المحكمة الإدارية في مصر ترسي مبدأ فصل الموظف متعاطي الترامادول وسط مخاوف بشأن حقوق الموظفين

مجلس الدولة

أرست المحكمة الإدارية العليا في مصر مبدأ قانونيا جديدا يقضي بفصل الموظف العام الذي يثبت تعاطيه الترامادول، وطالبت المحكمة مجلس النواب بإصدار قانون يلزم الجهاز الإدارى للدولة بإجراء تحاليل دورية للكشف عن متعاطي المواد المخدرة من موظفي الدولة.

واستقبلت الأوساط المعنية حكم المحكمة الإدارية بحذر وترقب، وقال بعض المراقبين إن هذا الحكم قد يتخذ ذريعة للتوسع في فصل الموظفين العموميين بغرض تقليص الجهاز الإداري للدولة وتخفيف الأعباء عن الحكومة، بينما يقول آخرون إن هذا الحكم أرسى مبدأً اجتماعيا مهما بأنه لا مكان للمتكاسلين أو الواهمين في دولة تحاول إعادة بناء مؤسساتها، بحسب أصحاب هذا الرأي.

وقضى حكم المحكمة الإدارية بفصل موظف بإحدى الإدارات التعليمية بمحافظة الجيزة بعد ثبوت تعاطيه عقار "الترامادول" المخدر، رغم تقديمه شهادة من إحدى المستشفيات الحكومية بخلو دمائه من المخدرات، وتشككت المحكمة في تلك الشهادة وقالت إنها ربما تكون مزورة.

واستندت المحكمة في قرارها على الفحص المفاجيء الذي خضع له هذا الموظف ضمن حملة قامت بها وزارة الصحة المصرية على موظفي القطاع الحكومي والقطاع العام وشملت أكثر من 29 ألف موظف بناء على توجيهات رئاسية صدرت عقب كارثة اصطدام جرار قطار بمحطة مصر الرئيسية للقطارات في قلب القاهرة.

وكانت التحقيقات قد أثبتت أن السائق المتسبب في هذا الحادث كان متعاطيا للمخدرات وقت وقوع الحادث.

"داء قديم أصاب المجتمع "

ووفقا لحيثيات الحكم الصادر عن المحكمة فإن "المخدرات داء قديم أصاب المجتمعات الإنسانية ولايزال".

وأضاف الحكم: "وعلى الجهاز الإدارى للدولة أن يتخذ من الإجراءات ما يطهر به نفسه من هذا الداء بأن يقصي من وحداته ليس كل من وقع في هذا الشرك فحسب، بل أيضاً كل من يساعده على الوقوع فيه أو يسهل له ذلك، ولا يأخذه في ذلك شفقة أو رحمة".

وفي حديث لبي بي سي، قال الدكتور فؤاد عبد النبي، أستاذ القانون الدستوري، تعليقا على حكم محكمة القضاء الإداري: "إن رقابة المشروعية لمحكمة القضاء الإداري والمحكمة الدستورية تفوق الرقابة التشريعية لمجلس النواب".

وبهذا فإن من حق المحكمة الإدارية استعجال التشريع لسد ثغرة قانونية قائمة حاليا تحدث من خلالها بعض الجرائم، لكنه استدرك قائلا إن "قانون العقوبات المصري الموجود حاليا به ردع كاف" لمن يرتكب جريمة تعاطي المخدرات أثناء وجوده في الدوام على رأس عمله.

وقال الفقيه الدستوري إن إصدار قانون يقضي بفصل أي موظف يثبت تعاطيه المخدرات قد "يصطدم بكثير من النصوص الدستورية فيما يتعلق بحقوق المواطن" مشيرا إلى أن المجتمع المصري يقف حاليا أمام ما وصفه بالمعضلة حيث لابد أن يتلاءم أي تشريع جديد مع التشريعات السابقة "وأنه قد يؤثر على الحقوق الاجتماعية أو الاقتصادية للموظفين وذويهم".

وطالب الدكتور فؤاد عبد النبي بالتحقق من مدى كيدية الاتهام أو الإفراط في العقوبة أو استخدام مثل هذه الأحكام لفصل الموظفين دون أن تسلك جهة الإدارة المسلك الصحيح لهذا الأمر.

