عثرة جديدة في طريق العلاقات الإسرائيلية البريطانية

جوازات السفر
Image caption إسرائيل أكدت أنها لن تستخدم جوازات سفر بريطانية في أي من عملياتها

قررت الحكومة البريطانية طرد دبلوماسي إسرائيلي بسبب استخدام جوازات سفر بريطانية مزورة في اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي.

وكانت الحكومة البريطانية قد فتحت تحقيقا في هذا الشأن في فبراير/شباط الماضي.

بريطانيا استخدمت لهجة معتدلة عندما أعلنت عن قيام السفير الإسرائيلي في لندن رون بروسور بالتوجه إلى مقر وزارة الخارجية البريطانية.

وقال بيان صادر عن الوزارة إنه "نظرا لصلة إسرائيل بعدد من الرعايا البريطانيين الذين تضرروا من جراء القضية سوف يكون هناك اجتماع بين وكيل وزارة الخارجية البريطانية الدائم والسفير الإسرائيلي " فلغة الخطاب تركت انطباعا بأن هذه كانت دعوة لا استدعاء.

في فبراير عندما تم فتح التحقيق لم تكن الفرصة ولا الظروف مواتية لأن تتخذ بريطانيا رد فعل سريعا، فكان ذلك الوقت هو الأنسب لطرح الأسئلة ،وليس اللجوء إلى الاحتجاج واتخاذ إجراءات انتقامية " مثل المطالبة باعتذار أو الحد من الاتصالات بين البلدين أو طرد السفير لبعض الوقت".

وكيل وزارة الخارجية البريطانية كان واضحا مع السفير الإسرائيلي وطلب تعاون إسرائيل الكامل مع لجنة التحقيق البريطانية ولكن الأمر سيصبح مشكلة كبيرة إذا ما ثبت أن الموساد متورط في القضية، فإسرائيل حينها لن تكشف الكثير مما لديها .

لذا فإن الأمر برمته يتوقف على معني كلمة "التعاون" التي طلبته بريطانيا من إسرائيل حيث أن أي فشل يتعرض له مثل هذا التعاون بالطبع سيثير رد فعل بريطاني.

وعود

في عام 1987 تعهد الإسرائيليون بريطانيا بأنهم لن يستخدموا جوازات سفر بريطانية في أي عملية سرية وذلك في أعقاب قضية العثور على جوازات سفر بريطانية تم التعرف على شخصية أصحابها وهم عملاء للمخابرات الإسرائيلية الموساد داخل كابينة هاتف في ألمانيا الغربية.

"يهودا افنير" الذي كان يعمل سفيرا لإسرائيل لدي بريطانيا في ذلك الوقت تحمل العبء والحد من ضغط الاحتجاجات البريطانية التي قد تكون أكثر وطأه وشدة هذه المرة إذا ثبت أن إسرائيل قد نقضت عهدها.

ومن الممكن أيضا أن تمارس بريطانيا ضغوطا على بعض الدول الأوروبية التي لها صلة بالقضية مثل أيرلندا وفرنسا وألمانيا لاتخذا موقف حازم ضد إسرائيل.

عادات إسرائيلية

ويبدو أن هذه الأحداث وتورط الموساد بمثل هذه القضايا أصبح عادة إسرائيلية ففي عام 2004 غضبت نيوزيلندا من اسرائيل بعد أن تم الكشف عن استخدام اثنين من عملاء الموساد جوازات سفر نيوزيلندية ،فاتخذت نيوزيلاندا قرارا حينها بتجميد العلاقات الدبلوماسية ولكنها استأنفت بعدها بعام بعد اعتذار الجانب الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر أمرت في عام 1987 بإغلاق مكتب الموساد في لندن لبعض الوقت ،وهو ما تحوم حوله الشكوك بأنه نفذ بالفعل، بعد اختطاف العالم النووي الاسرائيلي مردخاي فعنونو إلا أن ذلك لم يؤثر على دعم ومساندة تاتشر لإسرائيل في الوقت المناسب.

ومما لا شك فيه أن بريطانيا لن تتردد في طلب العدالة إذا تم العثور على أدلة ضد إسرائيل هذه المرة ولكن الطرفين لا يبغيان تصعيد الوضع بشكل كامل.

رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون متعاطف غالبا مع إسرائيل وهناك علاقات استخباراتية ومعلومات متبادلة بين الطرفين يحتاج كليهما إلى الحفاظ عليها في ظل التهديد الذي يواجه البلدان من قبل المتطرفين.

علاقة صعبة

Image caption شرطة دبي تقول إن المبحوح قتل في غرفته بأحد فنادق دبي

القضية قد تكون إحدي العثرات التي لطالما شابت العلاقات البريطانية الإسرائيلية على مدى عقود.

تاريخ هذا العثرات قد يعود حتى إلى ما قبل تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948 فنادرا ما كانت العلاقات بين الطرفين سهلة واتسمت بالتناقضات والاستياء المتبادل.

الوعد التاريخي الذي صرح به وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور في عام 1917 بأن بريطانيا ستؤسس "وطنا قوميا للشعب اليهودي" في فلسطين مؤكدا في الوقت ذاته بعد تأثر قائمة الطوائف غير اليهودية من الوضع وحصولهم على حقوق مدنية ودينية تبين أنه من المستحيل الوفاء به.

وفي عام 1936 وجدت بريطانيا نسفها مضطرة لاخماد ثورة عربية فلسطينية ولكن الأمر لم يتوقف على ذلك فتعرضت قواتها للهجوم من قبل جماعات يهودية تريد طرد بريطانيا من فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية "على الرغم من أنه داخل صفوف الجيش البريطاني كان هناك لواء من اليهود البريطانيين" ولم تجد بريطانيا مفرا بعد ذلك فانسحبت من فلسطين في غضب عارم.

الإسرائيليون شكوا من أن بريطانيا تراجعت عن تنفيذ وعد بلفور ورفضوا مفهوم الحل القائم على دولتين وفرضوا قيودا على هجرة اليهود الذين كانوا يتعرضون حينها للقتل على أيدي النازيين.

الاعتماد على الولايات المتحدة

لسنوات كان من الممكن ملاحظة وجود شبح عداء مستتر بين الخارجية البريطانية وإسرائيل.

فبريطانيا أجلت الاعتراف باسرائيل كدولة لمدة ثمانية أشهر أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد اعترفت في غضون دقائق.

تستطيع أحيانا أن تلمح شبح تلك العداوة في لندن ولكنها أشباح فقط وليست سياسة واضحة جلية.

شهدت العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل في الخمسينات والستينات تحسنا وفي الواقع كانت بريطانيا وفرنسا هما المصدران الرئيسيان لتأمين حاجتها من السلاح وليس الولايات المتحدة.

إسرائيل انتصرت في حرب عام 1967 بطائرات فرنسية ودبابات بريطانية وحتى عندما حاولت إسرائيل غزو مصر في عام 1956 تواطأت بريطانيا وفرنسا معها في الأمر ولكن تدخل الولايات المتحدة أفشل هذا العدوان.

ثم جاء عام 1973 ليشهد نقطة رئيسية في العلاقات بعد أن وجه رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ادوارد هيث صفعة قوية لإسرائيل بحظر بيع الأسلحة لإسرائيل والدول المشاركة في الحرب ومنذ ذلك الحين حولت إسرائيل وجهتها واعتمدت على الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم تعد إسرائيل تضع ثقتها في أي حكومة أوروبية منذ ذلك الحين على الرغم من استحسانها لنواياهم.

الأوروبيون يحاولون تحقيق التوازن بين دعمهم لاسرائيل كدولة وتعاطفهم مع الفلسطينيين كشعب ولكن عليهم أيضا أن يضعوا اعتبارا لعلاقاتهم مع العالم العربي ككل.

هذا هو حال العلاقات بين أي طرفين فيمكن أن تتحول إلى علاقة شائكة حتى في أفضل الأوقات.

في الوقت الحالي هناك خلاف آخر على الساحة بالإضافة إلى قضية دبي، الخلاف هو أن النظام البريطاني يسمح للقضاة باصدار اوامر اعتقال بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإسرائيل تتهم الحكومة البريطانية بأنها كانت بطيئة للغاية لتدارك مثل هذا الوضع .

إن حادث مثل قضية دبي وجوزازات السفر المزورة تجعل من الحفاظ على توازن العلاقات أكثر صعوبة في الوقت الحالي