حماية التراث اليهودي في مصر .. فصل جديد من العلاقات أم استعادة للتاريخ؟

أليكس وجاك مارس
Image caption أليكس وجاك يعودان للمرة الأولى لمصر لزيارة منزل جدهما و معبد " إلياهو هانبي "

قد يبدو الحديث عن العلاقة بين اليهود ومصر مثيرا للكثير من التوجس التاريخي عند البعض، فبحسب الروايات التوراتية والقرآنية فإن خروج اليهود من مصر كان حدثا مليئا بالصراعات والمواجهات.

إلا أن مصر تشهد الآن ما قد يبدو في أعين البعض تغييرا في طبيعة العلاقة بين اليهود ومصر التي عاش فيها عشرات الآلاف منهم في النصف الأول من القرن العشرين قبل أن تتدخل السياسة والحروب فتضطر حياتهم من بعدها.

هذا التغيير دفع بأعداد من اليهود المصريين الذين رحلوا قبل نحو 70 عاما وأسرهم إلى العودة -ولو على الأقل لزيارة- الوطن الأم.

ومن بين هؤلاء، أحفاد ليهود مصريين يزورون مصر للمرة الأولى.

فالأخوان الأستراليان أليكس وجاك مارس قصدا مصر للمرة الأولى مطلع هذا العام لزيارة منزل جدهما اليهودي المصري نسيم مارس الذي تركت عائلته البلاد ورحلت بعد اشتعال الصراع العربي - الإسرائيلي عام 1948 ولم يعد أحد من عائلته أبدا منذ ذلك الوقت.

ويقول الأخوان مارس إنهما طالما سمعا عن مصر و عن الإسكندرية التى أسس فيها جدهما بيتا مازال اسمه محفورا عليه حتى الآن، وتمنيا يوما أن يريا الشارع والجيران حيث تربى والداهما، ويصليا حيث صلى الأباء والأجداد يوما ما.

ولذلك تم تأجيل الزيارة لحين افتتاح معبد "إلياهو هانبي" في شارع النبي دانيال بوسط الإسكندرية بعد الترميم.

وبحسب مارس دخول المعبد يعد ركنا أصيلا في الزيارة الأولى لأرض الأجداد.

مصدر الصورة AFP
Image caption ترميم معبد" ألياهو هانبي " تكلف نحو 70 مليون جنيه مصري تحملتها الحكومة المصرية بالكامل

المعبد التاريخي

أعادت الحكومة المصرية افتتاح معبد إلياهو هانبي في يناير/كانون الثاني الماضي، وذلك بعد إغلاقه لأكثر من عامين.

وتكلفت عملية الترميم نحو 70 مليون جنيه مصري أي نحو أربعة ملايين دولار تحملتها الحكومة المصرية بالكامل، بعد أن رفضت تلقي أي تبرعات من جهات أجنبية.

ويعد هذا المعبد من أقدم معابد اليهود في الإسكندرية حيث تم إنشاؤه في عام 1354، إلا أنه تعرض للقصف خلال الحملة الفرنسية ثم أعيد بناؤه مرة ثانية عام 1850 بمساهمة من أسرة محمد علي الحاكمة آنذاك.

ويمتاز هذه المعبد بطراز معماري فريد، كما يتسع لسبعمئة مصلٍ، ويضم مكتبة بها 63 نسخة من التوراة وكتب يعود تاريخ بعضها إلى القرن الـ 15.

ويقع هذا المعبد في شارع يختصر تاريخ الإسكندرية كملتقى للحضارات والأديان، ففي الجهة المقابلة لمعبد "إلياهو هانبي" تقع الكنيسة المرقسية، وهى ‏أقدم‏ ‏كنيسة‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏وفي‏ ‏أفريقيا‏ ‏كلها‏ ‏حيث‏ ‏تم‏ ‏إنشاؤها‏ ‏عام‏ 1870،‏واستمرت‏ ‏مقرا‏ ‏للكرسي‏ ‏البابوي‏ ‏لمدة‏ ‏ألف‏ ‏عام، وفي نهاية الشارع مسجد كبير يحمل اسم "النبي دانيال".

وإلى جانب الأخوين مارس، استقبل هذا المعبد مؤخرا عشرات اليهود ذوي الأصول المصرية أو الذين عاشوا في مصر.

