جمال خاشقجي: كيف أثر مقتله في صورة محمد بن سلمان؟

محمد بن سلمان في قمة الدول الصناعية السبعة عام 2016 مصدر الصورة Getty Images

وصل الأمير السعودي الشاب محمد بن سلمان إلى ولاية العهد حاملا رؤية طموحة للإصلاحات التي تحتاجها المملكة.

ففي عام 2016، طرح ولي العهد السعودي رؤية 2030، التي تقوم على ثلاثة محاور من بينها تحقيق اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، وتعزيز دور المملكة في التجارة الدولية.

وتتحقق هذه الرؤية من خلال 13 برنامجا، تحقق 96 هدفا استراتيجيا تصل إليهم المملكة بحلول عام 2030.

وظهر بن سلمان - خاصة لدى الغرب - راعيا للكثير من الخطوات الإصلاحية، من بينها إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسماح للمرأة بقيادة السيارة، والسماح بسفر المرأة بدون محرم، وإلغاء ولاية الرجل على المرأة بحيث يُسمح لها باستخراج جواز سفر دون إذن ولي، وأن تصبح رب أسرة.

كما شملت الإصلاحات تدشين الهيئة العامة للترفيه، واستضافة المملكة لحفلات غنائية واستعراضية وعروض مسرحية. وهي سابقة في المملكة التي غلب عليها الطابع المحافظ.

لكن كل هذه الإصلاحات والرؤى والخطاب الانفتاحي طمسها حادث واحد، هو مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2018.

ويبدو أن الواقعة وتبعاتها ما زالت تطارد سمعة النظام السعودي، وربما ولي العهد نفسه. إذ أقر محمد بن سلمان في حوار أُذيع السبت أنه يتحمل المسؤولية عن مقتل خاشقجي "كون ذلك حدث وأنا في موقع السلطة".

وعُرض الحوار عبر شبكة "سي بس إس" الأمريكية ضمن أحد برامجها الحوارية.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها بن سلمان علانية عن الحادث، إذ دأب مسؤولون سعوديون عن نفي صلته بالواقعة أو إصدار أوامر بالقتل. فكيف أثر مقتل خاشقجي على صورة الأمير الشاب؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption محمد بن سلمان يُعد صاحب رؤية طموحة من شأنها إحداث تحول في المجتمع السعودي المحافظ

موقف دفاعي

توالت الاتهامات الدولية لبن سلمان بالمسؤولية عن مقتل خاشقجي، وقالت بعض الجهات صراحة إن الواقعة تمت بأوامر منه.

وكان الموقف السعودي الأولي هو إنكار وقوع الجريمة من الأساس، حتى انتهى الأمر بتقديم خمسة مسؤولين سعوديين للمحاكمة.

ومن أبرز المسؤولين المتهمين اللواء أحمد عسيري، نائب رئيس المخابرات وقت مقتل خاشقجي، والمتحدث السابق باسم التحالف الذي تقوده السعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن.

وعُرف عسيري بأنه ضمن الدائرة المقربة لولي العهد السعودي، إلا أن الملك سلمان أُعفاه من منصبه عقب مقتل خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول 2018. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز آنذاك أن عسيري تلقى تصريحا شفهيا من ولي العهد محمد بن سلمان باعتقال خاشقجي لاستجوابه في السعودية.

شاهد أيضا: ولي العهد تحت المجهر

كما صرح وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، بأن "القيادة السياسية خط أحمر"، ونفى أن يكون للملك أو ولي العهد أي مسؤولية أو علم بمقتل خاشقجي.

لكن تقديم متهمين في القضية لم يخفف من الضغط على محمد بن سلمان، ففي ديسمبر/كانون الأول 2018، تعالت أصوات في مجلس الشيوخ الأمريكي تحمل ولي العهد السعودي مسؤولية مقتل خاشقجي.

وقال السيناتور الجمهوري بوب كروكر لقناة "إم إس إن بي سي" آنذاك: "في رأيي، إذا مثل ولي العهد السعودي أمام هيئة محلفين، فإنه سيدان خلال نصف ساعة".

ورجحت تقارير صادرة عن المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) أن قتل خاشقجي جاء بأوامر من ولي العهد السعودي.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption النشطاء في الغرب يعارضون الحرب السعودية على اليمن، وجاء مقتل خاشقجي كذريعة إضافية للموقف المناهض لسياسات المملكة

وقالت صحيفة واشنطن بوست، التي كان خاشقجي يكتب فيها، إن تحقيق سي آي أيه مبنيٌّ على اتصال هاتفي أجراه خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد وسفير السعودية في واشنطن.

ورجحت الصحيفة أن خالد بن سلمان اتصل بخاشقجي، بتوصية من شقيقه ولي العهد، وطمأنه على سلامته إذا ذهب إلى القنصلية في اسطنبول.

ونفت السفارة السعودية في واشنطن أن يكون خالد بن سلمان تحدث مع خاشقجي بشأن ذهابه إلى تركيا. ونفت السعودية هذه الادعاءات، وقالت إن ولي العهد لم يكن على علم بأي شيء في هذه القضية.

