انفجار بيروت "أكمل مأساة السوريين" اللاجئين في لبنان

طفلة تنظر إلى الدمار مصدر الصورة Getty Images

بعد وقوع انفجار الميناء مباشرة، استأجر السوري محمود الكنو سيارة توجه بها إلى بيروت للبحث على أهله؛ وجد أخته سيدرا ذات الـ 16 عاما متوفاة، في حين أصيب أبوه بكسر في الجمجمة ولم يعد قادرا على الرؤية جيدا، وتعرضت أمه لكسر في ظهرها وكسر آخر في الساق، أما أخته الأصغر، هدى، ذات الـ 11 عاما فيقول إنها لا تزال في مستشفى البقاع في شتورة بحالة حرجة.

كان والد محمود، القادم من ريف حلب قبل 8 سنوات، حارس بناء في ميناء بيروت، حيث وقع الانفجار الذي حول بيتهم إلى ركام.

أما محمود، البالغ من العمر 26 عاما، فكان يعيش في مدينة أخرى مع زوجته وابنه ويعمل في الرسم الهندسي والمحاسبة في ورشات بناء منذ سنوات، لكن عمله تعطّل منذ بداية الاحتجاجات التي اندلعت في لبنان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي نتيجة للتدهور الاقتصادي الكبير في البلد وغلاء الأسعار.

أصبحت أخته سيدرا واحدة من بين 43 سوريا على الأقل، أعلن عن مقتلهم في انفجار بيروت يوم 4 أغسطس/آب.

غضب محمود أكبر بكثير من حزنه - كما يبدو من صوته عبر الهاتف - خاصة وأنه وجد نفسه الآن مسؤولا عن كل أفراد العائلة وكلهم مصابون وبحاجة لدواء وعلاج وطعام ومسكن.

"تكفلت جمعية سورية في لبنان بشراء صفائح لأختي.. تكلفتها حوالي 3500 دولار. أمي بحاجة لحزام لظهرها سعره 200 دولار، أتواصل الآن مع جمعيات للمساعدة.. صرفت كل ما كان معي.. بدأت أستدين من الناس.. وصلت ديوني إلى حوالي 5 مليون لبناني (حوالي 3300 دولار)"، يقول محمود، الذي تحدثت إليه بعد مرور أسبوع على التفجير.

"أنا وأهلي أنفسنا عزيزة علينا.. رفضت في السابق أن أتسجل كلاجئ لكي لا أشعر أني أبحث عن إحسان.. لم أكن أقبل أن آخذ ليرة من أحد.. كنت أعمل. أما الآن فأنا أستجدي من أجل علاج أهلي. وعليّ مصاريف السيارة التي استأجرتها لأتمكن من تفقّد أهلي، فكل واحد في مستشفى.. وأجرة البيت. وأدوية أهلي.. أنا فعلا بحاجة مساعدة الآن".

تمكن محمود من دفن أخته سيدرا، بعد أن تبرّع أحدهم بالقبر. دفع هو ثمن حجارة القبر (حوالي 150 دولار).

ومنذ يومين فقط أخبر والده بما حدث لبقية أفراد العائلة.

مصدر الصورة @Mahmoud Kinno
Image caption السورية سيدرا الكنو، 16 عاما، واحدة من ضحايا انفجار ميناء بيروت.

قائمة غير موثقة للضحايا السوريين

كان عدد ضحايا الانفجار في ارتفاع يوما بعد يوم، مع العثور على جثث مفقودين، ومع وفاة عدد من الجرحى، حتى أعلن يوم 10 أغسطس/آب أن أكثر من 200 شخص قتلوا في التفجير.

وبعد أيام قليلة على الانفجار، بدأت تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي قائمة بأسماء قيل إنها للسوريين الذين قضوا في الانفجار، بينهم أطفال. لكن ليس هناك مصدر موثوق للقائمة الكاملة.

يقول مزيد الكريدي، المحامي السوري المتطوع مع الفريق القانوني لجمعية "بسمة وزيتونة" في لبنان، إن هذا الانفجار "أكمل مأساة السوريين".

"منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي انهار الوضع المالي لطالبي اللجوء بعد أن خسر كثيرون أعمالهم بالتزامن من الاحتجاجات في لبنان، ثم جاء وباء كورونا وفرض أشهرا من الحجر. الكل غير قادر على دفع إيجارات البيوت ولديهم مشاكل مع أصحاب البيوت.. نحن بالأساس نتعامل بخطة طوارئ لمساعدة السوريين في لبنان.. ثم جاء الانفجار".

ذكرت قائمة صدرت بالإنكليزية عن وزارة الصحة اللبنانية أسماء عدد من الضحايا السوريين، هم: عبد القادر بلوسو، وأحمد محمد عمايرة، وأمينة سالم خيربيك، وأيمن ابراهيم جاسم العيد، وأيمن عبيد، وفاروق السلو، وحنا جورج عقباني، وخالد وحود.

وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي قائمة بأسماء أكثر مع تفاصيل أوفى عن الضحايا، لكن هناك الصعوبة من التأكد من صحتها.

كما ذكرت قائمة وزارة الصحة اللبنانية أسماء ضحايا من الفلبين وبنغلادش، وشخص من كل من باكستان ومصر. وكتب إلى جانب كثير من الضحاياتعبير "غير معروف".

يوضّح مزيد أن فريق الجمعية لا يزال في مرحلة جمع البيانات والتواصل مع الدرك والمستشفيات للتوثيق، بهدف تقديم المساعدة في استصدار وثائق الوفاة بعد المتابعة مع المخاتير، والنفوس، والخارجية اللبنانية ومن ثم السفارة السورية في بيروت بهدف إرسال الوثائق إلى سوريا.

يخبرني عن قصص مهولة سمعها خلال الأسبوع الذي تلى الانفجار، من قبل سوريين اتصلوا به، من بينها قصة سوري مقيم في مخيم صبرا قال له إن "ابنه الجنين مات في بطن زوجته" من الصدمة، وهي بحاجة الآن لإجراء عملية. وقال له إنه غير قادر على شراء الطعام أو دفع إيجار البيت حتى يتمكن من دفع كلفة العملية.

كما يذكر قصة أخرى لامرأة سورية توفيت في حي برج حمود "بسبب تعرضها لجلطة" وقت الانفجار، وفقا لصهرها الذي تحدث مع الجمعية، وأرسل تقريرا طبيا من المستشفى.

ويضيف مزيد: "أكثر من سوري مصاب جراء الانفجار أخبرني أنه عولج في المستشفيات اللبنانية دون أن يطلب منه أي مقابل مالي بناء على تعليمات وزارة الصحة"، موضحا أن المشاكل الصحية طويلة الأمد التي خلفها الانفجار أمر منفصل.

"أصبحنا سيناريو"

قدرت منظمة الصحة العالمية عدد المنشآت الطبية في بيروت بـ 55، وقالت إن نصفها تقريبا "خارج الخدمة حاليا".

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية على صفحتها على فيسبوك أن "المستشفيات الميدانية تعاين وتعالج مجانا جميع المرضى والجرحى الذين يقصدونها في اختصاصات متعددة, كما يتم توزيع الأدوية مجانا" في عدد منها.

لا يتوفر لدى جمعية "بسمة وزيتونة" بعد عدد دقيق عن الجرحى السوريين، لكنها تقدرهم بالمئات. في حين تعتقد أن هناك الآلاف ممن تعرضوا للصدمات النفسية مثلهم مثل بقية من كان في بيروت ذلك اليوم.

يقول المحامي مزيد "نحن أنفسنا كمقدمي خدمة متضررين نفسيا.. فكلنا عشنا الحدث. أنا كنت مصدوم أساسا بسبب الضغط النفسي والتفكير بالمستقبل، مثلي مثل غيري .. بعدها مرت فترة صعبة بسبب كورونا، والآن تمر بيروت بمصيبة. الله يعين هالعالم".

إثر الانفجار عبّر كثير من اللبنانيين عن رغبتهم في الهجرة إلى الخارج، وسمعنا عن لبنانيين بدأوا بالفعل بحزم أمتعتهم متجهين نحو كندا إذ يحمل كثيرون منهم الجنسية الكندية.

محمود الكنو أيضا أصبح يتمنى السفر "ليرتاح".

ويقول "من قبل الانفجار كان الوضع سيء. لكن كتر خير الله.. كان الوضع أسهل لأن أهلي كانوا بصحة جيدة.. كنت مسؤول عن زوجتي وابني فقط. ما بتمنى هالحياة الحالية لأسوأ شخص في العالم. الآن كل ما أريده هو أن أسافر إلى بلد أوروبي لأرتاح.. أريد فقط أن أعمل وأعيش بكرامة، بلا ديون".

ويضيف: "جاء كثير من الصحفيين وتحدثوا معي.. قال لي مراسل إنه كتب سيناريو تلفزيوني جميل عن حالتي.. أصبحنا سيناريو".

يقدر عدد سكان لبنان حاليا بأنه أقل من 7 ملايين نسمة. وتقدر الحكومة اللبنانية وجود 1.5 مليون لاجئ سوري على أراضيها، إلى جانب 18,500 لاجئ قادمين من إثيوبيا والعراق والسودان ودول أخرى، بالإضافة إلى أكثر من 200,000 لاجئ فلسطيني، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وكانت السفارة السورية في بيروت قد أكدت أن عدد الضحايا السوريين بسبب الانفجار وصل إلى 43، في حصيلة غير نهائية، وأن السفارة "تقدم كافة التسهيلات لنقل جثامين بعضهم إلى سوريا، والمساعدة على دفن البعض الآخر في لبنان".

المزيد حول هذه القصة