ونشرت صفحة "إسرائيل بالعربية"، وهي صفحة رسمية لوزارة الخارجية الإسرائيلية مقاطع مصورة لصلاة واحتفالات نادرة في المعبد.

طائفة إلى زوال

لم تقم صلاة لليهود في مصر منذ عشرات السنين إذ يتطلب إقامة صلاة ألا يقل عدد المصلين عن 10 رجال فوق 13 عاما، وهو أمر مستحيل بالنسبة للطائفة اليهودية بمصر.

حيث تراجع عدد أفراد الطائفة من نحو 80 ألفا في أوائل القرن الحادي والعشرين إلى 6 سيدات عجائز أصغرهن تجاوز عمرها الـ 60 عاما.

وتقول أصغر أفراد الطائفة سنا ورئيستها ماجدة هارون لبي بي سي إن "أفراد الطائفة هاجروا من مصر بعد حرب عام 1948، وإقامة دولة إسرائيل، حيث تغيرت النظرة لليهود في ذلك الوقت وساد الاعتقاد بأن ولاءهم سيكون لدولة إسرائيل".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ماجدة هارون : الطائفة اليهودية في مصر في طريقها إلى الزوال

ويرى مؤرخون أن الضربة الحاسمة ليهود مصر جاءت مع حرب عام 1956، التي شاركت فيها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، "فتمّ اعتقال عدد كبير منهم بطريقة عشوائية، ووُضعت أموالهم تحت الحراسة".

وبعد حرب 1967 بين مصر وإسرائيل وُجِّهت لليهود في مصر ضربات أكثر حدة فتقلص عددهم في البلاد بشكل غير مسبوق.

وأضافت ماجدة أن الطائفة اليهودية في مصر اليوم في طريقها إلى الزوال، وعلى الجميع أن يتعاونوا لحماية التراث اليهودي والحفاظ عليه باعتباره جزءا من تاريخ هذا البلد، ومطمعا تسعى "دول بعينها" للاستيلاء عليه بهدف تزييف تاريخ المنطقة.

خطة حكومية

مصدر الصورة AFP
Image caption يوجد في مصر نحو 14 معبدا يهوديا ومقابر ونسخ تاريخية من أسفار التوارة فضلا عن ثلاث مكتبات تعج بمئات الكتب النادرة المكتوبة باللغة العبرية والعربية وثلاث مدارس

وبحسب ماجدة يوجد في مصر نحو 14 معبدا يهوديا ومقابر ونسخ تاريخية من أسفار التوارة فضلا عن ثلاث مكتبات تعج بمئات الكتب النادرة المكتوبة باللغة العبرية والعربية وثلاث مدارس.

فضلا عن أكثر من 200 ألف وثيقة يعود أقدمها إلى القرن الـ11 الميلادي، عثر عليها في "جنيزة كنيس بن عزرا". وتتنوع هذه الوثائق بين عقود زواج وطلاق ومواليد ومخطوطات توثق حياة اليهود المصريين منذ الخلافة الفاطمية، والدولة الأيوبية، وعصر المماليك.

وتصف ماجدة هذه الوثائق بأنها "فيسبوك اليهود في العصور الوسطى".

ويبدو أن دعوات ماجدة لحماية التراث اليهودي، لاقت صدى رسميا.

فالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تحدث في أكثر من مناسبة عن ترحيبه بـ "عودة اليهود المصريين" وتعهد بتنظيف المقابر وحماية التراث.

الأمر الذي أثار ضجة وتأويلات متعددة وقتها، فاعتبره البعض محاولة للتقارب مع الولايات المتحدة عبر إسرائيل و اعتبره آخرون محاولة للتقارب مع إسرائيل، ووضعه آخرون في سياق التأكيد على الصورة "المتسامحة" لمصر.

وفي السياق نفسه، شكلت وزارة الآثار لجنة "جرد وحصر وتسجيل الآثار اليهودية" في إبريل/ نيسان عام 2018 ، حيث انتهت من تسجيل مجموعة من مقابر اليهود بالإسكندرية وجنوب القاهرة.

وانتهت هذه اللجنة إلى تسجيل عدد من المعابد اليهودية في القاهرة والإسكندرية وبعض مدن الدلتا، وأصبحت هذه الآثار خاضعة لقانون حماية الآثار الذي يلزم الحكومة بالحفاظ عليها وترميمها ووضعها على خريطة الزيارات والمناطق الآثرية.

