أغرب الوظائف في جزيرة غرينلاند ذات الأنهار الجليدية

مصدر الصورة Sara Berthelesen

بعدما باتت التهديدات تحدق بالنمط التقليدي لحياة أصحاب بعض الأعمال والمشروعات في جزيرة غرينلاند، بدأ هؤلاء في إدخال تعديلات على أعمالهم لمواكبة الظروف المتغيرة هناك.

ففي بعض البقاع القليلة على سطح الأرض؛ يبدو استخدام الأدوات التقنية الحديثة التي توفرها برامج مثل إنستغرام لمعالجة الصور لتكون أكثر وضوحا أو جمالا، أمرا لا لزوم له على الإطلاق.

ويصدق ذلك على غرينلاند، تلك المنطقة التي تحفل بأنهارها الجليدية ذات اللون الأزرق، وتضاريسها القاسية التي تكسوها الثلوج وتمتد أمام الناظرين إلى ما لا نهاية.

ورغم الجمال المذهل الذي تتسم به تلك المنطقة فإن نمطها المناخي من بين أقسى الأنماط التي يمكن تصورها، وهو ما يجعل سكانها بحاجة لتعديل وتكييف ظروفهم وأعمالهم ليتمكنوا من مواصلة الحياة والعمل على أراضيها.

وبرغم أن غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم (بعد استراليا)، وتحتل المركز الثاني عشر على قائمة أكبر الدول مساحة على سطح الأرض؛ فإن عدد سكانها الذي يناهز 56 ألف نسمة يشبه تعداد مدينة صغيرة.

ولأن معظم مساحة هذا البلد يقع في شمال الدائرة القطبية الشمالية، لا تظهر الشمس في الأفق تقريبا طيلة فصل الشتاء، بينما تسطع ليلا ونهارا خلال الصيف. ورغم أنها أقرب جغرافيا لكندا، فإن علاقاتها الاقتصادية والسياسية الأوثق تقام مع الدنمارك التي تبعد عنها خمس ساعات بالطائرة.

ويمكن القول إن غرينلاند هي بقعة فريدة من نوعها، تموج بالتناقضات وتغص بالسمات المتفردة، وهو ما يتجسد بحق في ضوء جهود سكانها لمواكبة التغيرات المناخية والثقافية والاقتصادية التي تشهدها أراضيها.

صاحب مشروع المثلجات (الآيس كريم)

تمحور اقتصاد غرينلاند تقليديا حول حرفتي صيد الأسماك والحيوانات، وعلى الرغم أن ذلك لا يزال جزءا لا يتجزأ من الحياة في هذه المنطقة، فإن الجهود الرامية لإقامة مشروعات اقتصادية في مجالات أخرى آخذة في الازدهار بدورها.

مصدر الصورة Maik Carretero

يمكن أن نضرب هنا مثالا بما يقوم به مايك كارتيرو؛ الذي يعيش في مدينة نوك عاصمة غرينلاند، حيث يدير مشروعه "غرينلاند آيس" لمثلجات الآيس كريم. وفي بلد يموج بالتناقضات يبدو هذا الأمر أكثرها تناقضا بحق؛ إذ أن بيع الآيس كريم في أحد أكثر بلدان العالم برودة من حيث الطقس، يبدو أمرا محكوما عليه بالفشل. لكن واقع الحال يكشف لنا عن أن ما يحدث هو على العكس تماما.

يقول كارتيرو: "مواطنو غرينلاند يحبون الآيس كريم. إنهم يحبونه حقا. فعندما يشعر المرء ببرودة الطقس، ويلتهم شيئا ما باردا يقول جسده 'إن ذلك يثير القشعريرة من فرط برودته، ويبث الدفء في جسدي'".

على أي حال، يمكن أن تكون هذه النظرية سليمة علميا أو لا، ولكن من المؤكد أنها تؤتي أُكلها بالنسبة لهذا الرجل.

