الازمة اليونانية والمنطقة العربية

يورو
Image caption تتركز كل الجهود على دعم استقرار اليورو

منذ تفجرت ازمة الديون اليونانية في الاشهر الاخيرة كثر الحديث عن تاثر الاقتصاد العالمي بها واحتمال اضرارها بالتعافي الاقتصادي الهش، وايضا المخاوف من تفجر ازمة احتمال تخلف عن سداد ديون حكومية في دول من منطقة اليورو مثل البرتغال وايرلندا واسبانيا.

وظهرت بالضرورة تعليقات واراء تشير الى المخاوف من انتقال ازمة الديون الحكومية الى دول المنطقة العربية.

واذا كانت اسواق المنطقة تاثرت بازمة ديون اليونان، فان ذلك ياتي في اطار تاثر الاسواق العالمية عموما ومخاوف المستثمرين ولا يعكس بالضرورة احتمالات ازمة في المالية العامة للدول المعنية او سلامة اقتصادها.

وقبل التطرق الى تاثير ازمة ديون اليونان على المنطقة، من المهم الاشارة الى بعض الخلط في الارقام المتعلقة بازمة اليونان والمعلومات المثيرة حول الازمة في دول اليورو لعلها تلقي بعض الضوء على الوضع الاقتصادي لدول المنطقة مقارنة بوضع اليونان.

والاكثر اثارة هو ما يبدو من خلط بين نسبة العجز في الميزانية الى الناتج المحلي الاجمالي وحجم الدين العام مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي وايضا مسألة الدين العام الحكومي بشكل عام.

اولا، صحيح ان حجم دين اليونان (اكثر من 300 مليار يورو) يعادل اكثر من مئة في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للبلاد، لكن نسبة العجز في الميزانية نتيجة الدين الحكومي لا تتجاوز 14 في المئة.

ونسبة العجز هي مقياس الخطورة الحقيقية على المالية العامة لاي حكومة، لذا اشترطت دول الاتحاد الاوروبي المشاركة في العملة الموحدة، اليورو، الا تزيد نسبة العجز عن 3 في المئة لضمان استقرار اليورو.

والواقع ان كثيرا من دول منطقة اليورو لم تستطع الالتزام بهذا الشرط منذ اطلاق العملة الموحدة قبل اكثر من عشر سنوات.

ومشكلة اليونان ان لها تاريخا في ضعف قدرة الدولة على تدبير مواردها، مع ثقافة تهرب ضريبي واسعة وثغرات كثيرة في الانفاق العام.

وهذا ما جعل مؤسسات التصنيف الائتماني تخفض تقييمها لسندات الدين الحكومي اليونانية وادى ذلك الى ارتفاع سعرها وانهيار العائد عليها ما فاقم ازمة المديونية العامة اليونانية.

ولعبت تلك التصنيفات الائتمانية الدور الرئيسي في غليان ازمة ديون اليونان، رغم ان هناك دول اوروبية ـ في مقدمتها بريطانيا التي يصل فيها عجز الميزانية الى 13 في المئة ـ تعاني من مشكلة ديون حكومية وعجز ميزانية لا يقل كثيرا عما تعانيه اليونان.

لكن لان بريطانيا خارج منطقة اليورو فلم تكن مصدر قلق كبير للاسواق، انما اصبحت الخشية من عجز ميزانية دول مثل البرتغال وايرلندا واسبانيا.

ورغم ان الاقتصاد الاسباني اقوى وافضل هيكليا من الاقتصادين البرتغالي والايرلندي الا ان مؤسسات التصنيف الائتماني جعلته هدفا لها، لاسباب ربما كانت غير اقتصادية صرفة كما يقول الاسبان.

هناك ايضا الاقتصاد الايطالي الذي يعاني من مشاكل ربما كانت اعمق مما تعانيه ايرلندا واسبانيا، لكنه ليس في بؤرة الاهتمام الان.

وهكذا تضافرت عوامل التشوه في الاقتصاد اليوناني مع حاجة اليونان لاقتراض اضافي مع هشاشة النظام المالي العالمي الذي لم يتعاف بعد من الازمة العميقة التي هوت به قبل اكثر من عامين لتثير حالة الذعر الحالية في الاسواق.

وهناك بعض من يميلون الى تفسيرات نظرية المؤامرة ممن يرون ان هبوط العملات الرئيسية كالدولار والاسترليني جعل المحور الاقتصادي الانغلو/ساكسوني يستهدف اليورو الذي حافظ على قوته نسبيا.

