الجيش التركي عند مفترق طرق

تركيا
Image caption اردوغان والجنرال باشبوغ: يقول قائد الجيش إن زمن الانقلابات ولى

لم تكن العلاقة بين الجيش التركي من جهة وحكومة حزب العدالة والتنمية التي يترأسها رجب طيب اردوغان، والتي تسلمت الحكم عام 2002، من جهة اخرى تتسم يوما بالالفة.

فقادة الجيش التركي يشكون بأن للحزب الاسلامي المنحى برنامج خفي هدفه تقويض النظام العلماني السائد في البلاد.

اما حزب العدالة والتنمية، فيرى من جانبه الجيش باعتباره عقبة تعترض سبيل الاصلاحات الديمقراطية الضرورية لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي.

الا ان حدة التوتر بين الجانبين ارتفعت بشكل خطير في الفترة الاخيرة، حيث برزت الى العلن سلسلة من الادعاءات بتورط ضباط في الجيش بمحاولات انقلابية، كان آخرها في الاسبوع الماضي عندما القت السلطات المختصة القبض على سبعة ضباط بارزين.

تثير هذه العلاقة المتأزمة اسئلة جوهرية حول ما اذا كان التعايش السلمي ممكنا بين الجيش العلماني بامتياز والحكومة الاسلامية المنحى.

اما بالنسبة لحلفاء تركيا في الغرب، فيثير التوتر بين الجيش والحكومة اسئلة مقلقة حول الوجهة التي ستقصدها تركيا في المستقبل.

إرث اتاتورك

Image caption اعتقل العشرات من ضباط الجيش في السنوات الاخيرة

تشير استطلاعات الرأي التي تجرى في تركيا بشكل دوري الى ان اغلبية الاتراك تنظر الى الجيش باعتباره اكثر مؤسسات الدولة اهلا للثقة، هذا في بلد تعتبر اكثرية اهله الطبقة السياسية طبقة فاسدة ولا تخدم الا مصالحها.

فللجيش يعود الفضل في وجود تركيا الحديثة اساسا، وذلك بسبب الدور الذي لعبه تحت قيادة مصطفى كمال اتاتورك في الانتصار بمعركة الاستقلال عقب الحرب العالمية الاولى.

وينظر قادة الجيش وحلفاؤهم في الادارة المدنية والسلطة القضائية ووسائل الاعلام الى القوات المسلحة باعتباره الحامي الاكبر لارث اتاتورك.

وقد تدخل الجيش للاطاحة بحكومات منتخبة ثلاث مرات منذ عام 1960، والبعض يقولون إن الجيش تدخل اربع مرات اذا اخذنا بالحسبان "انقلاب" 1997 الذي اجبر نجم الدين اربكان - اول رئيس حكومة اسلامي - على التنحي.

ولكن فوز اردوغان وحزبه في انتخابات 2002 كان تحديا جديدا لم يألفه الجنرالات من قبل. فحزب العدالة والتنمية فاز باغلبية كبيرة سمحت له بتشكيل الحكومة منفردا دون الاعتماد على ائتلافات هشة كما كان الوضع في الماضي.

كما حصل الحزب، بفضل الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي ادخلها بهدف الوفاء بشروط الاتحاد الاوروبي لانضمام تركيا الى صفوفه، على ثناء الخارج قبل الداخل.

وكان احد الاصلاحات يهدف الى ابقاء الجيش في ثكناته والحد من تدخله في الحياة السياسية.

ولو جرى هذا التحول في ميزان القوى من العسكر الى المدنيين في ظروف اكثر هدوءا، لكان من الممكن جدا ان يتقبل الجيش دوره الجديد، ولكن سلسلة الازمات ومحاولات الانقلاب المزعومة ساهمت في توتير العلاقات بين الجنرالات والحكومة.

عدل ام انتقام؟

هل بالامكان تجنب المزيد من الاستقطاب؟ ربما، ولكن كل المؤشرات المتوفرة في الوقت الحاضر تشير الى عكس ذلك.

فحزب العدالة والتنمية ومؤيدوه يقولون إن الادلة التي تشير الى تورط الجيش في محاولات للانقلاب على الحكومة قوية جدا ولا يمكن تجاهلها.

اما الجيش ومناصروه، فيجيبون على ذلك بالقول إن الكثير من هذه الادلة ضعيفة او مختلقة، وان ما يجري عبارة عن عملية انتقام ذات دوافع سياسية هدفها تلويث سمعة اكثر مؤسسات البلد وطنية.

ولكن هل يتنازل اي من الطرفين عن موقفه؟

فاذا ضغط اردوغان بمزيد من القوة باتجاه مقاضاة المتورطين في محاولات الانقلاب المزعومة، سيكون من شأن ذلك تعزيز وجهة نظر منتقديه بأنه هدفه هو الانتقام (من الجيش) وانه يغدو اكثر تسلطا.

اما الجنرالات، فإنهم يقفون مكتوفي الايدي بينما تضمحل قوتهم ومصداقيتهم.

فاذا قرر الجيش شن حرب استنزاف ضد حزب العدالة والتنمية، الذي فاز بجولتي انتخابات بشكل مقنع، سيكون قد ضمن فوز الحزب مرة ثالثة. فليس على الافق منافس سياسي حقيقي للحزب.

اضافة لذلك، فإن رئيس الاركان الحالي الجنرال إلكر باشبوغ كان قد اكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الانقلابات هي شئ من الماضي.

فالجيش التركي، المتمسك بدوره التقليدي كحامي الامة، يعلم بأن عجلة التاريخ تدور لغير صالحه.

ولذا فانه يشعر بأنه يقف على مفترق صعب.