المصحة

تعرفت منذ فترة إلى شابة ثلاثينية نشأت في أسرة ملتزمة دينيًا أقرب إلى التشدد الديني. وتدرّجت الفتاة من مرحلة الوعي ثم الدراسة، فالعمل وهي ترتدي الحجاب. ولكن حياتها انقلبت رأساً على عقب حينما قررت أن تخلع الحجاب ظناً منها بأنها بلغت سن الرشد ويحق لها أن ترسم حياتها على النحو الذي ترغب خاصة أنها لم تتزوج. قررت تلك الشابة التخلي عن حجابها، ولم تكن تدري أن هذا القرار سيقودها إلى مصحة نفسية!روت لي الفتاة حجم المعاناة التي تعرضت لها في رحلة وصْمها بالمرض النفسي، بدءاً من شحنها - وهو مصطلح دارج يصف عملية انتقال المريض النفسي من منزله للمصحة بغير إرداته - من الإسكندرية إلى مقر المصحة في القاهرة، ومروراً بما تعرضت له داخل المصحة من آلام وعلاج حتى غادرتها.

أصابتني كلماتها بألم شديد، فلم يكن ليعرف لها المرض النفسي طريقاً، بل كانت مُقبلة على الحياة، إلى أن حاصرتها الظروف لتنام على مهدئات وعقاقير تجعلها طريحة الفراش أغلب ساعات اليوم، واستمر هذا الأمر لشهور من "زهرة عمرها".

كانت فتاة رقيقة ومتعلمة ومثقفة، واضطرت أن تستسلم بعدما فشلت في الحصول على إجابات تتعلق باستراتيجية العلاج، أو كم من الوقت مكثت؟ أو متى سترحل؟ تستيقظ في الصباح، تتناول الدواء،وتجلس مع زميلاتها اللاتي دخلن المصحة لأسباب مختلفة. وكانت الممرضة تُدوّن كل يوم ملاحظاتها وتقّيم مدى التزام كل مريضة عبر علامات تضعها في ورقة المتابعة.

تذكّرْت قصة هذه الفتاة،حينما طرحنا في حلقة هذا الأسبوع التعديلات التي يناقشها مجلس النواب على قانون الصحة النفسية والجدل الدائر حول بعض المواد وخصوصاً المواد المتعلقة بأحقية المريض في الرفض أو الموافقة على الخضوع لجلسات العلاج بالصدمات الكهربائية، إذ أعطى قانون ٢٠٠٩ عدة حقوق للمريض منها معرفة استراتيجية العلاج والأدوية المستخدمة، ومعرفة ما إذا كان سيتعرض للصدمة الكهربائية أم لا؟ وهو ما تسعى بعض التعديلات بنصوصها الحالية للانتقاص من هذه الحقوق. وهو أمر لا يزال معروضا أمام مجلس النواب الذي سيناقش باستفاضة هذه التعديلات قبل إقرارها.

وفي حواري مع ضيفي دكتور أحمد حسين منسق جبهة الدفاع عن مستشفى العباسية،كانت قصة الفتاة حاضرة في ذهني، فهي تتمتع بعقل سليم وليس لديها أمراض نفسية،حسبما لاحظت،ومع ذلك حينما أراد الأب إخضاعها للعلاج،لم يردعه قانون،ولم يخضع قرار الطبيب لمراقبة من أي جهة مختصة، ولم يتم مراجعة السجلات من قِبَل الجهات المنوط بها المراقبة!

أدركت من خلال البحث والاطلاع أن التعديلات المقترحة على القانون تهدف للحفاظ على حقوق المريض، ولكن السؤال المهم، هل المشكلة الحقيقية فقط في القانون، أم في طريقة التطبيق وعدم المحاسبة وغياب الرقابة والمتابعة؟

لا أعرف تحديداً السبب الحقيقي وراء الصورة الذهنية التي تترسّخ في أذهان البعض منّا، حينما نسمع عن المصحات النفسية أو مستشفى الطب النفسي بالعباسية، وهي صورة طبيب يأمر بجلسة علاج كهربائي، ومريض يرجو أن يُصفح عنه، دقائق معدودة وينتهي المشهد بإغماءة المريض. وخلافًا لهذه الصورة الذهنية، فإن القانون المصري المنظم لرعاية المريض النفسي في مصر، لا يتيح استخدام الصدمات الكهربائية بهذه الصورة العشوائية، ولكن على العكس تماماً، فهناك ضوابط منظمة لهذه العملية منها وجود طبيب تخدير واستيفاء كشف الباطنة للتأكد من سلامة المريض الجسدية والتأكد من عدم تناول الطعام لمدة لا تقل عن ٦ ساعات.

والقانون المصري رقم ٧١ لسنة ٢٠٠٩، وضع عدة ضوابط تتناسب مع الاتفاقات والمبادئ والقرارات والتوصيات الدولية، ولكن في نهاية نوفمبر تشرين أول الماضي، خرجت عدة تسريبات عن تعديلات مقترحة على قانون رعاية المريض النفسي، وبحسب كلام ضيفي دكتور أحمد حسين منسق جبهة الدفاع عن مستشفى العباسية، فإنه لم يتمكن من الحصول على نسخة من هذه التعديلات، وحينما ذهب لنقابة الأطباء لطلب المساعدة لم يجد لديهم أية معلومات عن القانون ولم يتم استدعاؤهم للمناقشة، وبعد جهد محمود، وإذاعة بعض الأخبار حول التعديلات، استطاع أن يُكوّن وجهة نظر عن التعديلات التي أتمني أن تخضع لحوار مجتمعي يشارك فيه جميع الأطراف.

تابعوا حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر والتي تأتيكم في السابعة مساء بتوقيت غرينتش، التاسعة بتوقيت القاهرة.