا حرباً أهلية فنزح الكثيرون إلى السودان هربا منها ومن الأزمة الغذائية التي ضربت إثيوبيا في ذلك الوقت ومن بين النازحين كان هناك اليهود الإثيوبيين.

وكانت إسرائيل قد بدأت فوراً بعمليات محدودة للإنقاذ حيث تم إخراج بعض الإثيوبيين بمستندات مزورة إلى بعض الدول الأوروبية ومنها لإسرائيل.

وينتمي يهود إثيوبيا لطائفة يطلق عليها بيت إسرائيل وأصولهم غامضة.

ولقرون كانت نظرية بارزة ترجع إلى 950 عاما قبل الميلاد تتحدث عن أنهم نسل ابن الملك سليمان وملكة سبأ الذين هربوا من حرب أهلية في إسرائيل القديمة أو ذهبوا إلى المنفى بعد تدمير الهيكل عام 586 قبل الميلاد.

وفي أوائل سبعينيات القرن الماضي أقر كبير حاخامات إسرائيل رسميا وجهة النظر القائلة إن بيت إسرائيل ينتمون إلى إحدى قبائل إسرائيل العشرة المفقودة الذين اختفوا بعد تعرض ممكلة إسرائيل للغزو في القرن الثامن قبل الميلاد.

وقد انعزل يهود إثيوبيا عن بقية يهود العالم لنحو ألف عام ويعتقد أنهم المتبقين من القبائل المفقودة.

مصدر الصورة AAEJ ARCHIVES ONLINE
Image caption فريدي أكلوم (إلى اليسار) مع زعيم يهود الفلاشا في القدس

وفي السبعينيات هرب فريدي أكلوم، وهو من يهود الفلاشا وكان مطلوبا من السلطات الإثيوبية لـ "نشاطه المعادي للحكومة وتشجيعه اليهود على الهجرة لإسرائيل"، للسودان ضمن موجة نزوح من اللاجئين الإثيوبيين من غير اليهود ومن هناك راسل وكالات الإغاثة مناشدا المساعدة للذهاب لإسرائيل وقد وجدت إحدى رسائله طريقها للموساد وصدرت التعليمات بالعمل على تهريب اليهود الإثيوبيين للسودان ثم من السودان إلى إسرائيل.

ويقول العميل داني لقد بحثنا عن فريدي في الخرطوم حتى وجدناه وقد بعث برسائل إلى قومه في إثيوبيا يبلغهم فيها أن الطريق إلى القدس يمر عبر السودان وعليهم أن يتبعوه.

وكان ساحل السودان على البحر الأحمر يمثل فرصة لتسريع وتيرة عمليات إخراج اليهود الإثيوبيين من هناك.

اسرائيل توافق على استقبال "آخر مجموعة" من الفلاشا

مصدر الصورة AAEJ ARCHIVES ONLINE
Image caption لاجئون من يهود إثيوبيا في السودان

وساعدت البحرية الإسرائيلية في نقل عناصر من الموساد لتفقد المنطقة وقاموا باختيار موقع القرية.

شركة سويسرية

كان مستثمرون إيطاليون قد بدأوا المشروع عام 1972 ثم توقفوا لعدم وجود كهرباء ومياه أو حتى طريق للوصول للقرية.

وقال أحد العملاء والذي لم يكشف عن هويته: "إنه مكان يصعب إدارته إذا لم يكن الموساد وراءك".

فقد قام عدد من العملاء بالتظاهر بأنهم ممثلون لشركة سويسرية وأقنعوا السلطات السودانية بأنهم يريدون الاستثمار في موقع القرية التي استأجروها لمدة ثلاث سنوات مقابل 250 ألف دولار.

Image caption يهود إثيوبيون ينقلون بقارب من الساحل

ومن وقت لآخر كانت مجموعة من العملاء تغادر القرية مبلغة الطاقم المحلي الذي تم توظيفه بأنهم ذاهبون للخرطوم بينما كانوا في الواقع يذهبون لتنفيذ عملية تهريب مجموعة من اليهود الإثيوبيين من المعسكرات ليقطعوا بهم طريقا طويلا يصل لنحو 900 كيلومتر مروراً حتى يصلون للشاطئ حيث تقوم وحدات من البحرية وأحيانا القوات الجوية الاسرائيلية بنقلهم.

ويقول أحد العملاء: "كانت عملية خطرة. فلو تم كشف أي منا لانتهى بنا الأمر بإعدامنا في وسط الخرطوم".

وحققت عروس نجاحا كبيراً لدرجة أنها باتت مكتفية اقتصاديا ولا تحتاج إلى الدعم المالي من الموساد وتم استخدام بعض عائدات المشروع في استئجار الشاحنات لتهريب اليهود الإثيوبيين.

وكان من بين ضيوف عروس وحدة جيش مصرية وقوة بريطانية ودبلوماسيون أجانب من الخرطوم ومسؤولون سودانيون.

Image caption يهود إثيوبيون يتناولون الطعام في سفينة حربية إسرائيلية

إنهاء العملية

وبحلول عام 1984 ضربت المجاعة السودان فتقرر تسريع وتيرة عمليات الإخراج ومع تدخل الولايات المتحدة وافق الرئيس السوداني السابق جعفر نميري على نقل اللاجئين اليهود جوا مباشرة من الخرطوم لأوروبا مشترطا أن تتم العملية بسرية وشملت العملية القيام بـ 28 رحلة جوية نقل خلالها 6 آلاف و380 من يهود إثيوبيا إلى بروكسل ومنها لإسرائيل في عملية أطلق عليها "موسى".

وفي يناير/كانون ثاني 1985 كُشف أمر العملية فتوقفت على الفور، وفي أبريل/ نيسان من ذات العام أطيح بنميري في انقلاب عسكري وشرع النظام الجديد على الفور في البحث عن "جواسيس الموساد" الحقيقيين أو الوهميين.

فأصدر رئيس الموساد تعليماته بإخلاء المنتجع على الفور وهو ما تم في اليوم التالي.

مصدر الصورة RAFFI BERG
Image caption رسم يوضح رحلة اليهود الإثيوبيين إلى السودان

وقال أحد العملاء: "غادرنا القرية في عربتين إلى الشمال حيث التقطتنا طائرة شحن عسكرية من طراز سي 130 وأعادتنا إلى إسرائيل. لقد كان هناك سياح في القرية. استيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم لوحدهم في الصحراء".

وفي السنوات الست التالية نفذت المزيد من العمليات ووصل نحو 18 ألفا من يهود الفلاشا لإسرائيل.

وعندما توفي فريدي أكلوم عام 2009 حضر جنازته الآلاف من يهود الفلاشا الإسرائيليين وقيادات الموساد التي كانت في المنصب حينئذ والقيادات السابقة فقد كان بالنسبة لهم بطلا قوميا.

ويقول داني: "كان كأخ بالنسبة لي وبدونه ما كان شيئا ليحدث."

مصدر الصورة Getty Images
Image caption طائرة شحن عسكرية من طراز سي 130 أعادت الفريق لإسرائيل

المزيد حول هذه القصة