مقتل قاسم سليماني: جدل بين الإيرانيين بشأن "متلازمة ستوكهولم" و"البلاد الموحدة"

آلاف المشيعين في كرمان، مسقط رأي سليماني، أثناء جنازته في السابع من يناير/كانون الثاني 2020 مصدر الصورة Getty Images
Image caption آلاف المشيعين في كرمان، مسقط رأي سليماني، أثناء جنازته في السابع من يناير/كانون الثاني 2020

منذ شهرين فقط، كان منالصعب جدا فهم ما يجري في إيران. ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، خرج الآلاف إلى الشوارع في احتجاجات ضد الحكومة. واليوم يخرج الآلاف كذلك، وإن كان لغرض مختلف.

فما الذي اختلف من نوفمبر/تشرين الثاني حتى الآن؟

على عكس اليوم، لم يكن الإيرانيون ينعون أحد أهم قادتهم العسكريين، بل كانوا يحتجون ضد النظام.

فالزيادة الهائلة في أسعار الوقود، بنسبة مئتين في المئة، بالتزامن مع حلول الشتاء أججت الاحتجاجات.

كما أن العجز في إمدادات الطعام والأدوية أثر على الكثير من الإيرانيين، الذين أصبحوا يجاهدون للتغلب على القيود المالية الناتجة عن العقوبات الأمريكية.

وقطعت الحكومة الإنترنت عن البلاد لمدة أسبوع، في محاولة لمنع انتقال أخبار الاحتجاجات التي انتشرت في أكثر من مئة مدينة وبلدة في أنحاء البلاد.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الاحتجاجات خرجت في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود

وواجهت الحكومة الاحتجاجات بالقمع الشديد، فاستخدمت الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، وقتل حوالي 1500 شخص بحسب وكالة رويترز، واعتُقل المئات.

لكن اليوم، يختلف المناخ العام والصورة التي تبرز من إيران.

فلا يوجد أي أثر للاحتجاجات في الشوارع، وتتوفر خدمات الإنترنت بشكل كبير، إذ يستخدمها الإيرانيون بكثافة لمشاركة الآراء والتحدث إلى العالم.

وتنتشر تغطية lوسعة للأمة التي توحدت لتنعى أحد أبرز قادتها، في حين تخفت أي أصوات معارضة للحكومة.

ويقول الدكتور سيد ماراندي، أستاذ اللغة الانجليزية في جامعة طهران إنه "وحدت الولايات المتحدة الإيرانيين بقتله (سليماني). خرج الملايين إلى شوارع طهران، وهو أمر غير معتاد".

فهل وحد مقتل سليماني الإيرانيين حقا؟

يتبادل الإيرانيون الاتهامات عبر تويتر عن الإصابة بـ "متلازمة ستوكهولم"، وهي حالة نفسية يتعاطف فيها الرهائن مع محتجزيهم.

الجدل يشتد على تويتر وانستغرام

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الحشود تجمعت في طهران يوم الاثنين الماضي حول المركبة التي تحمل نعوش قاسم سليماني وآخرين قُتلوا معه

سليماني لم يكن مجرد قائد لفيلق القدس، بل كان رمزا مؤثرا في العالم العربي بعد ضلوعه في الكثير من الصراعات في سوريا، واليمن، والعراق، ودحر تنظيم الدولة الإسلامية.

وجاء موته كضربة كبيرة للنظام الإيراني، لكنه في الوقت نفسه كان فرصة للحكومة لترسم صورة من الوحدة والدعم الشعبي.

لكن على مواقع التواصل الاجتماعي، ينتشر الغضب أكثر من وجوده على الواقع، إذ يتبادل الإيرانيون الاتهامات بالإصابة بـ "ملازمة ستوكهولم" لأنهم "يصنعون بطلا من رجل اعتاد انتزاع الاعترافات".

ويقول سوروش باكزاد، من بي بي سي الفارسية، إن الكثير من الإيرانيين ينعون سليماني بنشر صوره عبر انستغرام أو تويتر.

لكن الثناء على سليماني ووصفه بالبطل (حتى على ألسنة معارضي النظام) فجر عاصفة من الجدل عبر تويتر، إذ يعترض البعض ويتوقفون عن متابعة الآخرين.

وقالت امرأة تُدعى بانيز في تغريدة: "أعتقد أن سليماني لا يستحق هذا المصير. لقد فعل الكثير لإيران، ليحمي البلاد. وقاتل ضد (تنظيم الدولة الإسلامية) وطالبان وغيرهم".

وأضافت "أعداؤنا يهاجمون بلادنا منذ أربعة عقود، بينما هو حاول أن ينقد البلاد".

متلازمة ستوكهولم: عندما يصبح السجان بطلا

وشارك مستخدم تويتر باسم سيبيدار صفحة ويكيبيديا الخاصة بمتلازمة ستوكهولم، وقال: "عندما تصنع بطلا من الضابط الذي اعتاد استجوابك لأنك تشعر أن سجنك وتعذيبه لك يشعرانك بالأمان".

لكن آخرين، مثل شايان ثابت، يختلفون مع هذا الرأي "قاسم سليماني كان يحمي حدود الوطن كشخص وطني بحق. نحن نتحدث عن أرضنا. وعن حياة الإيرانيين في هذه المنطقة الخطرة من العالم. كن وطنيا وافتح عينيك".

وأصبح سليماني رمزا مسببا للانقسامات داخل إيران لدعمه قمع حركة المعارضة الداخلية، والزج بالبلاد واقتصادها في الصراعات الخارجية، التي كانت تعاني بالفعل من ضغط العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

ويقول باركزاد إن بعض الإيرانيين رفضوا توجه سليماني الداعم "لإنفاق أموال الإيرانيين في بلاد أخرى، ما أدى إلى زيادة العقوبات ومن ثم المعاناة في البلاد".

وكتب حامد رضا في تغريدة: "لا أصدق ما يُقال عن أن دور قاسم سليماني اقتصر على الشؤون والسياسات الخارجية، وإنه لم تكن له أي صلة بالقمع الذي وقع على المواطنين الإيرانيين. سليماني كان واحدا منهم، وإذا كنا نعارض قمع النظام، فيجب أن تعارض كل فرد فيه".

"المفارقة الإيرانية"

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مشيعو سليماني يحرقون أعلام الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل

ويتفق مسعود مع أن الكثير من الإيرانيين يقعون تحت تأثير مشاعر متناقضة.

ويقول عبر تويتر: "للأسف، أري الكثيرين في إيران يعانون من تناقضات. يلومون النظام والمرشد الأعلى على ما يحدث داخل البلاد، ويقولون إن القائد مستبد، لكنهم اليوم ينعون قاسم سليماني الذي كان اليد اليمنى لهذا القائد. كيف يقولون عنه بطلا؟ الشريك واليد اليمنى لا يمكن أن يكون بطلا".

ويصل الأمر بمستخدمين آخرين، مثل حشمت علوي، إلى الثناء على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف قاسمي.

"لم أشعر بهذه السعادة منذ فترة طويلة. كإيراني، أشكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكل من شارك في قتل هذا الإرهابي المجرم".

ويختلف آخرون، مثل سارة، مع هذا الرأي تماما: "ولا أفهم من يشكرون الرئيس الأمريكي على هذا الهجوم ويتساءلون عن دور سليماني في العراق وسوريا. وإذا كان لا يُسمح لإيران بالتدخل في دور الجوار، لِم يُسمح للأمريكيين بالقدوم إلى منطقتنا من الجانب الآخر من الكرة الأرضية؟".

المزيد حول هذه القصة