يوميات بغدادية: موفدنا الى الانتخابات العراقية يروي انطباعاته

الأثنين 8 مارس: آراء عراقية في العملية الانتخابية

الخطوة المنطقية بعد انتهاء الانتخابات هي التعرف على رأي الناخب العراقي في العملية الانتخابية والاجواء التي جرت فيها والمستقبل.

تجولت في شوارع منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد واول شيء لفت نظري السرعة التي بدأت بها عملية ازالة اللافتات الدعائية والتي كانت تغطي كل مكان في المدينة.

Image caption ماجدة مهدي

اطنان عديدة من الحديد والخشب والقماش تحولت الى دعاية والان باتت مجرد مخلفات يزيلها عمال من امانة العاصمة بغداد. ترى ما هو مصيرها؟ سؤال خطر لي سابحث اجابته فيما بعد فما اريده الان آراء الناخبين في العملية كلها.

العديد من المواطنين في الشارع او المقاهي او المتاجر ما زالت اثار الحبر على اصابعهم مما يشير الى مشاركتهم في انتخابات الامس.

آراء

يقول أحمد البياتي "العملية الانتخابية تراوحت بين النزاهة في اماكن ومشاكل في اماكن اخرى لكن بالنسبة لي لم يحاول أحد التأثير علي".

واشار الى ان الانفجارات التي حدثت لم تمنعه او غيره من الادلاء بأصواتهم معربا عن امله في أن يأتي للحكم من يعمل لصالح العراق.

وماجدة مهدي تقول "انتهت الانتخابات ونريد ممن انتخبناهم ان يكونوا على مستوى المسؤولية وعلى مستوى ثقتنا".

واضافت أن أهم ما يجب العمل من أجله حاليا هو الامان كما يجب أن تعمل الحكومة الجديدة على حل مشاكل البطالة والكهرباء.

واكدت ان التفجيرات لم تحل دون ذهاب العراقيين الى صناديق الاقتراع "لم تمنعنا التفجيرات من السعي نحو التغيير والمستقبل الافضل. ارادوا اخافتنا ولكن الناس كلها ذهبت". واعربت عن املها في ان يكون المستقبل افضل للعراق.

ويقول مجيد حميد علي " كانت افضل انتخابات ولم يشهد العراق مثلها من قبل".

وطالب بضرورة أن يكون هناك تغيير في وجوه الحكومة كل 4 سنوات مثل الدول الاخرى.

واعرب عن تفاؤله بالاصلاح وبأن يتمتع العراق بمستقبل باهر.

اما عادل عباس فأشار الى حدوث خروقات في الانتخابات مشيرا الى أن "هناك من لم يجد اسمه في القوائم. حدث ذلك امامي".

غير أنه استطرد" ولكن ما حدث كبداية على طريق الديمقراطية يعتبر امرا جيدا.

Image caption اللافتات الانتخابية ازيلت بسرعة

واعرب عن امله في ان تتعلم دول اخرى مجاورة من العراق قائلا "لا نريد ان يحكمنا أحد لثلاثين عاما".

ومن جانبه، دعا عبد الرازق حسن من سيقع عليه الاختيار الى الالتزام قلبا ولسانا مع الشعب وبأن يعمل من أجل صالح الشعب.

وقال "الدين لله والوطن للجميع ونحن طول عمرنا لن نعرف مسألة هذا سني وهذا شيعي "فبلدنا كبير وعظيم وله مكانته ولابد من ان يستعيد مكانته".

من السما

جولة اخيرة في شوارع بغداد. شارع الربيعي وهو من أهم الشوارع التجارية في العاصمة العراقية ويقع في منطقة زيونة.

Image caption حلوى المن والسلوى

وشارع الرشيد، وهو اقدم شوارع بغداد، وكانت تنتشر فيه في الماضي أهم المقاهي التي يقصدها المثقفون والفنانون مثل البرلمان والبرازيلية وتنتشر به المباني الاثرية القديمة.

وشارع ابو نواس الذي اقصده اليوم نهارا فارى المنطقة الخضراء على الضفة الاخرى وارى الفندقين السياحيين عشتار "شيراتون" وفلسطين "مريديان"، وكان قد تم تفجير هذا الاخير، وهما مهجوران دون رواد. مشهد يثير الحزن والشجن.

اليوم مشمس وحار وفي مثل هذا الطقس يحلو تناول عصير الزبيب اللذيذ الذي تشتهر فيه محلات المرطبات في بغداد.

لفتت نظري لافتة على متجر حلواني مكتوب عليها عبارة "من السما .. هدية الله الى ارض الانبياء" دخلت سألت فقال لي البائعون "من السما او المن والسلوى نوع من الحلوى يأتي من السماء فوق اشجار معينة في شمال العراق ولا يتم التدخل في هذه الحلوى بأي شكل".

قمت بشراء كيلو "من السما" ثم بدأت أسال واتقصى.

علمت أن الاصل هو نوع من الفطر ينمو على صخور معينة او اشجار في شمال العراق في درجة حرارة معينة وعلى ارتفاع معين فيأخذه الفلاحون من عليها فيغلونه ويصفونه ويعالجونه ويضيفون اليه العسل وربما السكر كما تضاف ايه ايضا المكسرات.. ويقال إنه مفيد في تنشيط الذاكرة.

