فيروس كورونا: مصر تدشن حملة دبلوماسية علاقات عامة صحية مع الغرب

مساعدات طبية

أظهر مقطع فيديو تم إنتاجه من قبل مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صناديق إمدادات طبية - مختومة باللغتين الإنجليزية والعربية مع عبارة "من الشعب المصري إلى الشعب الأمريكي" - وهي تُشحن على متن طائرة عسكرية.

ويعكس نشر مصر هذا الفيديو، الذي تم تسجيله بشكل الشهر الماضي، محاولة أخرى لإظهار القوة الناعمة للبلد على مستوى العالم من خلال إرسال مساعدات طبية إلى دول شملت الصين، وإيطاليا، والسودان، والمملكة المتحدة.

لكن محللين يرون هذه المبادرات بأنها رمزية في وقت يعمل فيه نظام الرعاية الصحية في مصر بأكثر من طاقته.

وفي مارس/آذار وقبل أن يؤدي وباء فيروس كورونا إلى وفاة أكثر من 296000 شخص في العالم - كانت وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، أول مسؤولة من الخارج تزور بكين منذ بدء تفشي المرض.

ثم ظهرت زايد بعد ذلك بأسابيع في رحلة مُرتبة إلى إيطاليا، وهي بؤرة أوروبية لتفشي الفيروس بشكل مبكر؛ إذ سلمت، شخصيا، الكمامات والقفازات لوزير الخارجية الإيطالي.

وسرعان ما سخر منها المصريون على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ أشارت نكتة شعبية إلى أن السيسي أرسل زايد في مهمات تضامن إلى الخارج أملا في التخلص منها بسبب طريقة تعاملها مع الأزمة الصحية.

وانتقد خبراء على الإنترنت وزارتها بسبب تجاهلها النقص الحاصل في معدات الوقاية الشخصية بين العاملين في مجال الرعاية الصحية في مصر.

وقال جيراسيموس تسوراباس، استاذ السياسة في جامعة برمنغهام، لوكالة فرانس برس إن "الدبلوماسية الصحية ظلت واحدة من الاستراتيجيات التقليدية التي تتبعها دول الجنوب في العالم الساعية للقيام بدور أكثر بروزا على الحلبة الدولية".

وأضاف "أعتقد أنها استراتيجية قصيرة الأمد قد لا يتم السير فيها بالضرورة حتى النهاية، أخذا في الاعتبار الحاجات المتزايدة لمصر من أجل الحصول على معدات الوقاية الشخصية".

ومضى تسوراباس قائلا "فيما يخص القوة الناعمة، تميل مصر إلى إعطاء الأولوية لاعتبارات السياسة الخارجية على حساب الاعتبارات الداخلية".

ووصلت الحالات المؤكدة لوباء كوفيد-19 في مصر إلى 10500 حالة مع تسجيل أكثر من 550 وفاة، بما في ذلك 9 أطباء و 6 ممرضين. لكن يقول بعض المراقبين إن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب المستويات المتدنية للفحص.

"لا تأثير دائم"

وأرسلت مصر إلى الولايات المتحدة، الشهر الماضي، طائرة شحن عسكرية مُحملة بمعدات طبية. وكان ذلك انعكاسا لافتا لدور مصر التي تعتبر من الدول الرئيسية التي تحصل على المساعدات الأمريكية علما بأنها تتلقى 1.3 مليار دولار سنويا.

ويقول داتش روبرتسبيرجر، وهو ديمقراطي في مجلس النواب ويرأس مجموعة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تدعم العلاقات مع مصر، إن الطائرة نقلت 200000 كمامة، و48000 غطاء حذاء، و 20000 غطاء جراحي من بين معدات أخرى.

ونشر روبرتسبيرجر تغريدة على تويتر قائلا "وهذا يفسر لماذا تعتبر الدبلوماسية الدولية والحفاظ على العلاقات مع حلفاء مثل مصر ضرورية ليس عند الأزمات ولكن في كل الاوقات".

وأشار يزيد صايغ، كبير الخبراء في قضايا الجيش المصري في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، إلى أن المساعدات عكست "الولع الخاص لحكم السيسي في حملات العلاقات العامة والخطابات البلاغية".

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة،

زارت وزيرة الصحة المصرية هالة زايد كلا من الصين وإيطاليا، حيث سلمت مساعدات طبية

وقال صايغ إن الرسالة التي تحاول مصر ايصالها لدول العالم تهدف الى "تعزيز ادعاءاتها بحكمتها الفائقة وقدرتها الكبيرة ومطالبها بالاحترام على الصعيد الداخلي".

وأضاف صايغ أن هذه التحركات من غير المرجح أن يكون لها أثر دائم على صورة مصر في الخارج.

ومضى قائلا "ما سيثير إعجاب الآخرين هو النجاح في احتواء كوفيد-19 وتنشيط الاقتصاد مرة أخرى".

"جمهور أجنبي، استهلاك محلي"

منذ استلام السلطة في عام 2014، في أعقاب إطاحة الجيش المصري بالرئيس الإسلامي السابق محمد مرسي في السنة السابقة، بنى الجنرال الذي تحول إلى رئيس علاقة شخصية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الروسي فلاديمر بوتين.

وتُرْجِمت هذه الصداقات إلى عمليات شراء ضخمة للأسلحة، علما بأن مصر تُصنف الثالثة عالميا على مستوى استيراد الأسلحة.

ومهدت وزارة الخارجية الأمريكية، الأسبوع الماضي، الطريق أمام مصر لشراء 43 طائرة عمودية هجومية من طراز أباتشي مع قطع غيارها في صفقة بلغت قيمتها 2.3 مليار دولار.

ويلعب الجيش دورا بارزا في الحياة العامة في مصر، علما بأن أنشطته تتراوح بين بناء الطرق السريعة وإنتاج المسلسلات الرمضانية إلى بيع معدات الوقاية الشخصية للمواطنين مؤخرا.

وقالت ريم أبو الفضل، عالمة السياسة في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، "بالرغم من أن خطوة إرسال مساعدات طبية إلى الخارج استهدفت جزئيا الجمهور الخارجي، فإنها كانت مُوجهة أكثر للإستهالك الداخلي".

واتفق كل المحللين الذين سألتهم وكالة فرانس برس على أن سد النهضة الإثيوبي الضخم لعب دورا في الحملة الأخيرة من "الدبلوماسية الطبية".

وتخشى مصر من أن لجوء إثيوبيا إلى ملء بحيرة السد الجديد يمكن أن يقلل من تدفق مياه نهر النيل، والتي تعتمد عليها مصر في الحصول على معظم حصتها من المياه.

ويشير محللون إلى التعاقد مع شركات إيطالية وصينية كبرى من أجل بناء السد الضخم وكيف أن مصر دعت الإدارة الأمريكية إلى رعاية المباحثات الثلاثية الجارية مع إثيوبيا والسودان.

وتصر أبو الفضل على أنه "في سياق مواجهة التطورات الأخيرة التي تشكل تهديداً محدقاً بمياه النيل، لاحظنا أن السيسي احيا الدبلوماسية المصرية الموجة للقارة الأفريقية".

وترى أبو الفضل أن هذه الدبلوماسية التي تم الترويج لها للغاية تجاهلت حاجات المصريين في ظل عمل عدة مستشفيات بأكثر من طاقتها بسبب فيروس كورونا.

واختتمت حديثها قائلة " إن المصريين يدركون تماما النقص الشديد في مجال الصحة العامة وهي من بين أوجه القصور الأخرى للحكم الحالي".