مقتل جمال خاشقجي: حكم القضاء السعودي بين "النزاهة" واختيار التوقيت لـ "دفن القضية"

خاشقجي مصدر الصورة Getty Images

علقت صحف عربية، ورقية وإلكترونية، على الأحكام التي أصدرها القضاء السعودي في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي كان ناقدا بارزا لحكومة بلاده وقُتل داخل قنصلية بلاده في اسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

وحُكم على خمسة أشخاص بالإعدام وعلى ثلاثة بالسجن، وبُرِّئت ساحة ثلاثة آخرين. كما برأت المحكمة اللواء أحمد العسيري، نائب رئيس الاستخبارات، وسعود القحطاني، مستشار ولي العهد السعودي.

ورحّبت الصحف السعودية بهذه الأحكام التي صدرت بحضور ممثلين دوليين، معتبرةً أنها تؤكد "شفافية" القضاء السعودي.

من جانب آخر، انتقد كُتّاب هذه الأحكام بأنها "غير مقنعة" وبأن المملكة اختارت هذا التوقيت لانشغال العالم ووسائل الإعلام بأعياد الميلاد حتى لا تسلط الضوء عليها وأنها تريد أن تطوي صفحة خاشقجي قبل بداية العام الجديد.

"قد ترتد سلبا"

يرى عبد الباري عطوان، رئيس تحرير "رأي اليوم" الإلكترونية اللندنية، أن هذه الأحكام "غير مقنعة وتثير العديد من التساؤلات".

ويتساءل الكاتب: "لماذا إعلانها الآن؟ وهل ستنفذ فعلًا؟ ومن هم الخمسة الذين سيُعدَمون بحدّ السيف ومتى؟ وهل عسيري والقحطاني أبرياء؟"

ويؤكد عطوان أن "اختيار إعلان هذه الأحكام مع بدء عطلات أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة في العالم الغربي، حيث موسم العطلات الرسمية، وإغلاق معظم الداوئر كان مقصودا، ومحسوبا بعناية لإحداث أقل قدر ممكن من الضجة السياسية والإعلامية".

ويضيف: "لا جدال في أنه اختيار صحيح، ولكن من الصعب القول إن هذه الخطوة ستعطي ثمارها في دفن هذه القضية، وربما يحدث العكس تماما، وهناك مَن يعتقد أنه كان من الأفضل عدم الإعلان عن هذه الأحكام في الحاضر والمستقبل لأنها لن تقنع أحدا بمصداقيتها، سواء داخل المملكة أو خارجها".

وتصدّر عنوان "خاشقجي قتل نفسه" الصفحة الأولى لجريدة "الأخبار" اللبنانية، التي خصصت صفحتين داخليتين لانتقاد الأحكام الصادرة في القضية.

ويقول خليل كوثراني في الصحيفة ساخرا: "جمال خاشقجي انتحر ثم ذوّب جثّته بالأسيد بنفسه. هذا ما كان ينقص الأحكام القضائية الأولية الصادرة أن تقوله بخصوص القضية".

ويضيف: "خرج قضاء مملكة آل سعود أمس ليؤكد في مناسبة جديدة أنها مملكة للقتل والقهر، وكذلك للدجل الذي بات يُحرج حتى حلفاء هذا النظام وأنصاره".

ويؤكد أن النظام السعودي "تعجّل إصدار القرارات قبل بداية العام الجديد. فهو يفترض أنه بذلك يغلق الملف، إذ يريد أن يتخلص بما تيسر من تداعيات القضية، وإعادة الهدوء والثقة من حول النظام في عام 2020 التي يريدها ابن سلمان سنة 'هادئة' ومليئة بإنجازات اقتصادية تأخرت. فيمرر فيها سابقة استقبال 'العشرين' على أراضي المملكة ... وتعويض الخسارات الفادحة التي تبدأ بتعثر طرح أرامكو الدولي ولا تنتهي بفشل ذريع لاستدرار الاستثمارات الأجنبية".

