لغز اغتيال هشام الهاشمي

  • ميس محمد
  • بي بي سي نيوز عربي

6 تموز/يوليو 2020. التقطت كاميرات المراقبة كل شيء.

أولاً، توقفت سيارة رباعية الدفع خارج منزل في إحدى ضواحي بغداد، ثم اقترب شخص مسلح وأطلق أربعة أعيرة نارية من نافذة السيارة، ثم فر على متن دراجة نارية.

التعليق على الصورة،

من قتل هشام الهاشمي؟

ركض ثلاثة أطفال نحو السيارة، واكتشفوا أن الرجل الموجود داخلها هو والدهم، المحلل الأمني العراقي، هشام الهاشمي، الذي سيلفظ أنفاسه الأخيرة في طريقه إلى المستشفى.

كان الهاشمي شخصية مرموقة في العراق، وخبيرا ذائع الصيت في شؤون الإرهاب، وقد عُرف بتقديمه استشارات لرؤساء وزراء ولحكومات غربية ولمسؤولين في الجيش الأمريكي.

كانت له صلات قوية مع كل أطراف الانقسام الطائفي، وكان يُنظر إليه كما لو أنه لا يمكن المساس به، لذلك خلّفت وفاته صدمة في جميع أنحاء البلاد، وتعهد رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بالوصول إلى قاتليه، ولا سيما أن الهاشمي كان أحد مستشاريه الموثوقين.

ماض مثير للجدل

وُلد هشام الهاشمي في عائلة شيعية لكنه تحول إلى الإسلام السني في أواخر التسعينات، ثم انضم إلى الحركة الجهادية في الفلوجة.

تمكنت القوات الأمريكية من أسره خلال غزو العراق، فأمضى ثلاث سنوات في السجن وأقام علاقات مهمة مع الحركة الجهادية والمتشددين السنة.

وشاب عملية إطلاق سراحه من السجن كثير من الغموض، لكن يُعتقد على نطاق واسع أنه أبرم صفقة مع الحكومة العراقية.

لم تتضح التفاصيل الدقيقة، لكن الهاشمي بدأ، بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه، في مساعدة كل من العراقيين والأمريكيين بمعلومات استخبارية عن معظم الشبكات الإرهابية في العراق.

التعليق على الصورة،

صورة لسارة طالب، الناشطة التي قتلتها ميليشيات في البصرة

ينسب المقربون منه دورًا حيويًا له في إضعاف تنظيم ما يٌعرف بالدولة الإسلامية، ما أدى إلى تلقيه تهديدات لا حصر لها بقتله من قِبل هذا التنظيم.

في البداية، كان المشتبه في قتله هو تنظيم الدولة، لكن سرعان ما تحولت أصابع الاتهام نحو عدو آخر له - التنظيمات الشيعية التي كانت له معها علاقة معقدة.

شُكلت المجموعات، الأكثر نشاطا حاليا، في عام 2014 بغرض محاربة تنظيم الدولة.

في البداية، حمل رجال عاديون، اعتبرهم الهاشمي أبطالاً، السلاح للدفاع عن البلاد بعد أن انهار الجيش وفر من الخوف.

لكن مع تنامي قوة الحركات المسلحة الشيعية انتقدهم الهاشمي قائلا إنهم يستخدمون الحرب ضد تنظيم الدولة مطية للاستيلاء على الأراضي وتعزيز مكانتهم في الحكومة.

وبعد انهزام تنظيم الدولة، ضمت قوات الأمن العراقية معظم المقاتلين إلى صفوفهم، لكن بعضهم ظل خارج سيطرة الحكومة، ليُشاع أنهم يتلقون أوامرهم مباشرة من طهران

حين اجتاحت الاحتجاجات الشعبية العراق في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وخرج عشرات الآلاف من العراقيين من الطائفتين كلتيهما إلى الشوارع للاحتجاج على الفساد المستشري ونقص الخدمات الأساسية، قوبل المتظاهرون بالعنف - ليس فقط من طرف القوات الحكومية، وإنما أيضا من الحركات المسلحة الشيعية.

وذكرت منظمة الأمم المتحدة أن قرابة 500 شخص قتلوا آنذاك.

التعليق على الصورة،

صورة التقطتها كاميرا مراقبة تظهر عملية اغتيال هشام الهاشمي في بغداد

تضامن الهاشمي مع المتظاهرين وغرد على تويتر مؤيدا لهم، وعده كثيرون بمثابة رمز للحركة الاحتجاجية، وصوتا بارزا محترما من طرف المتظاهرين ومشجعا لهم.

لأول مرة، احتج العراقيون ضد النفوذ الإيراني في بلادهم.

أُضرمت النيران في قواعد الحركات المسلحة الشيعية، ودوت هتافات من قبيل "إيران، أخرجي! ميليشيات، أخرجي" من بغداد الى البصرة.

التعليق على الصورة،

يحارب الجيش العراقي نحو 5 آلاف من مسلحي "تنظيم الدولة الإسلامية" شمالي العراق

لكن كان هناك تطور مقلق: إذ بدأ النشطاء يتعرضون للإغتيال.

قُتل عراقيون بسطاء بالرصاص في منازلهم ومكاتبهم وفي الشارع على أيدي مسلحين مجهولين. يشترك جميع الضحايا في شيء واحد - فقد نشروا على وسائل التواصل الاجتماعي انتقادات للحركات المسلحة الشيعية المدعومة من قبل إيران.

التعليق على الصورة،

كان على فريق بي بي سي عربي التنقل تحت حماية الشرطة العراقية في البصرة نظرا لمخاطر التعرض للهجمات أو الاختطاف

وكانت عمليات القتل تحدث على خلفية هجمات الحركات الشيعية ضد أهداف أمريكية - والتي تجرأ الهاشمي على انتقادها في مقابلات تلفزيونية مع قنوات عربية.

حين بدأ الهاشمي البحث حول الحركات الشيعية التي تقف وراء تلك الهجمات - الجماعات السرية المدعومة من إيران والتي يعتقد أنها الأقوى - كان بذلك يضع نفسه في مسار تصادم مباشر مع القادة الذين يُخشى جانبهم.

قُتل الهاشمي بعد خمسة أيام فقط من نشره تقريراً كشف فيه تفاصيل شملت التسلسل القيادي لإحدى أقوى الجماعات - كتائب حزب الله. وقبل ذلك، كان أيضًا قد غرد اسم أحد قادتها.

التعليق على الصورة،

مازال الناشط مصطفى معتصما في البصرة

لم يُعلن بعد عن نتيجة التحقيق الرسمي في مقتل الهاشمي، لكن بي بي سي اطلعت على أدلة تشير إلى أن حركات مسلحة مدعومة من إيران لم تكن مسؤولة عن مقتل الهاشمي فحسب، وإنما أيضًا عن مقتل نشطاء كانوا قد انتقدوها.

من بين الأدلة على تورط هذه الحركات المسلحة ما يسمى بـ "قائمة القتل"؛ وهي تضم أسماء 35 ناشطا من تسع مدن مختلفة في العراق. منذ تسريب هذه القائمة، أطلقت النار على شخصين مذكورين فيها، ما أدى إلى مقتل أحدهما. رجل آخر - سجاد العراقي - اختُطف ولا يزال محتجزا.

دعت بي بي سي كتائب حزب الله للرد على الادعاءات الواردة في هذا المقال، لكنها لم تتلق أي رد.

*الفيلم من انتاج " Ronachan Films" لصالح بي بي سي نيوز عربي.