كما أعلنت الحكومة المصرية في ديسمبر/ كانون الأول 2018 عن خطة لتخصيص مليار و270 مليون جنيه مصري لتجديد التراث اليهودى في البلاد.

وأثار إعلان هذه الخطة ردود فعل متباينة، بين من يعتبر هذه الآثار جزءا من التراث الإنساني، ومن يعتبرها إهدارا للمال العام على مبان قد لا يرتادها أحد.

ليعود وزير السياحة والآثار ويقول إن المبلغ الذي أعلن عنه مُخصص لترميم كل الآثار وليست اليهودية فقط..

وفي تصريحات لبي بي سي قال وزير السياحة والآثار المصري خالد العناني إن "الهدف من هذه الخطط هو تشجيع السياحة الدينية فى البلاد، فضلا عن توجيه رسالة قوية للعالم بأن مصر تحترم جميع الطوائف والشعائر الدينية، وأن الحكومة تهتم بالتراث في مختلف العصور، كما تعمل علي تطوير ما تبقي من هذا التراث".

تحركات شعبية

Image caption أصبحت جمعية قطرة اللبن منذ عام 2016 معنية بحماية والحفاظ على التراث اليهودي، بمساعدة فريق من المتطوعين يضم 30 شابا وفتاة من المسلمين والمسيحين.

وتقول ماجدة هارون إن دعواتها للمساعدة في حماية التراث اليهودي، لاقت صدى شعبيا أيضا.

وتضيف "بدأ الشباب المصري في سؤالي كيف يمكننا المساعدة؟ ففكرت في إضافة هدف جديد لجمعية قطرة اللبن، التي كانت مخصصة قبل نحو مائة عام لمساعدة الفقراء واليتامى من اليهود، بحيث تتولى حماية والحفاظ على التراث اليهودي ودمج الشباب المصري للمساعدة في القيام بهذا الدور".

وأصبحت جمعية قطرة اللبن منذ عام 2016 معنية بحماية التراث اليهودي والحفاظ عليه، بمساعدة فريق من المتطوعين يضم 30 شابا وفتاة من المسلمين والمسيحيين.

وتؤكد ماجدة "أنا اليهودية الوحيدة في الجمعية، البقية جميعهم من المسلمين والمسيحيين المؤمنين بضرورة الحفاظ على التراث باعتباره تراثا إنسانيا".

صداقة غير مألوفة

Image caption فلسطينية تعمل على حماية التراث اليهودي فى مصر

بين المتطوعين، قابلنا مروة أبو دقة وهي مصرية من أصل فلسطيني، ولدت في غزة خلال الانتفاضة الأولي ضمن جيل سمي بـ "أطفال الحجارة" وتعيش في مصر.

تقول مروة لبي بي سي إنها كفلسطينية لم يكن سهلا عليها أن تتجاوز الخلط بين ما هو يهودي وما هو إسرائيلي " لكن الحالة المتدنية التى كانت عليها المعابد والمقابر اليهودية في مصر ذكرتني بحال البيوت التى ٌأُجبرت عائلتي على الخروج منها في فلسطين عام 1948".

وأضافت " لا أستطيع أن أساعد في حماية التراث الإنساني الذى تركه أهلى ورحلوا في فلسطين، لكن في مصر أستطيع المساعدة في حماية تراث إنساني آخر، فالتراث ملك الجميع والاهتمام به مسؤولية الجميع".

تتولى مروة وماجدة وبقية المتطوعين تنظيف المقابر، والمعابد، وحصر الممتلكات الموجودة داخل المعابد، فضلا عن أرشفة وترميم الكتب الموجودة في المكتبات الملحقة بالمعابد وبمقر الطائفة اليهودية، وتنظيم الفعاليات، والاحتفالات بالأعياد الدينية بالإضافة إلي تنظيم زيارات للطلاب والزائرين.

ويحتاج دخول المعابد اليهودية والمكتبات الملحقة بها في مصر لتصاريح أمنية.

وتصف مروة هذا العمل بالشاق وتقول "في البداية كانت تنتابني مشاعر مختلطة حين أقوم بتنظيف مقبرة مرسوم عليها النجمة السداسية أو أرمم كتابا مكتوبا باللغة العبرية، فهذه الرموز اعتدت أنها تمثل الاحتلال، أما الآن فبت أراها رمزا للدين اليهودي وحسب".

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
يهودية مصرية ومسلمة فلسطينية تحميان المعابد اليهودية في مصر

وحكت الصديقتان مروة وماجدة لبي بي سي عن الظروف التي قادتهما إلى العمل معا، فماجدة قالت إنها تربت في مصر دون أن تكون محاطة بأقاربها، حيث غادر الجميع ولم يقرر البقاء فى مصر إلا أبوها - المحامى اليساري شحاتة هارون - وأمها، وبحسب ماجدة "لم أستطع السفر خارج البلاد لأكثر من 20 سنة خوفا من منعى من العودة" . كما تتذكر كيف قررت ألا تعود للمدرسة بعد أن سبت إحدى مدرساتها اليهود ووصفتهم "بالكلاب الجرباء" وتتذكر أيضا أن والدها اُعتقل مرتين، مرة بعد هزيمة 67 ضمن "حملة للقبض على جميع الذكور اليهود في مصر من سن 18 وحتى 65 عامًا آنذاك"، ومرة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل.

فى المقابل تذكرت مروة أنها ضُربت في إحدى المظاهرات في غزة واُعتقلت أختها كما طرد أبوها من بلده ولم يستطع العودة لمدة 40 عاما تنقلت العائلة خلالها بين دول شتى.

إلى جانب الطفولة المتشابهة، تقول ماجدة و مروة إن صداقتهما أصبحت أكثر متانة بعد الاتفاق على هدف "إنساني ووطني" واحد وهو حماية التراث اليهودي.

وتقول ماجدة ومروة إنه فى بعض الأحيان يواجه عملهما بالترحاب والتأييد والمساعدة من أهالى المنطقة، وفي أحيان أخري تقابلان باتهامات ومخاوف وتشكيك في انتمائهما، فالأمر يتعلق بطبيعة المنطقة وبالأشخاص ومدى قبولهم للآخر.

المقابر .. مهتمون جدد

مصدر الصورة DROP OF MILK
Image caption مقابر البساتين، هي ثاني أقدم مقابر لليهود في العالم بعد مقبرة "جبل الزيتون" في القدس، وأنشئت منذ القرن التاسع الميلادي

ويبدو أن الاهتمام بالتراث اليهودى فى مصر لا يقتصر فقط على الحكومة وجمعية " قطرة اللبن"، فبعد أيام من افتتاح معبد إلياهو هانبي، أطلقت السفارة الأمريكية بالقاهرة مشروعا للحفاظ على مقابر اليهود بمنطقة البساتين جنوب القاهرة، حيث يتولى المركز الأمريكي للبحوث بالقاهرة بالتعاون مع جمعية "قطرة اللبن" تنفيذ المشروع، بتمويل أمريكي.

ومقابر البساتين، هي ثاني أقدم مقابر لليهود في العالم بعد مقبرة "جبل الزيتون" في القدس، وأنشئت في القرن التاسع الميلادي، حيث خصص السلطان أحمد بن طولون موقع إقامة المقابر على مساحة 120 فدانا.

وتعرضت هذه المقابر لإهمال عبر عقود حيث تعرضت لاعتداءات وسرقة فضلا عن إلقاء القمامة بها، وتولت الحكومة والمتطوعون إزالة هذه الإشغالات منذ فبراير/ شباط 2019 .

وتقول ماجدة إن إصرار الحكومة على ترميم المعابد وتنظيف المقابر يؤكد على الاعتراف باليهود كجزء من نسيج هذا المجتمع، فهم ساهموا في نهضته و لم يكونوا "عملاء ولاجواسيس" ، وتضيف "هذا هو الحلم الذى طالما سعيت إليه".

وتتمنى ماجدة ومروة أن يلقى جهدهما صدى أكبر، وتتم مساعدتهما على إعادة فتح المعابد اليهودية في كل أنحاء مصر لتكون مراكز ثقافية وفنية ، تقام فيها الندوات وتعزف فيها الموسيقى بدلا من أن تصبح "أماكن مهجورة " أو حكرا على أعداد محدودة من السياح.

كما تؤكدان أن الكتب المكدسة في المكتبات الملحقة بالمعابد يمكن أن تشكل "كنزا" يستفيد منها الآلاف من طلاب أقسام اللغة الشرقية في الجامعات المصرية، إذا تمت المساعدة في أرشفتها وترميمها ومن ثم فتح هذه المكتبات للجميع.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة