مظاهرات لبنان تعيد الحياة للـ "التياترو الكبير" الذي غنت أم كلثوم على خشبته

المسرح الكبير في وسط بيروت مصدر الصورة Mark Karam

مع تركز الاحتجاجات الشعبية في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، أعاد المحتجون الحياة للـ "المسرح الكبير" (غراند تياترو)، وتمكنوا من الدخول إليه. بعد أن أحرقوا السياج الذي يسور مبناه.

ملأ المحتجون البناء القديم الذي يعود تاريخ تشييده إلى أواخر عشرينيات القرن الماضي لكنه أقفل خلال السنوات الماضية ولا يسمح بالدخول الناس إليه، والتقطوا صوراً لجدرانه التي كتبوا على احدها "هون كان في مسرح".

يقع المسرح في وسط بيروت الذي تملك معظم عقاراته شركة "سوليدير"، عند تقاطع طرق بين بناء العازارية والشارع المؤدي إلى ساحة رياض الصلح حيث تتركّز التظاهرات قبالة السراي الحكومي،

مصدر الصورة Mark Karam

منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1999)، بقيت إعادة إعمار الوسط التجاري محط سجال، بين مؤيدين لخطة رئيس الحكومة رفيق الحريري آنذاك، ومعارضين لها من مثقفين ومعماريين وهيئات مدنية. بالنسبة لهؤلاء، كانت الحجّة الرئيسية ضدّ "سوليدير" أنّها حولت منطقة الأسواق والبلد من فضاء شعبي عام يحتضن جميع الشرائح الاجتماعية، إلى منطقة طاردة للفقراء والطبقة الوسطى.

انقلب الأمر مع الاحتجاجات الأخيرة، إذ اجتاح المتظاهرون الوسط، وملأوا الساحات، وبات بالإمكان أن نرى بائعي الذرة، والعصير، والقهوة، والكعك، في شوارع "سوليدير"، ناهيك عن الشباب راكبي الدراجات النارية القادمين من الضواحي الفقيرة.

مظاهرات لبنان: القشة الاقتصادية التي أججت الاحتجاجات

إضراب عام ومطالبات بإسقاط الحكومة احتجاجا على زيادة الضرائب

مصدر الصورة Mark Karam

فرحة لم تتمّ

خلال الأيام الماضية، توافد المتظاهرون بالعشرات إلى داخل "التياترو الكبير": الأجيال الأكبر سنًا دخلته بدافع الحنين، والشباب دخلوه مكتشفين للمرّة الأولى.

صحيح أنّ البناء ضخم ويقع على زاوية رئيسية في العاصمة، إلا أنّه يختفي خلف ألواح خشبية سوداء. في الليلة الثانية للتظاهرات، أحرق المحتجون تلك الألواح، وانكشف المكان أمامهم، وانتشرت صور المسرح وعمارته الداخلية على مواقع التواصل، كأحد انتصارات الحراك الشعبي الصغيرة. على امتداد الأيام المتلاحقة، احتلّ المحتجون سقف المكان، فكان الزاوية المناسبة لمن يريدون الاشراف على بيروت من الأعلى، ومتابعة المظاهرات من فوق، أو الانزواء بحثًا عن بعض السكون. وكدليل على رمزية "اقتحام" المكان، رفع بعض المتظاهرين العلم اللبناني على قبّته.

مصدر الصورة Mark Karam

لكن "سوليدير" أعادت تسوير المسرح، ولكن بالألواح الحديدية هذه المرة. سألنا عن السبب، فكانت الإجابة وقوع جرحى في الداخل، بسبب حالة البناء السيئة، بحسب المشرف على أعمال إعادة تلحيم السور. قالوا لنا: "تريدون الدخول المدخل الخلفي مفتوح، ولكن على مسؤوليتكم". وقد أعطى إقفال المسرح للمتظاهرين مساحات إضافية لكتابة الغرافيتي، فعلى الحواجز الجديدة التي نصبت بالأمس، كتبوا المزيد من الشتائم للسلطة وللسياسيين.

تقول أستاذة التخطيط المدني في الجامعة الأميركية منى فواز، إنها غير قادرة على تحديد سبب إعادة الإقفال بدقّة، إذ يحتاج التأكّد من حالة البناء إلى رأي مهندسين مختصين يتفقدونه من الداخل، ويقيّمون الوضع. "نعرف أنّ البناء كان مسرحا، ما يعني أنّه مجهّز ليحمل أعدادا غفيرة من الناس، والأبنية العائدة لتلك الفترة التاريخية (نهاية العشرينيات) متينة، كما نعرف أنّ يوسف أفتيموس، أشهر معماريي تلك الحقبة، هو من صمّم مبنى التياترو، وكذلك مبنى بلدية بيروت، ومبنى بركات (بات الآن متحفًا لذاكرة بيروت)".

مصدر الصورة Mark Karam

قطعة من تاريخ بيروت

كان المهندس الشهير يوسف أفتيموس وزير الأشغال في عهد الانتداب الفرنسي في لبنان، وشيّد التياترو الكبير بين عامي 1927 و1929 (تتضارب المصادر حول تاريخ الانشاء الدقيق)، ما يعني أن عمر البناء يزيد عن تسعين عامًا. تملّك جورج تابت البناء في تلك الفترة وطلب من أفتيموس تحويله من مستودع للزوارق إلى مسرح.

يشبه "التياترو الكبير" بتصميمه الداخلي المسارح اللندنية القديمة: جدران وأعمدة ملونة، ومقصورات فسيحة، ونقوش، وزخارف على الزجاج الخارجي، إلى جانب أكثر من 700 كرسي أحمر. وفي الخارج، يتميّز مدخل بقنطرة كبيرة وأربع قناطر صغيرة، ويجمع بين ملامح العمارة الإسلامية والغربية، إلى جانب بصمة أفتيموس اللبنانية.

مصدر الصورة Mark Karam

خلال الثلاثينيات كان المسرح قبلة لمحطّات فنيّة مهمّة، إذ غنّت على خشبته أم كلثوم عام 1931، واحتضن مسرحيات يوسف وهبي ونجيب الريحاني. كما شهد المسرح العرض أول فيلم من تمثيل عبد الوهاب "الوردة البيضاء" عام 1933.

عاش البناء حيوات عدّة، ففي نهاية الأربعينيات، توقف العمل فيه كمسرح لافتقاره إلى التجهيزات المطلوبة، وتحوّل إلى سينما بقيت عرض الأفلام حتى عام 1975. وخلال سنوات الحرب، تحوّل إلى سينما تعرض أفلامًا إباحيّة تلبية لرغبات المقاتلين الذين احتلوه.

بعد الحرب، اقتصر ترميم "التياترو الكبير" على هيكله الخارجي، وبقي ما في داخله خرابًا، شاهدًا على مرور مسلّحي الميليشيات المتصارعة. وعلى امتداد العقدين الماضيين، خاض الفنانون والمثقفون معارك عدّة لمنع تحويل البناء إلى فندق أو مطعم، ولم تجرؤ "سوليدير" على المضي قدمًا في مشاريع عدّة لتحوير الغرض من البناء، نظرًا لأهميته الكبرى في ذاكرة المدينة.

مصدر الصورة Mark Karam

في عام 1983، صورت المخرجة الراحلة جوسلين صعب مشاهد من فيلمها "حياة معلّقة" داخله. وفي 1992 أعدت المسرحية اللبنانية نضال أشقر والمعماري العراقي معاذ الألوسي دراسة لترميم "التياترو الكبير"، لكنها لم تنفّذ. وفي عام 1993، أعلن وزير الثقافة ميشال إدة، عن نية تحويل البناء إلى مسرح وطني، وبقي ذلك حبرًا على ورق.

خلال التسعينيات، عاد المكان مسرحًا، إذ عرضت على خشبته مسرحية "تحية إلى التياترو الكبير" (1997) للمخرج الفرنسي جيل زافيل، ومسرحية "لوعة حب" (1999) لنبيل الأظن عن نصّ لجورج شحادة. وعام 2001، طالب وزير الثقافة غسان سلامة "سوليدير" بإعادة النظر في تأهيل البناء، وبقي ذلك أيضًا على الرفّ. قبل عشر سنوات، عاد الحديث عن تحويل "التياترو الكبير" إلى فندق فخم، مع الإبقاء على طابعه العمراني، ما قوبل أيضًا بموجة اعتراضات، وبقي مصير الخطّة مجهولًا.

مصدر الصورة Mark Karam

الفسحات العامة حاجة

تقول منى فواز إنّ "سوليدير شركة عقارية تبغى الربح، وليست مسؤولة عن الفسحات العامة، وبالتالي لم يكن لديها أي دافع لتعيد ترميم "التياترو الكبير" وافتتاحه كمسرح". وتذكّر أستاذة التخطيط المدني أنّ مساحات كثيرة أخرى في وسط بيروت بقيت من دون ترميم، منها الحديقة جانب مجمّع البيال (الواجهة البحرية لبيروت)، ومنها أيضًا مبنى سينما الـ"دوم" وهو مبنى بيضاوي ضخم قريب من ساحة رياض الصلح، وأشيع قبل سنوات عن نيّة لتحويله إلى مجمع تجاري.

برأي منى فواز فإنّ إعادة إقفال المسرح بعد أيام من فتح المحتجين له، هو استكمال لطريقة التعاطي المعتادة مع الفسحات العامة منذ نهاية الحرب. وتقول: "يراد لتلك الفضاءات أن تبقى مغلقة بوجه الناس، لأنّها ترتبط بشكل عميق بالحريات، وبقدرة المجتمع على تكوين هويّة مشتركة".

وتضيف: "لطالما تحدثنا عن غياب الفسحات العامة في بيروت، والاعتصامات الأخيرة دليل على ذلك، واندفاع الناس إلى الساحات وإلى مبنى المسرح، دليل على الحاجة إلى فضاءات تجمع الناس. فإلى جانب المطالب الاجتماعية المحقة، نرى تمظهرًا لأهمية تلك الفسحات، وحجم الكبت الذي يعتري الناس في غيباها".

المزيد حول هذه القصة