ويروي كارتيرو مسيرته العملية قائلا: "قطعت خطوتي الأولى في هذا المشروع عام 2008 على نطاق ضيق من غرفة كانت مخصصة للضيوف، ولكن نطاق العمل اتسع بسرعة كبيرة، ثم انتقلنا إلى مكان آخر العام الماضي".

فمن وحدة صناعية تقع على مشارف المدينة، يتولى كارتيرو وفريق عمله إعداد منتجاته - مُستخدماً مصادر محلية - وبيعها لعملائه.

وهنا يقول: "نستخدم الثلوج الموجودة في الكهوف الجليدية الموجودة بداخل البلاد بعيدا عن السواحل، وهي ذات مذاق نقي للغاية. وبوسع الجميع التهامها لأنها لا تحتوي على أي حليب أو قشدة".

ويوضح أن هذه الفكرة نشأت من حقيقة بسيطة وهي أنه كان يريد أن تستمتع زوجته بالآيس كريم، رغم أنها لا تطيق الأطعمة التي تحتوي على اللاكتوز، وهو سكر الحليب.

ويوفر كارتيرو منتجاته لعملائه من خلال 50 منفذ بيع في مختلف أنحاء غرينلاند. كما أن لديه سوق تصدير خارجيا متناميا في الدنمارك، بموجب تعاقدات يورد في إطارها منتجاته إلى العديد من السلاسل التجارية الكبرى الموجودة هناك؛ مثل مجموعة المتاجر الفارهة الراقية التي تحمل اسم "ماغسين دي نورد".

ولا يكتفي الرجل بذلك، ويقول: "نعتزم التوسع للوصول إلى أيسلندا وبعدها من يعلم"، إلى أين ستصل المنتجات تاليا؟.

قائدة الزلاجات التي تجرها الكلاب

في منطقة مرتفعة مثل "سيسميَت"، تقع على بعد نحو 40 ميلا إلى الجنوب من الدائرة القطبية الشمالية، يسود طقس شديد البرودة على نحو لافت، تتدنى فيه درجة الحرارة إلى 15 درجة تحت الصفر، وهو ما يؤدي لتكون ثلوجٍ بعمق أكبر، إلى حد أن هذا العمق يصل في مارس/آذار، وهو الشهر الأكثر كثافة في تساقط الثلوج، إلى 70 سنتيمترا في المتوسط.

مصدر الصورة Sara Berthelesen

وفي ظل رياح شديدة البرودة، تصارع سارا برذلسين، التي تُقسّم وقتها ما بين دراسة الطب والعمل في مهنة قيادة الزلاجات التي تجرها الكلاب، لإبقاء قبضتها محكمة على مجموعة تضم 10 كلاب مكتملة النمو من نوع "هاسكي" (أو كلاب الإسكيمو) بجانب 10 أخرى من جراء هذا النوع. يحدث ذلك الصراع، خلال وقوف هذه الفتاة بجوار زلاجتها الطويلة الخشبية لتحضيرها لرحلة مقبلة.

وتعتبر برذلسين هذا العمل بمثابة "الدماء" التي تجري في شرايينها. وتقول: "دائما ما كان لدى والدي كلاب، وكنت أعمل معها منذ كنت في الثامنة من عمري. كنت أذهب في رحلات بصحبة والدي كلما تسنى لي ذلك".

وبينما تُستخدم الزلاجات والكلاب من هذا النوع في بعض بقاع غرينلاند، خاصة تلك الواقعة في شمال البلاد، لغرضيّ التنقل والصيد؛ فإن الأمر يختلف في سيسميَت، إذ يتمحور الأمر هناك في الأغلب على السعي للشعور بتلك الإثارة الهائلة المرتبطة بالتزلج، سواء أكان من ينشدها من السكان أو السائحين.

وفي إطار عملها لحساب فندق سيسميَت؛ تصطحب برذلسين السائحين إلى رحلة – مدفوعة الأجر بالطبع - ستظل باقية في ذاكرة كل منهم طيلة حياته.

