النجف تنافس قم على مركز الريادة الشيعية

تشهد مدينة النجف العراقية انتعاشا في السياحة الدينية للمسلمين الشيعة، ويقصدها اسبوعيا الاف الايرانيين لزيارة مرقد الامام علي، فهل يمكن ان تزيح النجف مدينة قم الايرانية عن مكان الريادة الدينية للطائفة الشيعية؟

Image caption يزور مرقد الامام علي الملايين من الشيعة سنويا

ما ان دخلنا فناء المقام، حتى خفت صخب الشارع وضوضاؤه وسمعنا صوت الغناء وايقاع ارتطام قبضات اليد على الصدور.

وانحنى مئات الرجال على الارضية المغطاة بالسجاد يرددون "علي، علي، علي"، وهم يتبعون حادي المنشدين الملتحي الواقف امامهم محركا ذراعيه منظما الانشاد.

فيما كان زوار اخرون يجوبون المكان متهامسين فيما بينهم او يبتهلون في صمت. لكن لم يكن اداء هؤلاء هو ما يميزهم عن غيرهم في الخارج.

فالانشاد نفسه بدا غريب اللحن، واقل حدة من تلك اللغة التي تسمعها في الشارع، فما كانوا ينشدون بالعربية، بل بالفارسية: انعم واكثر تنغيما.

كان المبتهلون ايرانيين، من بين الاف الزوار الاتين من مدن مثل طهران واصفهان وقم يؤمون النجف كل اسبوع الى مقام مدفن الامام علي.

فقد قتل علي ابن ابي طالب هنا في القرن السابع الميلادي بطعنة سيف من الخلف وهو يؤم اتباعه في الصلاة.

وشكل مقتله نقطة هامة في صراع الهيمنة على الاسلام الذي عقب وفاة النبي محمد وما زال صداه يتردد الى اليوم.

Image caption يبتهل الايرانيون بلغة انعم واكثر تنغيما

وعند المسلمين الشيعة، يعتبر عليا الامام الاول ووريث الخلافة، وجعل دفنه هنا من النجف لسنوات طويلة مركزا ثقافيا للشيعة.

الا انه منذ نهاية السبعينات، تضافر عاملان ليدفعا بالمدينة نحو الانحدار.

الاول هو الصراع السياسي في البلاد بعد حكم صدام حسين واثره على المراكز الدينية، خاصة للطائفة الشيعية، والاخر هو الثورة الاسلامية في جارة العراق من الشرق.

ففي عام 1979 اصبحت ايران دولة دينية وتخلت النجف عن مكانتها لصالح قم الايرانية التي احتلت مكانة الريادة الدينية للطائفة الشيعية.

اما الان، فهناك شعور قوي بالتغيير في اجواء النجف.

ففي صباح ذلك اليوم زرنا منزلا عاديا في شارع جانبي بالمدينة لا تعرف باهمية ساكنه الا من حراس مسلحين بالكلاشينكوف.

كان ذلك بيت الشيخ محمد اليعقوبي، واحد من خمسة ايات الله في جوار المقام.

وقال الشيخ وهو يجلس في مكتبه هادئا يظهر بياض لحيته وعمامته واضحا في تضاد مع ثوبه البني الطويل: "لم تفقد المدينة اهميتها ابدا، قد تتنافس مدن اخرى مع النجف وقد ينحسر دورها لكن اهمية النجف لم تتضاءل ابدا".

ويبدو الشيخ اليعقوبي واثقا تماما من ان النجف تستعيد الان دورها المركزي بالنسبة للطائفة الشيعية. ويحمل الصراع بين المدينتين ابعادا اكثر من تنافس ايات الله على النفوذ.

فالسؤال: "النجف ام قم؟" يعني الاختيار بين نظرتين متباينتين تماما للعالم. فعلماء ايران بقاعدتهم في قم يتوجون منحى نفوذ يمتد من الدين الى السياسة.

من ناحية اخرى يقول اية الله اليعقوبي ان القيادة الدينية في النجف تفعل ما بوسعها لتبقى بعيدة عن السياسة، او ما يسميه "صراع السلطة".

Image caption ياتي الزوار بالاموال والاعمال الى المدينة

وفي مناخ مشحون بالطائفية قبل الانتخابات العامة في مارس/اذار يقاوم هو واقرانه من ايات الله ضغوطا هائلة كي يعلنوا تاييدهم لاحزاب سياسية شيعية.

وعوامل الجذب في النجف قوية وازدادات بعد حكم صدام حسين، وملايين الزوار الذين ياتون اليها سنويا يجلبون المال ويوفرون الوظائف، ويقول وكلاء السفر العاملين في السياحة الدينية ان اعمالهم لم تكن يوما بهذا الازدهار.

وينفق بعض المال على توسعة الحرم نفسه، فخلف مجمع المسجد وفي ظلال القبة الذهبية التي يكاد بريقها في الشمس يعمي العين، تستمر اعمال الانشاء.

ويعمل الحفارون على قدم وساق واضعين اسس ابنية جديدة تزيد من قدرة النجف على استيعاب مزيد من الزوار.

ومع ارتفاع اذان صلاة الجمعة، تدفق الالاف الى صحن الحرم الداخلي ليلمسوا او يقبلوا قبر الامام علي.

وهؤلاء زوار من انحاء العالم، وتعكس الوان ثيابهم وعمائمهم المختلفة اختلاف الالوان المزينة لجدران المقام.

من هنا تبدو النجف على طريق صعود لايقاوم سواء فيما يتعلق باقتصادها او دورها كمركز ديني وثقافي.

الا ان النظرة من طهران قد تكون مختلفة، فنمو النجف يعني تحديا لسلطة قم الدينية ما يعني التقليل من سلطة ونفوذ الدولة الايرانية كزعيمة سياسية وروحية للطائفة الشيعية في العالم.