كما يرى البعض ان استهداف اسبانيا تحديدا بالتخويف و"الارهاب" الاقتصادي ـ على حد تعبير البعض ـ انما ياتي في سياق دفع اقتصادات اوروبية رئيسية، خاصة المانيا وفرنسا، للارتباك وتجنيب مخصصات مالية ضخمة لاحتمالات المخاطر وحفاظا على استقرار العملة الاوروبية.

ثم ان هناك نقطة اساسية تتعلق بمسألة الاقتراض الحكومي والدين العام، وهي انه ليس بالضرورة شرا او خطأ.

فالحكومات تقترض من السوق المحلي والدولي لتمويل خطط الاستثمار والتنمية وللانفاق العام في الاقتصاد الذي يعد ركيزة اساسية للنمو.

صحيح انه نتيجة لبعض الاختلالات الهيكلية يصبح الدين العام عبئا، لكنه ضرورة اساسية للنشاط الاقتصادي ـ فعلى الدولة دور في الاستثمار في مجالات الاقتصاد التي لا يتحمس لها القطاع الخاص حتى في اكثر الاقتصادات ليبرالية.

لكن في المقابل يحتاج ضبط المالية العامة الى دفع المواطنين للادخار بنسب كبيرة للحد من الخلل في كشوف الميزانية العامة.

وربما هذا عامل اخر يضاف الى العوامل التي فاقمت من ازمة اليونان، وهو قلة معدل الادخار الوطني.

وباستثناء تاثير اضطراب الاسواق على اسواق المنطقة العربية، واحتمالات تاثير ازمة تلك الديون اليونانية والاوروبية على التعافي الاقتصادي العالمي وبالتالي الطلب على الطاقة واسعار النفط، فان اي اوجه شبه او تاثيرات اخرى ضخمة غير محتملة.

ولنأخذ على سبيل المثال دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعد اسواقها اسرع واكثر تاثرا بما يجري في الاسواق العالمية اضافة الى ارتباط عائداتها بوضع الاقتصاد العالمي وقوة طلبه على صادراتها من الطاقة.

فميزانيات معظم دول الخليج لا تعاني عجزا في السنوات الاخيرة، اذ ان الفوائض النقدية من عائدات صادرات الطاقة تغطي الانفاق العام بما لا يجعل الحكومات في حاجة ماسة للاقتراض بشكل كبير.

ومع ان الازمة العالمية والركود الاقتصادي في العامين الاخيرين اكلا القدر الاكبر من تلك الفوائض، فان معدلات الدين العام في اقل دول منطقة الخليج ثراء لم تصل الى ثلث الناتج المحلي الاجمالي.

وتبقى نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي، او عجز الميزانية، في حدود لا تتجاوز ما بين 3 الى 5 في المئة على اقصى تقدير.

وذلك معدل منطقي جدا في ظل حفاظ حكومات دول المنطقة على خطط الانفاق العام لتحفيز الاقتصاد.

وربما يكون في تراجع الادخار الوطني مشكلة في بعض الدول في المنطقة، مثل لبنان ومصر والاردن على سبيل المثال.

لكن حتى في مصر، التي لا تزيد نسبة العجز في ميزانياتها عن 8 في المئة، هناك محاولات حثيثة لتشجيع الادخار حتى لا يصبح الدين العام مشكلة حادة.

اما النقطة الوجيهة التي يثيرها البعض من ان العملة الخليجية الموحدة قد تصبح الان محل جدل نتيجة الازمة التي تعاني منطقة اليورو، فتعود اساسا الى ان مشروع العملة الخليجية يجري تصميمه على غرار اليورو.

مع ذلك، فليس هناك مخاطر حقيقية من ذلك النموذج ـ حتى الان على الاقل ـ اذا اخذنا في الاعتبار ان التباين بين دول الخليج ليس كبيرا كما بين دول اليورو.

صحيح ان هناك اختلافات بنيوية في الاقتصادات الخليجية، لكنها ليست كما بين ايطاليا وايرلندا مثلا.

اضف الى ذلك ان العملة الخليجية الموحدة ستستند الى اقتصادات تعتمد على عائدات شبه مستمرة، حتى وان تذبذبت نتيجة حركة اسعار النفط والغاز وحجم التجارة والطلب على البتروكيماويات.

وذلك في حد ذاته كاف مبدئيا لاطفاء اي حريق اقتصادي كالذي تشهده منطقة اليورو ـ هذا اذا اندلع اصلا.