التدرج في العقوبة

وينص الدستور المصري في إحدى مواده على أن "العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة للمواطن" كما تنص مادة أخرى على حظر فصل الموظف العمومي تعسفيا فضلا عن أن تولي الوظيفة العامة هو حق لجميع المواطنين طبقا للشروط التي تقتضيها كل وظيفة.

ويقول محمود فؤاد المدير التنفيذي لجمعية "الحق في الدواء" إن الجمعية رصدت نحو 30 قضية مشابهة لموظفين صدر قرار بفصلهم بعد ثبوت تعاطيهم للمخدرات.

لكن فؤاد ينبه إلى أنه يجب التفريق بين من يتعاطى هذه المخدرات بغرض العلاج أو تسكين الآلام، ومن يتعاطاها بغرض الإدمان والتأثير على حالته العقلية والنفسية.

وقال لبي بي سي إن فصل الموظف يجب أن يكون الإجراء الأخير في حالة ثبوت التعاطي، مطالبا بالتدرج في العقوبة ما بين الإنذار والوقف عن العمل لفترة مع التحويل إلى إحدى المستشفيات للعلاج والتقويم وصولا إلى الفصل النهائي عن العمل في حالة استحالة العلاج وتكرار التعاطي.

ويشير محمود فؤاد إلى إن فصل الموظف عن العمل بسبب تعاطيه المخدرات هو عقوبة تنسحب أيضا على أسرة المتعاطي وهم ليس لهم ذنب أو جريرة بسبب سلوك المتعاطي.

وتشير بعض التقارير الحقوقية إلى لجوء مرضى الأورام وسيولة الدم والكسور المضاعفة للعظام إلى الأدوية المخدرة لتسكين الآلام حتى من دون وصفات طبية وبعضهم يلجأ إلى شراء تلك الأدوية من السوق السوداء خارج نظام صرف الدواء الرسمي داخل الصيدليات أو المستشفيات بموجب وصفات طبية معتمدة.

كما رصدت بعض الجمعيات الحقوقية ومنها الحق في الدواء لجوء بعض أرباب المهن الشاقة والسائقين أو الذين يعملون لساعات طويلة إلى تعاطي المخدرات لمساعدتهم على العمل لفترات طويلة بحثا عن المال أو تجنبا للإرهاق والنوم.

الحل في تقنين التداول

وتعمل وزارة الصحة المصرية على تنظيم تداول العقاقير المخدرة من خلال جداول يتم تحديثها بصورة دورية تتضمن عقاقير شديدة الخطورة وأخرى متوسطة وثالثة ضعيفة التأثير.

وتتدرج الوزارة في وسائل تداول تلك العقاقير بموجب وصفات طبية معتمدة وفقا لكل حالة، كما يتدرج المشرع المصري في تجريم تعاطي كل نوع من هذه العقاقير وفقا لمدى خطورته وتأثيره على الحالة النفسية والذهنية للمتعاطي ومدى خطورته على المجتمع.

وفي هذا الإطار يقول أسامة رستم عضو غرفة صناعة الدواء إن هناك شبه اتفاق بين الصيادلة على عدم تخزين الأدوية المخدرة داخل الصيدليات خوفا من لجوء بعض المتعاطين أو المدمنين إلى القوة للحصول على هذا المخدر، مشيرا إلى ضرورة أن تبادر الأجهزة الأمنية إلى ضبط المخالفين لمنظومة تداول الأدوية المخدرة دون وصفات طبية معتمدة صادرة من الأطباء المتخصصين في هذا الأمر.

ويقول رستم إن عشوائية تداول الأدوية والعقاقير المخدرة تسببت في ارتفاع أسعار هذه الأدوية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة مشيرًا في هذا الصدد إلى وصول سعر شريط "الترمادول" إلى نحو 800 جنيه (50 دولار أمريكي) رغم أن سعره الرسمي لا يتخطى بضعة جنيهات قليلة.

واقترح عضو غرفة صناعة الأدوية على السلطات المصرية أن تقنن مسألة تداول هذه العقاقير للأشخاص المدمنين، شريطة خضوع الشخص المتعاطي لبرنامج علاج يستمر لعدة شهور حتى يتخلص الشخص المتعاطي -والذي ينظر إليه بوصفه مريضا- من أثر المخدرات في دمائه.

المزيد حول هذه القصة