السفارة الأمريكية بالقاهرة تمول مشروعا للحفاظ على تراث مقابر اليهود في مصر

مقابر اليهود في البساتين مصدر الصورة Drop of Milk Foundation
Image caption مقابر اليهود في البساتين أنشأها السلطان أحمد بن طولون على أرض تسمى "بساتين السلطان"

أطلقت السفارة الأمريكية بالقاهرة مشروعا للحفاظ على تراث مقابر اليهود بمنطقة البساتين، جنوبي القاهرة، التي تضم عددا من أقدم مقابر اليهود في العالم، وذلك بتمويل من صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ علي التراث الثقافي.

وذكرت السفارة في بيان لها يوم الخميس، أن الحفاظ على هذا الموقع التراثي المهم "يسهم في إلقاء الضوء على التنوع التاريخي والتعددية الثقافية في مصر".

وقال السفير الأمريكي لدى مصر جوناثان كوهين، إن هذا المشروع في مقابر البساتين يعد "استثمارا في تاريخ مصر الثقافي المتنوع، وفرصة لزيادة الوعي بالتعددية في مصر".

وأضاف: "نحن فخورون بالشراكة في الحفاظ على المواقع التراثية وحمايتها في مصر".

وأنشئت مقابر اليهود منذ القرن التاسع الميلادي، على مساحة تبلغ 120 فدانا، وخصصت لدفن موتى اليهود من طائفتي القرائيين والربانيين.

ومن المتوقع أن يستمر مشروع الترميم لمدة عام، بهدف الحفاظ علي القيمة الحضارية والتاريخية لمقابر اليهود فى القاهرة، ويتولى المركز الأمريكي للبحوث بالتعاون مع "جمعية قطرة اللبن" تنفيذ المشروع للحفاظ على المقابر وطرازها المعماري وضمان استدامة الموقع، بتمويل أمريكي.

مصدر الصورة Drop of Milk Foundation
Image caption السفارة الأمريكية أعلنت رغبتها في الحفاظ على الطراز المعماري للمقابر وإظهار تنوع مصر

وتعد مقابر البساتين ثاني أقدم مقبرة يهودية في العالم، بعد مقبرة "جبل الزيتون" في القدس، وتعرضت لإهمال كبير عبر العقود الأخيرة، وطالبت الطائفة اليهودية بترميمها، وتحويلها لأثر أكثر من مرة.

وفي تصريح لبي بي سي قالت لويز بارتيني، مديرة المركز الأمريكي للبحوث بالقاهرة والمشرفة على المشروع، "إن تمويل المشروع ليس ضخما، وهو بغرض توثيق مقابر اليهود بالبساتين، ووضع خطة لإدارتها وتجديد بعضها، وأبرز المقابر هناك مقبرة حاييم كابوس، أحد أشهر الحاخامات المصريين في القرن السابع عشر وله معبد باسمه في حارة اليهود، بوسط القاهرة".

وأضافت بارتيني أن المشروع من الممكن أن يتمدد حسب التمويل وحسب الخطط التي سيتم وضعها للمكان في المرحلة الأولي من المشروع.

وخصص السلطان أحمد بن طولون موقع إقامة هذه المقابر قبل أحد عشر قرنا، في منطقة بها أراض زراعية ممتدة، كانت تسمى آنذاك "بساتين السلطان".

توقيت الإعلان

وتعتبر مقابر اليهود فى حي البساتين فى القاهرة هي ثاني أقدم مقبرة لليهود في العالم، حسب بارتيني، وتضم في ثراها رفات اليهود المصريين الذين كانوا يعيشون في مصر، وهاجر أغلب اليهود إلى اسرائيل في خمسينات القرن الماضي.

ويأتي الإعلان عن هذا المشروع الجديد بعد أقل من شهر على ترميم وإعادة افتتاح المعبد اليهودي بمدينة الإسكندرية، شمالي البلاد، بعد إغلاقه لعدة سنوات.