ايا كان مصدر "من السما" فهو بالفعل لذيذ وطيب... ومعه اودع العراق لانتهاء مهمتي الصحافية فيه لتغطية الانتخابات.

الأحد 7 مارس: يوم الانتخابات

انه يوم العراق، عيون العالم اجمع تتجه الى هذا البلد الذي يشهد انتخابات تشريعية مهمة وصفها مبعوث الامم المتحدة الى العراق، اد ميلكرت، بأنها "أهم لحظة" في تاريخ هذا البلد منذ عام 2003.

قررت التوجه الى أحد المراكز الانتخابية.

الشوارع هادئة، والاجراءات الأمنية اليوم تجاوزت كل ما سبقه حيث يكاد يوجد حاجز أمني للجيش والشرطة كل 50 مترا، أنه أمر غير مسبوق.

السيارة التي تقلني الى المركز الانتخابي بحي الكرادة هي السيارة المدنية الوحيدة في الشارع، ولا غرابة في ذلك، فهناك حظر على سير المركبات باستثناء تلك المصرح لها في هذه الظروف كالاسعاف والاعلام.

وفيما تقترب السيارة من المركز الانتخابي سمعت الانفجار الاول وتلاه ثان وثالث ورابع وتوالت الانباء عن انفجارات هاون وعبوات ناسفة وسقط ضحايا.

كنت قد وصلت الى المركز الانتخابي وجدت الناخبين يتوافدون عليه شباب وشيوخ ورجال ونساء والبعض في ابهى حلله وكأنه ذاهب الى عرس وليس الى لجنة انتخابية.

تعرضت لعملية تفتيش ذاتي عدة مرات قبل دخول المركز الانتخابي حيث وجدت، ورغم وصولي مع فتح صناديق الاقتراع، العديد من الناخبين العراقيين في المركز.

غادرت مركز الاقتراع وامام ناظري طابور للناخبين يتحدثون ويبتسمون ولا يبالون باصوات الانفجارات ولم اشعر بان الاجراءات الامنية "المبالغ" فيها تضايقهم.

تقصي اتجاه رأي الناخبين في المركز الانتخابي كشف عن تنافس بين قائمتي نوري المالكي واياد علاوي.

تحدثت الى بعض المراقبين في المركز فقالوا انهم لا يتوقعون حدوث تجاوزات في هذا اليوم.

احد مواقع التفجير

في منطقة العراصات قريبة سقطت قذيفة هاون، قررت التوجه الى هذه المنطقة بعد انتهاء مهمتي في المركز الانتخابي.

وصلت الى المنزل الذي سقطت عليه القذيفة.

المسكن خال يسكنه طبيب واسرته غادروا في وقت مبكر للادلاء باصواتهم ولم يعلموا حتى لحظة ذهابي للموقع ان بيتهم تعرض للقصف.

لفت نظري وجود العسكريين فقط في موقع سقوط القذيفة وسالت: اين الناس لا بد وانهم سمعوا الانفجار، حقا لم يسفر هذا القصف عن سقوط ضحايا ولكنني سمعته من موقع بعيد فكيف لم يتجمع الناس؟

وجاءت الاجابة لقد اعتاد الناس ذلك وبعض سكان المنطقة قد ذهبوا الى مراكز الاقتراع في حين ان البعض الاخر ما زال نائما!!

هذه القذيفة التي سقطت في موقع مدني تحمل رسالة واضحة من التنظيم الذي يطلبق على نفسه اسم "دولة العراق الاسلامية" هدفها ترويع السكان واثنائهم عن التوجه الى مراكز الاقتراع.

ولكن ما شهدته في مركز الاقتراع مثل رد الناخب العراقي على هذه الرسالة، ففي الوقت الذي يدلي فيه العراقي بصوته في صندوق الانتخاب يلقي فيه ايضا برسائل التهديد في سلة المهملات.

السبت 6 مارس: زيارة الى مسجد "عيسى بن مريم"

Image caption مسجد عيسى بن مريم بني عام 1993

غدا الانتخابات التشريعية العراقية، الشوارع هادئة، قوات الامن منتشرة بكثافة في كل مكان.

الهدف اليوم منطقة كامب سارة والتي تعد من الاحياء الشعبية في بغداد ونصف سكانها تقريبا من الارمن والنصف الاخر خليط من العرب (سنة وشيعة) والاكراد والتركمان ويعيشون جميعاء متجاورين في هدوء منذ زمن بعيد.

المنطقة تحمل اسم سيدة ارمنية اسمها "سارة خاتون" كانت تعيش في القرن التاسع عشر اثناء الحكم العثماني وعندما حاول الوالي فرض نفسه عليها رفضت ذلك وفرت من البلاد وقامت بجولة حول العالم.

لم يكن هدفي المنطقة في حد ذاتها بقدر ما كان زيارة احد مساجدها والذي يحمل اسم "عيسى بن مريم"، جذبتني هذه التسمية فكان لزاما القاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع.

المسجد تم بناؤه عام 1993 وقد اطلق عليه هذا الاسم ذي المكانة الخاصة لدى المسلمين وتقربا الى المسيحيين الذين كانوا يشكلون غالبية السكان في ذلك الوقت.

يقول عبد الجبار حارس المسجد "ان السكان المسيحيين الارمن كانوا يقدمون الطعام للعمال الذين يبنون المسجد، وعندما سالت سيدة مسيحية لماذا تفعل ذلك قالت هذا بيت لله".

ومن جانبه، قال مؤذن المسجد عبد الفتاح صالح والذي يعمل فيه منذ افتتاحه "انه اطلقت هذه التسمية نظرا لحب المسلمين للنبي عيسى عليه السلام"، مشيرا الى ان المسيحيين في المنطقة رحبوا بهذه التسمية ايضا.

كما قال محسن خلف ان الجميع يحب هذه التسمية للمسجد، وفي هذه المنطقة يعيش الجميع في سلام "فكلنا اخوة".

ووصف بشير محمد اسم المسجد بانه "اسم جميل وجميع الناس هنا من عرب واكراد وتركمان ومسيحيين يعيشون في سلام"، مشيرا الى ان كامب سارة لم تشهد مشاكل طائفية.

ومن جانبها، قالت اغواني غازال "اسم جميل وهل يوجد ما هو اجمل من اسم العذراء وهي للجميع".

فسالتها: الاسم اذن يلقى قبولا؟ فاجابت طبعا. فسالت وهل تلقى هذه التسمية ترحيبا؟ فاجابت "الجميع يقبل هذا الاسم".

واشارت الى ان الجميع "مرتاح في هذه المنطقة التي يتضامن فيها المسلمون والمسيحيون".

ورغم استعداد الجميع في المنطقة للحديث الا انهم كلهم رفضوا التصوير.

الجنسيات العربية الاخرى

قضية شغلتني منذ وصولي الى بغداد وهي احوال العرب من مصريين وفلسطينيين وسودانيين وغيرهم والذين توافدوا الى العراق ذات يوم بالملايين وقد غادر اغلبهم في حين استوطن من تبقى العراق.

وفي منطقة الكرادة كان اللقاء ببعضهم.

عبد الرحمن عبد الله (جزار) سوداني لم يغادر العراق منذ 20 عاما.

وقال "انني لم اتجنس ولكن حالي من حالي الشعب العراقي فانا احصل على نفس الخدمات التي يحصل عليها العراقيون".

وحول الانتخابات قال عبد الله "اتمنى ان تمر بسلام وان ينهض العراق ليعيش الناس هنا الحياة التي يستحقونها"، مشيرا الى انه تم مؤخرا حل العديد من المشاكل وان العراق يسير على الطريق الصحيح.

Image caption صابر شريف لم يغادر العراق منذ 27 عاما

صابر شريف (جزار) لم يغادر العراق منذ 27 عاما قال ايضا انه لم يتجنس "ولكنني لا افكر في العودة للسودان فانا اشعر ان العراق وطني".

وحول الانتخابات قال "اتمنى ان تتحسن الامور وتصبح افضل من الوقت الفائت واتمنى ان تستقر الحكومة الجديدة حتى تحقق انجازات للناس".

حامد السيد "موظف ويدير متجر للخضروات" لم يغادر العراق منذ 25 عاما لم يتجنس هو الاخر وقال "الله يستر على هذا البلد وينشر المحبة بين الناس".

وفي ما يتعلق بالانتخابات اعرب السيد عن امله في ان يصل الى الحكم من يجعل العراق "افضل بلد في الدنيا".

Image caption انتشرت الدعاية الانتخابية في شوارع وساحات بغداد

شارع المتنبي: الكتب والمنتديات والمثقفون

الحّ علي منذ الامس سؤال هو، كيف تحدث عمليات تفجير رغم الاجراءات الأمنية المشددة في كل انحاء بغداد؟ كان لابد من القاء نظرة عن قرب.

في الطريق شاهدت شابا عراقيا يمازح جنودا في عربة مدرعة قائلا "عيني تاكسي"، فابتسم الجنود.

إن روح الدعابة موجودة بقوة ورغم كل شيء.

ذهبت الى موقع التفجير في باب المعظم حيث استهدفت مدرسة استخدمت مقرا انتخابيا للعسكريين.

رفضت السلطات السماح لي بالتصوير او اجراء مقابلات ولكني علمت قصة النقيب فيصل.

والنقيب فيصل ضابط عراقي شاهد الانتحاري، الذي كان يرتدي زيا بدا وكانه لرجال الشرطة، يقترب من المقر الانتخابي فشك في امره وعندما ادرك الانتحاري ان امره انكشف سارع الى تفجير نفسه فالقى الضابط الشجاع نفسه عليه ليفدي بجسده ارواحا بريئة.

وبالفعل اقتصر ضحايا التفجير على قتيلين النقيب فيصل والانتحاري فضلا عن عدد من الجرحى.

شارع المتنبي

والشارع الذي يحمل اسمه في بغداد يقع في حي القشلة وهو شارع المثقفين ويضم العديد من المكتبات مثل النهضة وعدنان والعلم.

Image caption مقهى الشابندر في بغداد

ازدهر الشارع في سبعينيات القرن الماضي حيث انتزع صفة شارع المثقفين من سوق السراي.

شاهدت المئات يصطفون امام الكتب ويقبلون على شرائها بلهفة.

وفي كل جمعة تقام في المتنبي ندوة لأحد للادباء اوالشعراء اوالفنانين او السياسيين.

وكانت المقاهي التي قصدها المثقفون العراقيون في الماضي هي البرلمان والبرازيلية والزهاوي ولكن مقهى الشابندر في شارع المتنبي بات الان مقصد النخبة الثقافية والسياسية.

ووسط دخان الارجيلة والقهوة العراقية القوية تحدثت الى رواد المقهي عن الانتخابات ومستقبل العراق وقد تبانيت ردود افعالهم بيت التشاؤم والتفاؤل المتحفظ.

ولم يملك احد رواد المقهى نفسه فاجهش في البكاء وهو يحدثني عن خوفه على العراق.

غادرت الشابندر ومازال سؤال اخر يلح علي : هل مازال العراقيون متمسكين بطقوس الجمعة في الخروج للنزهة بعد تفجيرات الأمس.

قررت التوجه الى منتزه الزوراء حيث "حديقة الحيوان" وجدت العديد من الأسر ومجموعات من الشباب أمام الباب، اقتربت منهم فعلمت انهم جاءوا للنزهة في الحديقة ولكنهم وجدوها مغلقة ولن تفتح الا بعد الانتخابات.

سألتهم : الم تثنكم تفجيرات الامس عن الخروج؟ اجابوا بالنفي وقالوا "لن نجعل هذه الامور توقف حياتنا".

حارس عبد الكريم قاسم يتذكر الزعيم الراحل

الشوارع خالية والمرور انسيابي ولا غرابة في ذلك فاليوم بدات عطلة الانتخابات وبدات عملية التصويت الخاصة لرجال الامن والمرضى في المستشفيات والسجناء.

اذاعة الرشيد في السيارة لا حديث لها الا عن الانتخابات. كيف تدلي بصوتك في ورقة الاقتراع؟ برامج المرشحين التي يعرضونها بانفسهم، واغاني وطنية وقد شدني صوت قاسم سلطان القوي الجهوري وهو يغني "الدنيا ظلمة واحنا اللي نضويها".

هدفي هذا الصباح هو حي الالف دار، وفي طريقي مررت بمنطقة عشوائية تفتقد الى ابسط اسباب الحياة وعندما سالت عنها علمت انها كانت معسكرا للجيش السابق تم قصفه وقد باتت حاليا ملاذا للاجئين الفارين من العنف الطائفي.

Image caption نعيم سعيد فيصل الحارس الشخصي لرئيس الوزراء السابق عبد الكريم قاسم

هدفي في منقطة الالف دار ليس المكان وانما رجل كان ذات يوم ضمن الحرس الشخصي لرئيس الوزراء السابق عبد الكريم قاسم، اسمه نعيم سعيد فيصل وهو في الثمانين من عمره.

الرجل عبارة عن تاريخ يمشي على قدمين حدثني عن الملكية وعبد الكريم وصدام وما بعد صدام وكيف يرى المستقبل.

اشار الى بناء قاسم أحياء للفقراء مثل الالف دار والشعلة ومدينة الثورة (التي أطلق عليها مدينة صدام في الفترة السابقة ثم مدينة الصدر في الفترة الراهنة) وقيامه بتوزيع الاراضي على الفلاحين الفقراء.

قال فيصل ان الناس كانوا يحبون قاسم الى درجة انهم كانوا يحملون سيارته لدى مرورها في الشارع.

اكبر حي سكني

بعد ذلك توجهت الى مدينة الصدر وهي اكبر احياء بغداد من حيث عدد السكان (اكثر من 3 ملايين نسمة) غالبيتهم من الشيعة وكثيرون بينهم من انصار التيار الصدري.

المنطقة كبيرة مقسمة الى قطاعات مرقمة ولفت نظري الاجراءات الامنية المشددة على اطرافها اما في الداخل فلم المس اي وجود لقوات الشرطة او الجيش.

اردت ان ابدا في التصوير فحذرني مرافقي: ليس الان. فقلت له : ولكنني لا ارى احدا من جيش المهدي الذي طالما قرأت عنه. ابتسم وصمت فيما اخذت عيناه تجوبان المكان باسره.

Image caption مدينة الصدر

وصلنا مكتب "الشهيد الصدر" والشهيد الصدر هو محمد صادق الصدر والد مقتدى الصدر وكان نظام صدام قد قتل الوالد.

حدثني مدير المكتب الشيخ سلمان الفريجي عن ايجابية التيار الصدري وكتلة الاحرار التي تمثله بقراره المشاركة في الانتخابات رغم انها تجرى في ظل الاحتلال.

كما قال ان كتلة الاحرار مفتوحة امام كل من لديه استعداد لخدمة العراق مهما كان دينيه او موقفه السياسي.

تجولت قليلا في المنطقة بصحبة مرافق من مكتب "الشهيد لصدر" واستطلعت اراء بعض الشباب في المنطقة تجاه الانتخابات فجاءت اراؤهم ايجابية وراغبة في تجاوز الطائفية.

بغداد: "الدورة .. هنا كانت القاعدة!"

بدأت جولتي اليومية في بغداد منطقة الدورة التي تشمل عددا من الاحياء مثل الاثوريين والمعلمين واسيا وابو دشير والميكانيك.

Image caption الجدران الاسمنتية تعزل مناطق الدورة عن بعضها البعض

واذا كانت الجدران الاسمنتية منتشرة في انحاء بغداد فان الوضع في الدورة اكثر تعقيدا، فالجدران الاسمنتية تمزق اوصالها بالطول والعرض فتعزلها عن بعضها البعض ولكل منطقة بوابة صغيرة تحت السيطرة لدخول السكان وخروجهم.

والسبب في هذه الاجراءات الامنية غير العادية ان هذا الدورة منطقة خطرة بسبب الريف القريب الذي كان معقلا لمسلحي القاعدة وغيرهم.

منطقة عرب جبور عبارة عن بساتين تمتد على مرمى البصر حيث يكثر النخيل وما تبقى من اشجار البرتقال والليمون التي قطعت خلال المواجهات .

غادرت الدورة متجها الى المتحف العراقي بمنطقة "العلاوي" ولفت نظري ان اعلانات الدعاية الانتخابية الكثيفة ازدادت كثافة لدرجة ان بالونات اطلقت في السماء تحمل صور بعض المرشحين.

ولفت نظري ايضا اعلانات المطلوبين المطاردين من العدالة حيث انتشرت على الجدران منشورات الامن التي تطلب مساعدة المواطنين في اعتقال مسلحين. وهذا امر عادي قد يحدث في اي مكان في العالم لكن الفريد في بغداد ان بعض هذه اللافتات في حجم لافتات الافلام فوق دور السينما!!

المتحف

لدي قناعة بانني كي افهم الحاضر واستتشرف المستقبل علي البحث عن مفاتيح ذلك في الماضي، ففكرت في استطلاع رأي فئة معينة (رواد المتاحف) في الانتخابات ورؤيتهم لمستقبل العراق.

Image caption لا زوار في المتحف العراقي

وهنا وجدتها فرصة للقاء احد المسؤولين في المتحف لمعرفة اخر تطورات عملية استعادة الاثار العراقية المنهوبة فضلا عن القاء نظرة عن قرب على تاريخ وحضارة العراق.

المسؤولة التي اتفقت معها على اللقاء لم اجدها فقد غادرت لحضور اجتماع ما ربما يكون انتخابيا كما سحب مني امن المتحف الكاميرا والمحمول ولكنني قررت اكمال الزيارة.

المتحف العراقي مكون من 26 قاعة لم يكن مفتوحا منها سوى 10 قاعات فقط ويوجد في المتحف اثار تمتد الى العصر الحجري مرورا بفجر السلالات والاكدي والكوتي والسومري الحديث والبابلي القديم والاشوري القديم والكاني والاشوري الوسيط والبابلي الحديث والاخميني والمقدوني والسلوقي والفرثي والساساني وانتهاء بالاسلامي.

كانت صدمتي الكبرى هي عدم وجود زائر واحد في المتحف. كنت وحيدا تماما، سألت عن بوسترات او كتيبات فلم أجد.

وعندما سألت عن كيفية اعداد موضوعي في هذه الحالة دون وجود ناس او بوسترات، جاءت الاجابة احضر موافقة مكتوبة عن الموضوع وسنحضر لك ناس من الشارع!!

فسألت: ولماذا لا يوجد زوار؟ فجاءت الاجابة: بسبب الوضع الامني والانتخابات. فسألت : ولكنهم كثيرون في ابي نؤاس وفي الشوارع والمقاهي والمطاعم فلماذا لا يأتي هؤلاء للمتحف؟ لم يجبني احد.

وفي المتحف غرفتان للاثار التي تمت استعادتها احداها لتلك التي تم استعادتها من داخل العراق والاخرى لما تم استعادته من الخارج. وهنا وجدت اثارا استعيدت من اماكن لا تخطر على البال مثل بيرو!!

وفي طريق الخروج وجدت زائرا يدخل هرعت اليه انه اجنبي. لا يهم سأحدثه واصوره وكانت المفاجاة انه زميل صحفي ربما جاء لنفس السبب الذي جئت من اجله.

غادرت يمزقني الحزن ومررت بساحة الخلاني حيث يتجاور مسجدان منذ زمن بعيد الاول الخلاني (شيعي) والثاني عبد القادر الكيلاني (سني). وحين وصلت الى منطقة كامب سارة لفت انتباهي مسجد آخر يحمل اسم "عيسى بن مريم".

2 مارس 2010 - "فسيفساء" الشعب العراقي

انطلقت باتجاه حي القادسية، اللافتات الانتخابية تغطي مساحات كبيرة في جميع الشوارع والميادين.

لفت نظري كثرة المرشحات في الانتخابات الحالية وبعضهن لا يرتدين الحجاب وذكرت الانباء ان احداهن جميلة جدا لدرجة انها تشتت انتباه السائقين مما تسبب في وقوع حوادث مرورية في بغداد.

كما اشتهرت تلك اللافتة التي وضعتها مرشحة لم تشأ وضع صورتها فوضعت صورة زوجها بدلا منها!!

الشعارات الانتخابية كثيرة ومتنوعة وذات وقع شديد أحيانا، ومن بين الشعارات التي قرأتها "لا يعرف البناء الا من ضحى بالدماء"، و"انتخبوا محطم اصنام البعث"، و"حملنا الكؤوس ورفعنا الرؤوس وبكم نحمي النفوس" والشعار الاخير لمرشح كان لاعب كرة سابق وعلى غرار هذه الشعارات الكثير.

وفي الحقيقة ان الشعب العراقي يتسم، رغم هذه الجدية الظاهرة، بخفة الدم حيث انتشرت النكات الانتخابية مثل تلك التي تقول (انتخبوا كتلة الفلافل شعارنا لفة "ساندويتش" لكل مواطن، هدفنا القضاء على الكص (الشاورمة) والدجاج، رقم القائمة 750 وهذا الرقم هو سعر الساندويتش!!

مكونات الشعب

المجتمع العراقي البالغ تعداده نحو 30 مليون نسمة غني التنوع من حيث أعراقة وديانته وطوائفه واتجاهاته.

Image caption المندى الصابئي في حي القادسية ببغداد

في حي القادسية الذي زرته اليوم يوجد "المندى" أي المعبد الصابئي. والصابئة المندائيون من الإقليات الدينية في العراق.

عددهم في العراق حاليا نحو 20 الفا بعد ان نزح منهم الى سورية حوالي 10 الاف فرارا من تهديدات المسلحين كما قال خالد امين المسؤول الاعلامي عن الطائفة.

والمندائيون هم اتباع يوحنا المعمدان وكتابهم المقدس هو "كنزربا" الذي يفتح من اليمين واليسار على حد سواء بمعنى انه ليس له النهاية فالدين ليس له نهاية من وجهة نظرهم. وهم يمارسون طقوسهم عند الانهار الجارية.

ويقول خالد امين انهم يعانون التهميش ولا يوجد من يهتم بقضيتهم من بين جميع الكتل السياسية في العراق.

تقصير حكومي

وفي القادسية ايضا التقينا الوزيرة السابقة باسكال وردا "مسيحية اشورية" وهي ناشطة حاليا في مجال حقوق الانسان والتي نددت باستهداف المسيحيين في الموصل وقالت "اننا لا ننظر الى الوعود الانتخابية وانما الى التنفيذ".

كما اكدت وردا ان هناك تقصيرا من جانب الحكومة في حماية الاقليات الضعيفة التي باتت مستهدفة.

Image caption إحدى الكنائس في العاصمة العراقية

ودعت المرشحين الجدد الى التحلي بالمسؤولية تجاه جميع المواطنين العراقيين.

واشارت الى ان عدد المسيحيين في العراق حتى عام 2003 كان مليون و300 الف تقلص حاليا الى نحو 700 الف.

وفي حي زيونة والذي لاحظت انتتشار الكنائس فيه التقينا الاب مخلص والذي تحدث عن التهميش الذي تعاني منه الطائفة معربا عن امله في ان تسفر الانتخابات عن مزيد من الاهتمام بالاقليات.

أما الأيزيديون فيقطنون مناطق في شمال العراق قرب الموصل ولهم مقعد واحد فقط في البرلمان العراقي عن لائحة التحالف الكردستاني وقد تعرضت هذه الطائفة للهجمات من قبل مسلحين.

لقد اتسم العراق ومنذ فجر التاريخ بتنوع كبير وفريد في فسيفساء الشعب، هذا التنوع الذي كان دائما مصدر ثراء حضاري لهذا البلد العريق، ولكن للاسف بات كل ذلك مهددا والامل معقود على الانتخابات القادمة بان تسفر عما يعيد الامور الى نصابها.

1 مارس 2010: أبو نؤاس شارع السهر العراقي!

انطلقت بصحبة زملاء للقاء مسؤول يقع مقرة في المنطقة الخضراء، وهي أكثر المناطق المحصنة في بغداد وتوجد فيها المقرات الرئيسية للحكومة والسفارتان الأمريكية والبريطانية.

رحلة طويلة مليئة بالحواجز الامنية قبل ان نصل الى المقر الذي انتظرنا امامه زميلا آخر، فضلا عن انتظار الاذن بالدخول الى المقر. طال الانتظار وازداد القلق.

امام هذا المقر عشرات المواطنين ممن لهم شكاوى او من الباحثين عن عمل وتذكرت هذا المشهد حيث يعتبر امثال هؤلاء هدفا للارهابيين.

بين هؤلاء رجل مقعد بينهم وهو فقد ساقه في انفجار عبوة ناسفة خلال عمله في صفوف الامن وقد جاء يشكو انه لم يحصل على مستحقاته حتى الان.

اخيرا جاء الاذن بالدخول حيث تم تفتيشنا سبع مرات قبل الوصول الى مكتب المسؤول بما يعكس الهاجس الامني المخيم على المكان.

حدثنا المسؤول عن خطة تأمين العملية الانتخابية وكيف اثبتت طريقة الاطواق الامنية نجاحها والمقصود بها دوائر التفتيش التي تبدا باللجنة الانتخابية ثم تتسع مشيرا الى نجاح التجربة العراقية في مكافحة الارهاب والتي تستعين بها افغانستان في الوقت الراهن.

كما اكد انه سيتم استخدام تكنولوجيا متطورة سيعلن عنها لاحقا في العمليات الامنية خلال الانتخابات مشيرا الى ان هذه الاجراءات لها ما يبررها ومدللا على ذلك بان انتحارية لم تتردد في تلغيم مصحف خلال محاولتها تفجير احد المراقد.

الكاظمية والاعظمية

ثم انطلقنا الى حي الكاظمية (الشيعي) وتأتي تسميته نسبة الى سابع أئمة الشيعة، الامام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق.

الوصول لم يكن سهلا فهناك العديد من الحواجز الامنية التي تنتهي بسور يحيط بمنطقة المرقد.

لكننا لم نكد نتجاوز السور حتى جاء النداء عبر راديو امن السور بالغاء مهمتنا. وقد صدر الأمر من قبل الامن المعني بالمنطقة رغم حصولنا على موافقة جهة امنية اخرى بالدخول!

يربط حي الكاظمية بحي الأعظمية (السني) جسر الائمة الذي شهد قبل سنوات تفجيرات انتحارية اودت بحياة الكثير من الشيعة.

وحي الاعظمية ينسب الى الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان حيث يوجد مرقده.

أخيرا اضطررنا الى مغادرة هذه المنطقة ذات المكانة الدينية الخاصة لدى كل من الشيعة والسنة حيث توجد المراقد وتكثر المساجد وحيث سالت الكثير من الدماء.

ابو نواس

ذهبت الى شارع ابو نواس على نهر دجلة والذي ينسب الى الشاعر ابو الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس وهو من اشهر شعراء العصر العباسي.

Image caption مقهى في شارع أبو نواس الشهير في بغداد

ويمتد هذا الشارع على ضفاف نهر دجلة وتكثر فيه المقاهي والنوادي الليلية التي تسهر حتى الفجر متحايلة على حظر التجول المفروض من الساعة الثانية عشرة وحتى الرابعة فجرا بالبقاء مفتوحة من الثامنة مساء وحتى الرابعة فجرا وبالتالي يبقى روادها بها ما بين الثانية عشرة والرابعة غير قادرين على المغادرة. ومن يريد ان يغادر؟

كما ينتشر في هذا الشارع المطاعم التي تقدم السمك المسكوف ذلك الطبق العراقي الشهير.

رواد المقاهي هنا يدخنون الارجيلة ويشربون "الحامض" وهو مشروب عراقي عبارة عن ليمون مجفف مغلي.

شعرت بالاسترخاء في ابي نواس وزال توتري الذي نجم عن اعطال الانترنت والقلق من الانتظار في الشارع والاجراءات الامنية التي ليس لها نهاية والاماكن التي شهدت سيلا من الدماء.

شرعت في الحديث مع عدد من رواد احد المقاهى فاخذ التوتر يتسلل الى نفسي مجددا.

28 - 02 - 2010: جولة بين كهرمانة والأربعين حرامي و"وريث صدام"!

صباح الخير يا بغداد..

قررت في اليوم الثاني لوصولي للعاصمة العراقية القيام بجولة في انحاء هذه المدينة والتي تعد من أكثر المدن العربية ازدحاما حيث يبلغ تعدادها 6.5 مليون نسمة وتمتد على مساحة شاسعة في وسط العراق.

وتضم المدينة العديد من الأحياء مثل المنصور والأعظمية والكاظمية والجادرية والدورة والكرادة.

ويشمل حي الكرادة منطقتين .. الكرادة الداخل حيث كهرمانة والأربعين حرامي والكرادة الخارج وهي منطقة تجارية مزدحمة.

والكرادة من الكرد وهو وعاء جلدي كبير كان يلقي في مياه دجلة ويسحب مملوءا بالمياه، ولأنه كان وعاء كبيرا فقد كان يسحب بحمار. (اي حي السقايين)

وتبدأ منطقة الكرادة الداخل بتمثال كهرمانة جارية علي بابا في الحكاية المعروفة "علي بابا والأربعين حرامي"، وهكذا تأبى احلام الف ليلة وليلة ان تتركني في بغداد.

وجدت الحياة عادية في شوارع الحي، فالناس يمضون الى اعمالها والأطفال يذهبون الى مدارسهم.

لفت نظري طفل يقفز من سور مدرسته سارعت اليه، التف حولي أطفال كثيرون تحدثت اليهم عن احلامهم وآمالهم ارتفعت ضحكاتهم، التقطنا صورا للذكرى وودعوني باللهجة المصرية قائلين "مع السلامة يا باشا" فوجئت ثم تذكرت تاثير الدراما المصرية الممتد من المحيط الى الخليج.

اردت التنقيب في مشاكل العراقيين والذين يعانون من انقطاع متكرر للكهرباء مما ادى الى انتشار المولدات في كل مكان، فضلا عن نقص حاد في مياه الشرب مما دفع الكثيرين الى حفر آبار في بيوتهم او الاعتماد على المياه المعدنية مع ما يمثله ذلك من عبء على ميزانية المواطن العراقي.