وخلال ركوبها الجزء الخلفي من الزلاجة ومرورها وسط مناظر طبيعية جبلية خلابة، لا تغفل برذلسين الاستعداد الجيد لصعود تل يحمل اسما مشؤوما، وهو "باك بريكر" (قاصم الظهر). لكن مثل هذا المصير المأساوي بالمناسبة، ليس مبعث الخوف الوحيد الكامن في نفسها.

فسبب خشيتها الأكبر - كما تقول - يتمثل في أن تنفصل عن الكلاب بشكل أو بآخر، ومن ثم تضطر للعودة أدراجها سيرا على الأقدام. وتوضح بالقول إن رحلة العودة "تستغرق ما بين ساعتين وثلاث ساعات، وهي رحلة طويلة وشاقة إذا ما قمت بها بمفردي".

أما مكمن الخطر الآخر، فيتمثل في التغيرات الهائلة التي تطرأ على البيئة الطبيعية في غرينلاند.

وفي هذا الشأن تقول سارا برذلسين: "أعتقد أن قيادة الزلاجات التي تجرها الكلاب فن يحتضر بسبب التغير المناخي. الظروف تتبدل".

وتضيف قائلة إن أوضاع "الجليد بات لا يمكن التنبؤ به، خاصة في الشمال، وهو ما يجعله خطيرا. فقد يتصدع بغتة وقد علمت بأن كلابا من نوع هاسكي تسقط عبر الثغرات" التي تحدث وسط الجليد.

قائد قارب التزلج على الجليد

مصدر الصورة Edvard Samuelsn

ومن بين المهن الأخرى التي تحفها المخاطر على ما يبدو في غرينلاند، قيادة القوارب التي تدور حول المضايق الجليدية في منطقة "الوليساو" الواقعة على بعد 220 ميلا شمال الدائرة القطبية الشمالية. لكن حتى في ذروة فصل الشتاء، يمكنك أن ترى الربان إدفارد ساملوسين وهو يناور بقاربه المسمى "كاتاك" والبالغ طوله 36 قدما ووزنه 18 طنا، ليمر بين الجبال الجليدية المخيفة، التي يمكن أن يبلغ ارتفاعها 100 متر فوق سطح البحر.

ويقول ساملوسين: "دائما ما كان الإبحار يمثل حلما بالنسبة لي. التحقت بمدرسة الملاحة البحرية، وأنا في السابعة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعمل على متن قوارب".

ويُقِل هذا الرجل في كل رحلة ما يصل إلى 12 راكبا، يطوف بهم حول بعضٍ أروع المناظر الطبيعية، التي تحبس الأنفاس من فرط جمالها، على ظهر هذا الكوكب.

يقول ساملوسين: "تبدو الجبال الجليدية ضخمة من هنا" كما لو كان المرء يتزلج إلى جوار وحش. ويضيف: "لكن ليس بوسعك سوى رؤية جزء ضئيل من (هذه الجبال) فوق الماء. ففي الواقع، يزيد حجمها على ذلك بسبع أو ثماني مرات".

ومن الوجهة الفعلية، تمثل هذه الجبال ناطحات سحاب عائمة. وعادة ما يصعد ساملوسين على مؤخرة القارب، ويضع إحدى قدميه على كتلة ضخمة من الماء المتجمد، ليقتطع لنفسه جزءا كبيرا منها.

ويمضي قائلا: "أذيب الثلج وأشربه في المنزل. إنها أفضل المياه الموجودة في العالم. وترى تاريخا من آلاف السنين وقد صُب في كوب زجاجي واحد".

وخلال احتسائه قدحا من القهوة الداكنة قوية المفعول، يشير الرجل إلى سلسلة تلال جليدية تبدو في الأفق قائلا: "بوسعك أن ترى في كثير من الأحيان فقمات تقبع هناك. وأحيانا ترى حوتا".