ويقول كوثراني: "ثقة ابن سلمان بترامب دفعته إلى استعجال أحكام تتجاهل حتى من وردت أسماؤهم في لائحة العقوبات الأمريكية على المتورطين الـ17، التي اكتفت بها إدارة ترامب. وهو ما يعني تجاهل غضب الكونغرس وإمكانية تفعيل ملف خاشقجي في إطار الحرب المفتوحة على البيت الأبيض، أي مزيد من الأضرار السعودية. وهذا يعني أن محاولة إغلاق الملف قد ترتد سلباً لتكون مناسبة لإثارته من جديد لو إعلاميا".

"شفافية القضاء السعودي"

مصدر الصورة Getty Images

وتحت عنوان "العدالة المطلقة"، تقول صحيفة "الرياض" السعودية: "القضاء في بلادنا سلطة مستقلة تستمد تشريعاتها من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهو بذلك يحقق مبدأ العدالة المطلقة عند نظره في القضايا المعروضة عليه، وهذا الأمر ينسحب على مجمل القضايا وأنواعها وتخصصاتها".

وتضيف الصحيفة في افتتاحيتها: "في قضية الصحافي جمال خاشقجي - رحمه الله - لم نكن نحن المواطنون نتوقع أن يحدث سوى ما حدث بالفعل، لم تساورنا ذرة شك في عدالة ونزاهة واستقلالية قضائنا وكشفه عن ملابسات الجريمة ومرتكبيها كل حسب دوره".

وتؤكد الصحيفة أنه "منذ بدء النظر في القضية وحتى صدور الأحكام المبدئية كان القضاء السعودي هو سيد الموقف باحثا عن الحقيقة ولا شيء سواها والتي توصل لها بعد أن أخذ كل الوقت اللازم للنظر فيها والسماع لأقوال المتهمين والشهود ليأتي حكمه عادلا مفندا للجريمة والمشاركين كل حسب مسؤوليته".

وترى أن "كل تلك المعطيات تعطينا وتعطي غيرنا دلالات على أن ما تم التوصل إليه من حقائق في هذه الواقعة تم بعد تمحيص شديد ودقة بالغة وتحقيق موسع أفضى إلى صدور الحكم المبدئي في القضية معطيا من صدرت بحقهم الأحكام فرصة الاستئناف خلال ثلاثين شهرا من صدور الحكم".

وتضيف: "نزاهة قضائنا وعدالته لا تحتاج لمن يشهد لها فهي خير شاهد على نفسها كونها تستمد تشريعاتها من الكتاب والسنة وليست قوانين وضعية تشوبها الشوائب".

وتقول صحيفة "اليوم" السعودية إنه في الجلسة العاشرة للنيابة العامة في هذه القضية "وبحضور ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وممثلين عن أسرة الفقيد وممثل عن تركيا، في تلك الجلسة تتضح بجلاء لدى العالم بأسره شفافية القضاء السعودي ونزاهته، والحرص على تطبيق العدالة والوصول إلى الحقائق بتجرد كامل من أي تبعية بحكم أن القضاء بالمملكة له صفة الاستقلالية".

وترى الصحيفة في افتتاحيتها أنه "بنقل وقائع المحاكمات وصدور الأحكام بشكل علني أمام العالم، وبحضور أشخاص يمثلون الدول الكبرى وممثلين عن أسرة الصحفي والدولة التركية تتضح الشفافية المعهودة عن القضاء السعودي، وهو قضاء تتم أحكامه بمنأى عن أية ضغوط وعن أية توجهات تخرجه عن رسالته المعروفة بتبيان الحقائق وملاحقة الجناة، والقصاص منهم".

وانتقدت الصحيفة من ينتقدون المملكة والأحكام القضائية الصادرة، قائلة: "لقد حاولت تلك الأصوات الناشزة المسعورة التي تناصب المملكة العداء التشكيك في القضاء السعودي من خلال مجريات المحاكمات التي جرت مع المتورطين في تلك الجريمة الشنيعة، غير أن تلك المحاولات المغرضة باءت بالفشل الذريع".

المزيد حول هذه القصة