لكن هذا النفي المتكرر لم يحد من تبعات القضية، فأمرت الإدارة الأمريكية بمنع نحو 20 مسؤولا سعوديا من دخول الولايات المتحدة وجمدت أرصدة 17 آخرين.

وأدرجت ألمانيا أسماء 18 مسؤولا سعوديا ضمن الممنوعين من دخول البلاد، وبالتالي بلدان الاتحاد الأوروبي ككل. وهو قرار قالت إنه أتى بالتنسيق مع المملكة المتحدة وفرنسا.

كما ألزم الكونغرس إدارة ترامب بتقديم تقرير نهائي عن مدى مسؤولية ولي العهد السعودي في القضية.

ثم في فبراير/شباط 2019، نفى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، تستر بلاده على جريمة قتل خاشقجي.

وتضع الاتهامات المتتالية ولي العهد السعودي في موقف دفاعي مستمر.

ففي مطلع هذا العام، نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن مسؤول في المخابرات الأمريكية أن محمد بن سلمان هدد بإطلاق "رصاصة" على خاشقجي إذا لم يعد إلى المملكة، أثناء مكالمة هاتفية مسجلة لدى المخابرات الأمريكية مع أحد مساعديه.

وعند سؤال وزير الخارجية السعودي عن هذه العبارة، وما إذا كان ينفي استخدام ولي العهد لها في محادثة، أجاب: "الأمر لا يتعلق بالنفي أو عدم النفي. نحن نعلم أن ولي العهد لم يأمر بذلك. ونحن نعلم أن هذه العملية نفذها مارقون".

ثم طفت الاتهامات مجددا في يونيو/حزيران الماضي، بعد تقرير أممي دعا لاستجواب محمد بن سلمان في قضية قتل خاشقجي.

وقالت أنياس كالامارد، مقررة الأمم المتحدة المعنية بالتحقيق في قضايا القتل خارج نطاق القانون، إنه ثمة دليل يمكن التعويل عليه يشير إلى أن ولي العهد السعودي ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى يتحملون مسؤولية مقتل خاشقجي بشكل فردي. وأوصت بإجراء المزيد من التحقيق من جانب جهة دولية مستقلة ومحايدة.

ومرة أخرى، خرج الجبير منددا ومشككا في صحة التقرير، فقال عبر حسابه على تويتر إن التقرير به "تناقضات واضحة وادعاءات لا أساس لها تطعن في مصداقيته". وأكد على أن القضاء السعودي هو الجهة الوحيدة التي يحق لها التحقيق في القضية.

وبخلاف المواقف الرسمية، يطارد الرفض الشعبي بن سلمان في زياراته الخارجية. ربما كان أبرزها في المظاهرات التي خرجت في تونس تنديدا بزيارته للبلاد، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وهي أول جولة خارجية بعد مقتل خاشقجي. وأنهى ولي العهد السعودي زيارته للبلاد آنذلك خلال أربع ساعات.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption قبل مقتل خاشقجي بأقل من سبعة أشهر، كان ترامب يستعرض مبيعات السلاح للمملكة أثناء زيارة بن سلمان للبيت الأبيض

قيود على السياسة الخارجية

يقول مراسل بي بي سي للشؤون الأمنية، فرانك غاردنر، إن السعودية "تواجه أكبر أزمة سياسية في البلاد منذ 11 سبتمبر/أيلول 2011".

وذكر غاردنر في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إن الضغوط الأكبر على السياسة الخارجية السعودية ستكون بشأن حرب اليمن ومبيعات الأسلحة المرتبطة بها. وهو ما تجلي في أكثر من مناسبة خلال العالم الماضي.

ودأب مجلس الشيوخ الأمريكي على إتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لتقييد حرب اليمن وحظر بيع الأسلحة للمملكة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قرارا غير ملزم بسحب جميع القوات الأمريكية المشاركة في القتال في اليمن باستثناء أولئك الذين يقاتلون المتطرفين الإسلاميين.

وكان هذا القرار بداية لسجال بين إدارة ترامب والكونغرس، إذ يعتبر ترامب أن السعودية شريكا اقتصاديا لا يمكن التخلي عنه. فقبل أقل من سبعة أشهر من مقتل خاشقجي، كان ترامب يستعرض مع بن سلمان الأسلحة التي تشتريها السعودية وأسعارها أثناء زيارة الأمير الشاب للبيت الأبيض.

ورغم تلويح ترامب باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد هذا النوع من القرارات، إلا أنها لم تكن رادعا لتواليها.

وفي 14 مارس/آذار، وافق أعضاء مجلس الشيوخ على مشروع قرار يلزم الرئيس "بسحب القوات المسلحة الأمريكية من الأعمال القتالية في جمهورية اليمن أو التي تؤثر عليها" خلال 30 يوما.

وتم التصويت بأغلبية 56 صوتا مقابل 46 صوتا، واتخذ فيه سبعة من الجمهوريين موقفا مؤيدا لمعسكر الديمقراطيين الرافض لسياسة ترامب الخارجية الداعمة للرياض.

وحاول ترامب في مايو/أيار الماضي تجاوز الكونغرس وإتمام صفقة أسلحة للسعودية، بقيمة ثمانية مليارات دولار، بحجة حمايتها من إيران.

لكن في يونيو/حزيران، جاء رد الكونغرس بالتصويت لصالح ثلاثة قرارات تمنع بيع الأسلحة أو الذخيرة للسعودية، وترفض تخطي ترامب لموافقة الكونغرس قبل إتمام صفقات الأسلحة.

وتتعلق هذه القرارات بعقود بيع أسلحة وذخيرة وصيانة طائرات للسعودية، بجانب قنابل موجهة بالغة الدقة.

وأتي قرار الكونغرس بالتزامن مع صدور حكم قضائي في بريطانيا، يلزم الحكومة بمراجعة تراخيص بيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية. وجاء الحكم بعد دعوى أقامتها حملة مناوئة لبيع الأسلحة، قالت فيها إن هناك خطرا واضحا يتمثل في احتمال استخدام الأسلحة في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الأمير محمد بن سلمان يعد الحاكم الفعلي للسعودية

مستقبل ولي العهد

دأبت السلطات السعودية على إنكار مسؤولية بن سلمان عن مقتل خاشقجي، واتخاذ كل الخطوات الإعلامية التي تنفي صلته بالواقعة.

وكانت أولى هذه الخطوات هي حضور نجل وشقيق خاشقجي إلى القصر الملكي السعودي لتلقي العزاء من الملك وولي العهد، ونشر الصور لدى وسائل الإعلام.

وتبين لاحقا أن ابن خاشقجي كانا يخصع لمنع من السفر من البلاد. ولم ينكشف هذا الحظر حتى وصول صلاح، الابن الأكبر لخاشقجي، إلى الولايات المتحدة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بناء على طلب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.

وذكرت صحيفة واشنطن بوست، نقلا عن مصادر مقربة من أسرة خاشقجي، في أبريل/نيسان الماضي أن الملك سلمان اعتمد تسليم منازل بملايين الدولارات، ورواتب شهرية تبلغ قيمتها 10 آلاف دولار أو تزيد، لكل فرد من أبناء خاشقجي.

كما يُتوقع أن يحصل الأبناء على ملايين إضافية، في مفاوضات على "دية" يُعتقد أن تعقب نهاية المحاكمات التي تدور حول القضية.

وتكهن محللون أن يؤدي مقتل خاشقجي إلى تحجيم سلطات محمد بن سلمان ولو لفترة، وعودة بعض وجوه الحكم القديمة للتدخل والمشاركة في اتخاذ القرارات.

واعتمدوا في ذلك على تصدر الملك سلمان نفسه للمشهد في أعقاب الواقعة، إذ اتصل بنجل خاشقجي لتقديم التعازي، واستقبله في القصر الملكي، وتعهده أمام مجلس الشورى في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بملاحقة ومعاقبة "المسؤولين عن أي جريمة".

لكن يبدو أن هذه التحليلات لم تكن صحيحة تماما، إذ استمر بن سلمان في اتخاذ إجراءات تمس إعادة هيكلة المناصب العليا في المملكة.

ومن أبرز هذه التحركات، في فبراير/شباط الماضي، نقل الأمير خالد بن سلمان، الشقيق الأصغر لولي العهد، من منصب سفير المملكة في واشنطن إلى منصب نائب وزير الدفاع. وكذلك تعيين الأميرة ريما بنت بندر سفيرة في واشنطن، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في البلاد.

كما اتخذ بن سلمان العديد من الإجراءات خلال الشهرين الماضيين، من بينها تغيير رئيس الديوان الملكي ونائبه، واستحداث وزارة للصناعة والمناجم يرأسها بندر الخريف. واعتُبرت الوزارة الجديدة تقليصا لسلطات وزير الطاقة السابق، خالد الفالح، الذي حمّله بن سلمان مسؤولية عدم إحراز تقدم كبير في قطاع الطاقة في المملكة.

وزاد هذا التقليص بإعفاء الفالح من رئاسة شركة أرامكو، في الثاني من سبتمبر/أيلول، بغية فصل الشركة عن الحكومة لتجنب تضارب المصالح، والاستعداد لطرحها للاكتتاب. وعُين في رئاستها ياسر بن عثمان الرميَّان، الأمين العام لمجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة الحكومي.

لكن سرعان ما أُعفي الفالح من منصبه كوزير للطاقة، في السابع من سبتمبر/أيلول، وعُيّن بدلا منه الأمير عبدالعزيز بن سلمان، شقيق ولي العهد السعودي.

وكذلك أُعفي نائب وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية لشؤون الصناعة، وعُيّن أسامة بن عبدالعزيز الزامل نائباً لوزير الصناعة والثروة المعدنية.

واعتُبرت كل هذه التحركات في قيادات المملكة ضمن خطوات بن سلمان لتوطيد حكمه وجلب المقربين منه في المراكز الهامة في البلاد.

المزيد حول هذه القصة