جدلية الخبيث والطيب !

بجلباب قصير .. خشن الملمس .. ذي أقلام طويلة ..

و طاقية تُخفي شعراً قصيراً .. للغاية ..

بصحبة دفتر صغير أو كتاب مهترئ الغلاف تحت الإبط و يحتويه الذراع ..

سار آلاف المصريين صغاراً في مشهد نقلته الكتب وحفظته العقول وتبارت الروايات والأعمال الدرامية في تجسيده ...

المستقر كان كُتّابَ القرية ..

قم بضم الكاف وتشديد التاء قدر استطاعتك رجاءاً ، فلأجل العلم استقطع الفقراء من قوتهم مالا أو استبدلوه بيضا و خبزا..

كان الكُتاب مقصدَ تدريس علوم القرآن و الحديث و مبادئ الحساب و اللغة العربية ..

ملحقا بالمسجد أو مستقلاً، كانت هيبة الشيخ القائم على تحفيظ الصغار فيه لا تضاهيها هيبة ..

و الأمر يعود بجذوره لقرون ..

بداية الكتاتيب في الدولة الإسلامية كانت العصر الأموي، لكنك إذا دققت قليلا ستجد ذات الفكرة في مدارس دينية مسيحية تُعلم الترانيم وقت مصر القبطية .. و إذا دققت أكثر و أكثر تصل على قدر جهدك إلي كتاتيب الفراعنة التي كانت ملحقة بدور العبادة حينها و سُميت مدرسة المعبد ..

ذات الفكرة تقريبا ، علوم دينية بالأساس يُلحق بها علومٌ أخري تُدرس علي هامشها .

و من كتاتيب العصر الحديث تخرجت أسماء لا ينساها حتي ضعاف الذاكرة ، نفضت بذاتها غبارا كثيفا و أبت إلا أن تجدد .

و هنا من الصعب أن تجد لهذا الفعل بداية واحدة ، فالأمر سلسلة حلقات تتواصل و تتقاطع و لا تتعقد ..

محمد رشيد رضا .. عبد الرحمن الكواكبي .. جمال الدين الأفغاني .. و محمد عبده الذي يُعد رمز التجديد الفقهي الإسلامي و رائد الحركة الحداثية أواخر القرن التاسع عشر و المنادي الأكبر بإصلاح التعليم الديني و بتطوير و تحديث مؤسسة الأزهر ..

دعوة تعود لتبرز على ألسن كثيرة تختلف وجهات نظرها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و تتباين بالتبعية طرق الإصلاح أو المعالجة .

الجدلية صارت أكثر إلحاحا وفقا لكثيرين بعد حادثتين ..

مارس 2016 .. و ما قيل عن تورط طلاب من جامعة الأزهر في اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام المصري السابق ..

ثم هذا الشهر .. ديسمبر 2016 .. و العملية الإنتحارية التي استهدفت الكنيسة البطرسية بالعباسية في قلب القاهرة و أُلقيت المسؤولية عنها على شاب لم يتجاوز الثانية و العشرين ..

كيف يُحول فكر هؤلاء ليقوموا بعمليات كتلك ؟ و إلي أي مدى التعليم الديني مسئول عن ذلك كما يُتهم ؟

سؤال لا يُعد حصريا لمصر فقط بل تمتد هواجسه في دول عربية عدة واجهت و تواجه ذات الخوف القاتل ..

و هنا تعود النظريات المتعاكسة من جديد ..

دعواتٌ بدمج التعليم الديني في التعليم العام أو حتى إلغائه بالمجمل و الحجة أن الأول هو مجرد بيئة خصبة لتكوين جيل أحادي الفكر يعتمد التنافر في علاقته مع الآخر و يقدس فقط مبدأ السمع و الطاعة بدلا من إعلاء قيمة المواطنة و المساواة الدينية و التسامح ..

قائمة من إتهامات قد تطول و لا تنتهي لكنها تُفند و يُرد عليها ممن يعتقد أن هذا النوع من التعليم لا علاقة له بالمذكور أعلاه ، ففي واقع الأمر نسبة من ينتمون للتعليم الديني من المتطرفين أو منفذي جرائم مثل التي ذُكرت آنفا نسبة لا تُذكر ، و بالتالي فالأساس و العبرة من وجهة نظر هؤلاء بتحسين مستوي هذا التعليم و توفير الإمكانات المناسبة له و العمل على الوقوف على الثغرات فيه و سدها ،

بل زد على ذلك أن إلغاء التعليم الديني بالمجمل كما يدعو البعض قد يأتي بنتيجة عكسية و يفرخ فكرا أكثر شرا ..

و هنا الإصلاح بالمجمل يرتطم بمعضلة ..

كيف يتم تدريس الدين ؟ من وجهة نظرٍ إيمانية ؟ من وجهة نظر معرفية ؟ أم من مزيج متوازن من الأثنين ؟ كيف يمكن تقليل الفجوة بين التعليم الديني و من خلفه الخطاب الدعوي و حياة الناس اليومية كي لا تبدو العلاقة بين الأثنين في جذر منعزلة ؟ كيف يمكن الخوض في كتب التراث و موروث أصبح بالتراكم مقدسا ؟ كيف يمكن استحضار فكر محدثين كُثر قوبلوا في زمنهم بهجوم و تكفير ليصبحوا الآن تاجا فوق الرؤوس و رمزا للوسطية و الفكر المستنير ؟

البعض يطرح حلولا يراها طارئة ، مثل تطوير المناهج و إستبدال الحالي بكتب معاصرة مبسطة منقحة من جذور أي فكر خبيث مع زيادة التمويل و تقليل أعداد الطلاب و المعاهد الدينية ذاتها حتي تحظي برقابة أكثر و خدمة أفضل .

حلول كثيرة تحتاج ربما قبل الإفراط في بحثها للإتفاق علي استراتيجية أو رؤية موحدة بعيدا عن كيل الإتهامات و دون دفن أي رأس في رمل أو تراب ..

الطالب نفسه الذي دفع أهله خبزا و بيضا أوائل القرن الماضي أو أواخر الذي سبقه كي يحظي بتعليم كان هو المتاح فقط حينها .. الآن .. هل ما زال حريصا علي تعليم ديني صرف ؟ و إذا كان كذلك ، كيف تجعله يدرك الفارق بين متزن و متطرف ؟

معضلة بين أخريات نطرحها للنقاش في نقطة حوار الأربعاء 16:06 بتوقيت جرينتش .. في إنتظار عصف أفكاركم ..