ويضيف أنه في بعض الأحيان يفكر أنه يجدر به أن ينصح ركاب قاربه بالتزام مقاعدهم والتمتع بجمال الطبيعة الباهر، وذلك حينما يراهم منهمكين في التقاط الصور بكاميراتهم لما حولهم من مناظر طبيعية.

مديرة المركز البحري في غرينلاند

مصدر الصورة Nivikka Brandt

تشكل الأسماك خاصة، والمأكولات البحرية بصفة عامة، أحد أكثر الموارد الطبيعية وفرة في غرينلاند في ضوء أنها في الأصل جزيرة هائلة المساحة. وتلعب صناعة الصيد دورا محوريا في دعم الاقتصاد الوطني في هذه المنطقة، وتشكل القطاع الذي يوفر أكبر عدد من فرص العمل هناك، إذ يصل عدد العاملين فيه إلى نحو عشرة في المئة من حجم القوى العاملة في البلاد.

وتمثل أسماك الهلبوت، والقد، والجمبري، وسرطان البحر أكثر الأنواع البحرية التي يتم اصطيادها في غرينلاند. ولكن مع ارتفاع درجة حرارة المياه هناك تدريجيا، بات يتم اصطياد أسماك الماكريل، والتونة قبالة السواحل الجنوبية لغرينلاند، وهو تبدل يُعزى بشكل عام إلى التغير المناخي.

ولكن الصيد عملية أكثر تعقيدا من مجرد القدرة على سحب كمية كبيرة من الأسماك إلى الشاطئ، بواسطة الشباك أو الصنانير. وهو ما يقودنا للتعرف على شخصيتنا التالية: نيفيكا براندت؛ مديرة المركز البحري في غرينلاند، الواقع في العاصمة نوك.

ويتولى المركز تعليم طلابه مهارات العمل في البحر، لتأهيلهم لوظائف متنوعة؛ بداية من وظيفة مضيف إلى نائب ربان. وتتفاوت مدد الدورات التدريبية التي يقدمها هذا المركز، بحسب طبيعة الوظيفة التي تؤهل لها كل دورة، ولكنه يستوعب ما بين 25 إلى 40 طالبا في كل فصل دراسي.

وتقول براندت إنه باعتبار أن العمل في البحر يشكل جزءا من صناعة قائمة على مستوى العالم، فقد بات الحصول على مؤهلات أكاديمية في هذا المضمار أمرا ضروريا لكل من لديه طموح من شبان أو شابات يخوضون غمار ذلك المجال، لإحراز تقدم فيه.

وتضيف "يتعلم الطلاب كل شيء بداية من صناعة الشباك إلى الملاحة (البحرية) والتعامل مع المسافرين المتهربين من شراء بطاقات ركوب، إلى مهارات التحدث باللغة الإنجليزية".

وتتابع "لدينا غرفة للاتصالات اللاسلكية وهي على اتصال بالسفن المبحرة في المحيط، كما أن لدينا نموذج محاكاة لسفينة".

وتقول براندت، التي عملت من قبل ربان سفينة قبل تولي هذه الوظيفة على اليابسة، إن الأمر يتطلب التحلي بسمات شخصية معينة حتى يتسنى لك أن تصبح ضابطا بحريا ناجحا أو ربانا مشهودا له بالكفاءة.

وتضيف "ينبغي أن تكون جديرا بالثقة ورابط الجأش في المواقف الصعبة. ومن الأمور المفيدة أيضا، ألا يكون لديك شعور بالحنين للأسرة والوطن، لأنك ستقضي في كثير من الأحيان أسابيع طويلة بعيدا في قلب البحر".

وتخلص براندت إلى القول "غالبية الطلاب من مواطني غرينلاند، وقضاؤهم لبعض الوقت في البحر هو أمر يفعله الكثيرون منّا. ربما لا يحبون هذا الأمر على الدوام، ولكنه جانب ضروري من جوانب العمل في هذا القطاع".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة