محمد صبحي: ما أريد وما أفعل

لو تحدثتُ باسم محبي الممثل المصري محمد صبحي - ويحق لي - سأقول إننا لا نحب إبداعه فحسب بل نحبه هو، ملايين منا لم ولن يروه شخصياً، لكننا نشعر وكأننا فعلنا. تربينا على حزمة المتلازمات الحركية واللفظية التي ينفرد بها كإنسان، فتغلغلت في نسيج وجداننا الجماعي. مطبوع في صفائح أدمغتنا الكثير عن محمد صبحي، تصلب ظهره تحت المعطف الهِتلري وهو يدب ببيادة الجيش في "تخاريف". رفعة حاجبيه وكتفيه معاً اندهاشاً مما يقوله أبناؤه وزوجته في "ونيس"، ضحكه المكتوم في مشاهد يراد لنا أن نصدق أنها خروج عفوي عن النص.

ما سلف ليس غريباً، بل المفارقة ها هنا:

سافرت على مضض إلى الكيلو ٣٥ طريق مصر الإسكندرية الصحراوي لإجراء المقابلة مع محمد صبحي ضمن سلسلة بلا قيود الخاصة من القاهرة. ومَرَد التثاقل هو أنني وبدلاً من أن أقضي الوقت في الإعراب عن شديد إعجابي وفخري أنني جالسة معه على خشبة مسرحه، وعوضاً عن حثه على البوح بكل صغيرة وكبيرة عن آلاف المشاهد المسرحية والتلفزيونية والسينمائية التي أحفظها له عن ظهر قلب - كما أريد - سأضطر أن أقضي معه خمساً وعشرين دقيقة من الإزعاج الخالص، فلهذا الغرض أتينا، كي نقضَّ راحة الضيف ونسأله الأسئلة الصعبة التي تعتمل في نفس المشاهد.

هي ببساطة طبيعة البرنامج، وأنا فقط أؤدي عملي.

سبق لي مرتين أن شاهدت محمد صبحي وجهاً لوجه، مرة في منتجع سياحي على البحر الأحمر عندما كان ابني رضيعاً (هو الآن مهندس مدني) حيث انقض عليه صبحي يداعبه ويرفعه في الهواء، لم يكن يجاملني وزوجي، بل انفصل لدقيقتين أو ثلاثة عن الواقع وأضحى في عالم آخر، عالم لا يوجد به مخلوق عداهما، صبحي والبراءة وفقط.

والمرة الثانية كانت في ٢٠١٤ًً في أول ظهور لي على الهواء في قناة مصرية؛ قناة الحياة. حل صبحي ضيفا على الزميل المحترم معتز الدمرداش وعليّ في برنامج اشتركنا في تقديمه. وفي ثوان شهدته ينقلب إلى بركان ويهدد بالانسحاب، كان مصرّاً على بث شريط عن مشروع خيري يشرف عليه بنفسه، وبعد بعض التأخير كان له ما أراد. كان موقفاً جديداً وموتّراً لي في أول ظهور على الهواء مباشرة أمام الجمهور المصري العريض بعيداً عن دفء استوديو النشرات الإخبارية، لكن صبحي أزال كل توتر بعد الحلقة بإصراره على السلام والتقاط الصور التذكارية مع الكل - حتى عمال النظافة.

الحوار مع محمد صبحي في بلا قيود كان مشحوناً بالحدة، وقد انفعل ضيفي أكثر من مرة بل واتهمني بأنني غير متابعة للأحداث الجارية، كما هاجمني نجمي المفضل وتساءل إن كنت منزعجة من تأييده للرئيس المصري. بيد أن درجة الحرارة هدأت قليلا عندما ابتعدنا عن السياسة وتحولنا لمنطقة الفن، وإن كنت أخشى أنني اضطررت لسؤاله عن أمور لا تخلو من حساسية عندئذٍ أيضا، كعلاقته بالمؤلف المسرحي الكبير لينين الرملي الذي اتهم صبحي مؤخراً بأنه ينسب أي نجاح لنفسه ويتجاهل الآخرين.

ماذا أقول؟ حلقة ساخنة أخرى من بلا قيود قدمتها لكم أنا نوران سلام، وقد بدأت إذاعتها يوم الأحد ١٧ سبتمبر، وستعاد على مدار هذا الأسبوع. مشاهدة ممتعة.