يحدث ذلك رغم المخزون الهائل للنفط العراقي ووجود نهري دجلة والفرات في هذا البلد.

Image caption دعايات الحملة الانتخابية في بغداد

وبالمناسبة فان الاسعار مرتفعة بشكل كبير بالنسبة للمواطن في الوقت الذي يعاني فيه الدينار العراقي انخفاضا كبيرا حيث يعادل الألف دولار نحو مليون دينار عراقي.

ذهبت الى المناطق الشعبية حيث كامب سارة والبتاوين (والبت هو الخيط اي انه حي النساجين).

والمنطقة الاولى تنسب الى سيدة ارمنية احبها الوالي العثماني في القرن الثامن عشر فتصدت لمحاولاته بشجاعة، اما المنطقة الثانية فكان يسكنها اليهود وجاء بعدهم السريان ثم سكنها السودانيون.

وفي ساحة الفردوس حيث كان يوجد تمثال صدام حسين والذي اسقط في مشهد شهير بعد الغزو شاهدت "وريث" او مكان تمثال صدام حسين والذي مثل لي لغزا محيرا..

فقد اقيم في ساحة الفردوس تمثال مستوحى من الفن التشكيلي او التكعيبي ولم افهم ما المقصود منه بالضبط، وهل يعبر هذا الشكل "الانبعاجي" عن مرحلة صدام ام ما بعد صدام؟

وفي مكان غير بعيد شاهدت مقر الحزب الشيوعي العراقي والذي يصدر صحيفة طريق الشعب، وتذكرت كم كان اليسار قويا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتساءلت عن مدى تواجده على الساحة السياسية في العراق حاليا.

وهنا ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح..

27 - 02 - 2010

بغداد: موعد غرامي.. بالخوذة والسترة الواقية من الرصاص!

منذ طفولتي وقعت في هواها حملني بساط الريح وعالم الف ليلة السحري الى هناك.. الى عاصمة هارون الرشيد بغداد.

كانت بغداد في طفولتي مسرحا للكثير من أحداث عالمي الخيالي ومن هنا كانت بداية علاقتي بالمدينة.

وتقدم العمر بكلينا (بي وببغداد) وقد شهدت العاصمة العراقية خلال العقود الأخيرة الكثير من الاحداث وصار حبي لها أكثر نضجا ووعيا وألما.

حلم الطفولة ووعي الشباب من خلال القراءة والمتابعة عبر وسائل الاعلام المرئية والمسموعة هذه هي الأسس التي بنيت عليها علاقتي ببغداد التي لم ارها ابدا من قبل.

الحلم يتحول الى حقيقة

"هل تذهب الى بغداد لتغطية الانتخابات العراقية؟" عندما طرح علي رئيس تحرير موقع بي بي سي العربية هذا السؤال لم اتردد في الموافقة، فهل يمكن ان اضيع فرصة لقاء حلم الطفولة؟

حملتني الطائرة الى العاصمة الأردنية عمان التي وصلتها في ساعة متأخرة من الليل حيث لم أنم سوى ساعة واحدة قبل ان استقل الطائرة متجها الى بغداد.

ومن نافذة الطائرة نظرت الى المدينة الشاسعة فيما سيطرت علي مشاعر متضاربة بين الشوق واللهفة والقلق، هي مشاعر أقرب الى مشاعر العاشق حينما يلتقي معشوقته.

ولم تكد قدماي تطآن أرض المطار حتى توالت الصدمات..

المطار شبه مهجور لم اشاهد فيه سوى عشرات من العمال الآسيويين القادمين الى العراق.

الاجراءات الأمنية مكثفة حيث العديد والعديد من الحواجز الأمنية التي كان علينا أن نمر بها قبل ان اصل الى مقر إقامتي.

وحتى السيارة التي حملتني الى مقر اقامتي اقرب الى سيارة السجون التي كنت اراها تقل السجناء على كوبري 6 أكتوبر في مصر ولطالما تساءلت عن مشاعر هؤلاء السجناء وهم يمسكون بالقضبان وينظرون الى الاحرار الذين يسيرون في الشارع (وكنت حينئذ واحد منهم) لقد فهمتها أخيرا فلاشك انها أقرب الى شعور الفأر في المصيدة.

والأدهى انه كان علي ان احمل في علبة الكبريت التي اقلتني والتي يطلقون عليها تجاوزا سيارة خوذة وسترة واقية من الرصاص.

تلصصت عيناي خارج نافذة السيارة لاشاهد المئات من اللافتات الانتخابية وعندما سألت اين نحن؟ جاءت الاجابة شارع أبو نواس فتساءلت هل يمكن ان ازوره ليلا؟ وكانت الاجابة بالنفي. صدمة أخرى.

وصلت غرفتي حيث القيت الخوذة والسترة الواقية من الرصاص. آه يا بغداد جئتك حاملا ذكرياتي عن هارون الرشيد والفتيات الحسان ولكن يبدو ان هناك من لم ينس ابدا انك أيضا بلد مسرور السياف ويبدو ان معهم كل الحق في ذلك.