ألغام مميتة من أيام معركة العلمين

حقول ألغام في منطقة العلمين
Image caption تخفي الطبيعة الصحراوية للمكان الألغام المدفونة هناك

كانت معركة العلمين التي دارت رحاها بين قوات الحلفاء وقوات المحور عند الحدود المصرية الليبية إحدى نقاط التحول في مسار الحرب العالمية الثانية لكن حجم الذخيرة التي خلفتها لا تزال تتسبب في قتل وإصابة السكان المحليين، وفق مراسل بي بي سي كريستيان فرايزر في مصر.

وجد عرب الصحراء أنفسهم في الواجهة رغم أنهم كانوا مجرد متفرجين. لقد شاهدوا على مدى آلاف السنين معارك ضارية خاضتها جيوش جرارة قدمت إلى أراضيهم من مناطق مختلفة.

لقد كان بدو الصحراء مجرد رعاة يعتنون بجمالهم وغنمهم وماعزهم عام 331 قبل الميلاد عندما حشد الإسكندر الأعظم جنوده وعبر بهم رمال بلاد ما بين النهرين أي العراق اليوم وغزا نصف بلاد فارس.

وفي عام 1942، كان أحفاد بدو الصحراء لا يزالون يمارسون نشاط رعي حيواناتهم عندما شاهدوا جيوش القائد البريطاني، مونتجمري والقائد الألماني روميل الجرارة تخوض معركة العلمين خلال الحرب العالمية الثانية.

واليوم لم يعد بدو الصحراء مجرد متفرجين بل أرغموا على التحول إلى محاربين في بلاد أجدادهم يكافحون أسباب الموت والإصابة.

ورغم أن قوات الحلفاء والمحور انسحبت منذ زمن من منطقة شمال أفريقيا، فإن تركتها المميتة لا تزال حاضرة بقوة إذ خلف الجنود المتقاتلون وراءهم ملايين الألغام والقنابل التي تنتظر دون كلل مرور الرعاة وأبناءهم غير الحذرين لتنال منهم.

لقد أدرك القادة العسكريون آنذاك أن ليس ثمة حواجز طبيعية تقي جنودهم في تلك البيئة القاحلة، ومن ثم لجأوا إلى تحصين مواقعهم بملايين الألغام.

واليوم لا توجد خرائط دقيقة بشأن حقول الألغام التي خلفتها القوات المتقاتلة بسبب الرمال المتحركة والرياح العاتية. ومن ثم، ليس بالإمكان رؤية الألغام المدفونة في الرمال المتحركة.

وعندما يكتشف البدو حقول ألغام، فإن أقصى ما يقومون به هو وضع علامات من الحجارة في المكان تنبيها للآخرين.

وتشير الإحصائيات المتوافرة إلى أن انفجار الألغام خلف في غضون السنة الجارية أربعة جرحى وقتيلا واحدا.

ولا يقبل أي بلد من البلدان تحمل مسؤولية وجود ألغام غير منفجرة هناك وذلك بسبب الخوف من اتخاذ السكان المحليين إجراءات قانونية ضده والمطالبة بالتالي بالحصول على تعويضات.

تعويضات

Image caption يحمل أب الفتاة بريطانيا مسؤولية وجود الألغام

من يتحمل مسؤولية البتر الذي لحق بالفتاة الصغيرة مايا التي لا يتجاوز عمرها 11 عاما؟ لقد كانت تعشق ممارسة رياضة كرة القدم ولم تترد في ركل ما اعتقدت أنه مجرد قطعة قصديرية لا أكثر لكن الجسم الغريب انفجر وأدى إلى بتر قدميها الاثنين.

لقد تورمت رجلاها الآن ربما بسبب إصرارها على المشي إلى المدرسة التي تبعد بمسافة ساعتين سيرا على الأقدام.

تقول مايا إنها لم تعد تقدر على الركض ولم تعد تقوى على اللعب مع الأطفال الآخرين مثلما لم تعد قادرة على الذهاب إلى المدرسة بسبب التعفن الذي أصاب رجليها.

يقول أبوها إن ابنته تجلس عند باب المنزل وتبكي، مضيفا أن الحزن يستبد بها في حين يسيطر عليه الغضب.

ويضيف الأب قائلا إنه يشكر الله على أن ابنته لا تزال على قيد الحياة رغم أنه يشعر بالغضب لأن حياته دمرت. ويتابع أنه كان يملك بعض رؤوس الماشية لكن أبناءه يرفضون الذهاب إلى الحقول المجاورة للرعي بسبب خوفهم من المخاطر التي تنطوي عليها.

ورغم أن اللغم قد يكون إيطاليا أو ألمانيا، فإن والد الفتاة يحمل بريطاينا مسؤولية ذلك.

وهناك اعتقاد بأن آلاف البدو قتلوا أو جرحوا جراء انفجار الألغام لكن هذه الحالات لم تدون.

وهناك مجموعة تمثل نحو 660 جريحا جراء الألغام المدفونة في الرمال تطالب بمنح تعويضات لهم. وليست هناك سابقة قانونية بشأن مقاضاة ضحايا الألغام لدولة أجنبية.

الحكومة البريطانية

Image caption لا يُعرف عدد الإصابات منذ عام 1942

لكن المجموعة اتصلت بالحكومة البريطانية التي قالت إنها تساهم بنحو 15 مليون دولار في السنة بهدف تنظيف المناطق التي زرعت فيها الألغام حول العالم.

منذ السنوات العشر الأخيرة، أصبح الجيش المصري يتحمل المسؤولية بمفرده عن إزالة مخلفات الحرب من منطقة العلمين الغنية بالموارد الطبيعية.

وتحفل المنطقة بكميات كبيرة من الغاز الطبيعي، وتقول الحكومة المصرية إن المنطقة بها 4.8 مليارات برميل نفط ما قد يرفع احتياطات البلد إلى الضعف.

واستطاعت الشركات النفطية العالمية التي نجحت في إزالة مخلفات الحرب من المنطقة في تحقيق بعض المكاسب النفطية.

وكانت قوات الحلفاء لا ترى أمامها قبل معركة العلمين سوى الهزيمة أمام قوات المحور لكن بعد المعركة لم تذق سوى طعم النصر.

لكن بالنسبة إلى البدو المحليين فإن انتهاء المعارك لم يكن سوى بداية حمام الدم إذ رغم مرور نحو 70 عاما على معركة العلمين، فإن الحرب العالمية لم تنته بعد في نظرهم.