نسخة كتاب وصف مصر التي احترقت لا تقدر بثمن لكنها ليست الوحيدة

وصف مصر مصدر الصورة r
Image caption تاريخ مصر تأكله النار

ظلت واحدة من النسخ الأصلية القليلة من الكتاب العظيم "وصف مصر" قابعة في مخازن المجمع العلمي بالقاهرة ربما لأكثر من مائتي سنة.

قليلون من المثقفين والمؤرخين هم من اهتموا بالإطلاع على المؤلف الضخم الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية، وفيما عدا ذلك ربما لم يكن كثيرون من المصريين يعرفون أن الكتاب موجود في بلادهم من الأصل.

ولكن بين عشية وضحاها حلت الكارثة، وارتفعت ألسنة اللهب تلتهم المجمع العلمي العتيق، وتلتهم في داخله تلك النسخة من كتاب وصف مصر.

ومن بين نحو 200 ألف من المجلدات القديمة والكتب النادرة والخرائط والبرديات على أرفف المجمع، أحس المصريون بالجزع لسماع النبأ المروع، وبدا وكأنهم استرجعوا فجأة ذكريات درس التاريخ في المدرسة الإبتدائية، وكيف أمر نابليون بونابرت علماء حملته بالتجول في مصر من أقصاها إلى أقصاها وتدوين كل ما يرونه في مؤلف كبير هو وصف مصر.

فشل نابليون في تحقيق ما جاء من أجله بحملته عام 1798، وهو تأسيس امبراطورية فرنسية مركزها مصر، ولكن القائد الفرنسي الشهير قد انبهر بمصر وكل ما شاهده فيها من مظاهر لحضارة عظيمة علاها التراب.

فلم ير نابليون في حياته بناءا أعظم من الأهرامات ولا أكثر هيبة وروعة من المعابد الفرعونية، وكان هناك التراث الإسلامي المغرق في الثراء وتمثل في العمارة الأيوبية والمملوكية والعثمانية، فضلا عن التنوع الطبيعي بين النهر والصحراء والدلتا والصعيد، والموروث الثقافي الأصيل والبالغ الارتباط بالارض والناس.

أطلق نابليون العنان لعلمائه كي يكتبوا عن مصر، وكان منهم علماء الطب والهندسة والبناء والآثار والجغرافيا والاجتماع واللغة والتاريخ والتصوير وحتى الشعر والموسيقى واللغات، وساعدهم ماعثروا عليه في دور القاهرة وغيرها من المدن المصرية من وثائق وبرديات نجحوا في فك طلاسمها، ففتحت أمامهم مزيدا من الأسرار عن تاريخ البلد العربي الكبير.

ولم يكن ثمة عنوان لما كتبوه أدق من العنوان البسيط "وصف مصر".

وحتى عندما هزم نابليون في أبي قير كان حريصا على أن يحمل معه إلى فرنسا "مسودات" الكتاب الكبير.

وفي باريس جمع وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، جان انطوان شبتال علماء الحملة لنشر كافة المواد العلمية والأدابية التى كتبوها ورسوها اثناء تواجدهم بمصر، وشكلت لجنة من ثمانية أعضاء تولت جمع ونشر مواد الكتاب ، وكانت عبارة عن 10 مجلدات للوحات، منها 74 لوحة بالألوان، وأطلس خرائط، وأخيرًا، 9 مجلدات للدراسات المكتوبة ، وجمعت تلك المجلدات فى كتاب واحد يحمل اسم وصف مصر.

سرعان ما أصبح الكتاب في نسخته الفرنسية واحدا من عيون الثقافة العالمية في وقته، وزاد من قيمته أن النسخ التي طبعت منه ظلت قليلة خاصة نسخ الطبعة الأولى التي ظهرت في باريس عام 1809، وكانت في عشرين جزءا ، ثم ظهرت طبعة ثانية عرفت باسم الطبعة الملكية وكانت في عام 1821.

واضطلع كل من زهير الشايب وابنته مني زهير الشايب بترجمة الكتاب إلى العربية، وهي نفس الترجمة التي لا تزال معتمدة لجميع الطبعات العربية لكتاب وصف مصر.

نسخ أخرى

نعود إلى الحاضر، حيث أكد شاكر عبدالحميد وزير الثقافة المصري، أن نسخة كتاب "وصف مصر"، التي احترقت في المجمع العلمي بشارع قصر العيني ليست هي النسخة الأصلية الوحيدة الموجودة في مصر.

وقال إنه يوجد في مصر ثلاث نسخ أخرى أصلية لهذا الكتاب العظيم ، واحدة فى دار الكتب والوثائق، والثانية في الجمعية الجغرافية بالقاهرة، والثالثة نسخة غير مكتملة موجودة في جامعة أسيوط، كما أعلن أن الترجمة الأصلية للكتاب موجودة ايضا.

تضميد الجراح

وفي خطوة تعكس إدراكا عميقا لقيمة المجمع العلمي الذي احترق ولقيمة الكتاب النفيس وصف مصر، أعلن الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنه سيتكفل بإعادة ترميم المجمع العلمي المصري كاملاً، وأن بحوزته بعض المخطوطات الأصلية مثل المجلة الدورية التي تعود إلى عام 1860 وكتاب "وصف مصر".

وقال القاسمي في تصريحات له إن جميع نسخ الكتب الأصلية الموجودة في مكتبته مقدمة هدية منه للمجمع، حيث انه يملك مجموعة نادرة لا توجد إلا طرفه، كما أوضح أنه طلب من مصر وصفًا كاملاً للكتب التي احترقت وستقوم دار الوثائق المصرية بجرد لها حتى يتمكن من استرجاعها جميعًا.