وتحملت الحكومة المصرية مؤخرا تكلفة ترميم ذلك المعبد، والتي بلغت 70 مليون جنيه (نحو أربعة ملايين دولار)، بعد أن رفضت تلقي أي تبرعات من الجاليات اليهودية في العالم لهذا الغرض.

مصدر الصورة Drop of Milk Foundation
Image caption الحكومة المصرية بصدد تسجيل مقابر اليهود بالبساتين كأثر تاريخي

وأثار إعلان الحكومة عزمها ترميم الآثار اليهودية ردود فعل متباينة ما بين من يعتبر هذه الآثار جزءا من التراث الإنساني والحضاري للمصريين، ومن يعبترها إهدارا للمال العام على مبان وأماكن قد لا يرتادها كثيرون لقلة عدد اليهود في مصر وقلة عدد المواقع الأثرية اليهودية مقارنة بما تمتلكة البلاد من آثار ضخمة.

وعن توقيت إعلان السفارة الأمريكية عن مشروع الترميم والحفاظ التراثي على مقابر البساتين، أوضحت بارتيني أن "الوقت مناسب" لتزامنه مع دعم واضح من الحكومة المصرية والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، "الذي يريد أن تظهر بلاده بالغنى الحضاري والتنوع الثقافي"، بحسب بارتيني.

وأضافت مديرة المركز الأمريكي للبحوث، أن صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ على التراث مول العديد من مشروعات ترميم المواقع التراثية الثقافية المصرية والحفاظ عليها في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر منذ عام 2001.

وفي مطلع مارس/آذار الماضي، زار حاخامان يهوديان المقابر اليهودية بالقاهرة، خلال أعمال تنظيف لتلك المقابر.

وجاء ذلك في أعقاب نشر صفحة "إسرائيل بالعربية"، وهي صفحة رسمية لوزارة الخارجية الإسرائيلية، مقطع فيديو يوضح إزالة أطنان من القمامة من محيط تلك المقابر بعد سنوات من الإهمال.

ويرى البعض أن ذلك المشروع يأتي في ظل تقارب بين مصر وإسرائيل، بينما يرى آخرون أن الأمر لا يتعلق إلا بالحفاظ على تراث حضاري مصري.

ويؤكد محمد عبد اللطيف، أستاذ الآثار بجامعة المنصورة ومساعد وزير الآثار السابق، لبي بي سي، أنه ليس هناك أي "حساسية" في ترميم أثر مصري، قبل أن يكون يهوديا.

وقال عبد اللطيف إن هناك 13 أثرا يهوديا مسجلا لدى هيئة الآثار المصرية.

وأضاف عبد اللطيف أن هذه المقبرة تضم رفات عدد من اليهود ومنهم "يعقوب بن كلس"، أشهر الوزراء اليهود للخليفة "المعز لدين الله الفاطمي"، وتولى الخراج والضرائب في مصر، واعتبرها البعض علامة علي التسامح الديني آنذلك.

ويضيف عبد اللطيف أن من أشهر مدافن العائلات اليهودية في مقابر البساتين "حوش قطاوي باشا"، وبغض النظر عن قيمته الفنية، فهو مرتبط بشخص مصري "له دور في تاريخ هذا البلد، وهو محل اهتمام بلا شك".

وساهمت عائلة قطاوي في بناء معبد اليهود في شارع عادلي وسط القاهرة حسب بعض المصادر، كما عارض يوسف أصلان قطاوي، حينما كان رئيسا للطائفة اليهودية في مصر، مشروع الهجرة إلي إسرائيل، ودعا لاندماج اليهود في المجتمع المصري.

وأوضح عبد اللطيف أن الحكومة المصرية بصدد تسجيل مقابر اليهود بالبساتين كأثر تاريخي بعد اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال ذلك.

يذكر أن الحكومة المصرية بدأت في إعادة تأهيل المنطقة في إطار مشروع إحياء المناطق الأثرية بالقاهرة لاجتذاب السياحة.

المزيد حول هذه القصة