صلاح الدين: دبي الواقعة بين "شاذية و "سونابور"

Image caption صلاح الدين: احلم بزيارة ابنتي ولكن المشكلة في المال والاجازة

الكثير من الكتابات ظهرت حول دبي عقب الأزمة المالية التي ألمت بالمدينة خلال العامين الماضيين. لكن تلك الكتابات ركزت في معظمها على البعد الاقتصادي الجاف للأزمة من ناحية تأثيرها أو تأثرها بأزمة اقتصادية أكبر انتابت العالم. وهنا أتت فكرة تلك السلسلة التي تركز على تأثير الأزمة المالية الطاحنة على سكان دبي التي تابعت بي بي سي العربية حياتهم عن قرب لعدة أسابيع.

صلاح الدين

العمالة الأجنبية ليست بالمظهر الجديد في دبي ولم ترتبط بظهور النفط كما حدث في مناطق الخليج المجاورة التي بدأ اكتشاف النفط فيها في القرن العشرين.

فجنسيات كثيرة أتت إلى دبي حتى منذ القرن التاسع عشر، حينما هاجرت عائلة آل مكتوم إلى تلك المنطقة القاحلة الواقعة حول خور دبي الذي بات فيما بعد ممرا تجاريا وسياحيا وجذب العديد من الأجانب بغرض العمل والتجارة.

لم يختلف الوضع كثيرا منذ نشأة دبي، اللهم إلا مع زيادة العمالة الأجنبية حتى وصلت نسبتها إلى 90 في المئة من إجمالي عدد السكان.

من بين هؤلاء العمال صلاح الدين الذي جاء من دبي في 2006 بعد تجربة مريرة في السعودية.

"في السعودية، لم تدفع لي الشركة مرتبي لعدة شهور، مما دفعني إلى العودة إلى بلدي بنجلاديش قبل المجىء إلى دبي ... بعد دفع عشرة آلاف درهم لشركة التسفير والتوظيف."

يعمل هذا الشاب الذي يبلغ عمره ستة وعشرين عاما حارس أمن في أحد فنادق دبي بمرتب يصل إلى 1500 درهم.

ورغم غلو الأسعار وارتفاع مستوى المعيشة في دبي، إلا أن الوضع يبقى أفضل من بنجلاديش بكثير.

"في بنجلاديش لا توجد فرص عمل، قد تحصل على مرتب يبلغ 100 دولار إن كنت متعلما. حتى ذلك المبلغ قد لا يتوافر بسهولة هناك".

"أرسل نصف مرتبي إلى أسرتي في بنجلاديش. الأسرة في أمس الحاجة إلى ما يصلهم، حيث أبي الذي لا يعمل وأخواتي الثلاث الذين يحتاج زواجهم في المستقبل إلى مال كثير"

"أما النصف الآخر من الراتب فيذهب إلى مصاريفي هنا مثل شراء كروت الاتصال الهاتفي مع الأسرة."

يحرص صلاح الدين على هذا التواصل مع الأسرة التي يفتقدها كثيرا منذ آخر زيارة له منذ حوالي العامين.

"ابنتي لم أرها"

"لدي ابنة اسمها شاذية. أريد أن آراها، لكن المشكلة في المال وكذلك في الحصول على إجازة."

حصول صلاح الدين على إجازة ليس أمرا سهلا، حيث يضطر إلى العمل طوال الشهر باستثناء يوم أو يومين فقط يقضيهما بصحبة أحد أصدقائه أو البقاء في معسكر "سونابور" حيث يسكن مع بقية العمال.

المعسكر يبدو أفضل حالا من معسكرات العمال الآخرى التي أكسبت دبي سمعة سيئة على الأقل في الإعلام الغربي.

في المعسكر، يعيش ستة أفراد في غرفة واحدة ويشترك المئات في دورات المياة والمطبخ الذي تبعث منه رائحة توابل أطعمة أهل جنوب شرق آسيا التي قدم منها معظم العمال.

"مصريون وأردنيون"

Image caption يعيش صلاح الدين في معسكر "سونابور" الذي يعني باللهجة البنجالية "مدينة الذهب"

لم تعد جنسيات العمال تقتصر على الأسيويين كما كانت الحال لسنوات طوال. ففي خلال زيارتنا، وجدنا عمال مصريون وأردنيون رفضوا التقاط أي صور لهم.

"أهلي في مصر لا يعرفون أنني أعيش في مكان كهذا،" يقول شاب مصري في منتصف الثلاثينات رفض ذكر اسمه.

"أهلي لديهم صورة أخرى عن دبي." يضيف واقفا أمام غرفته، حيث وجدنا بعض الأجهزة الكهربائية الكمالية مثل جهاز ميكرويف المجهز للشحن إلى قريته الصغيرة في دلتا مصر.

لكن شكوى العمال الأساسية هنا من الأجور التي كرررها الكثير منهم.

"هنا في المعسكر يعيش نفرات من الهند وباكستان وبنجلاديش ... كلهم صنعوا دبي لكنهم مازالوا يحصلون على 500 درهم فقط ... لا يوجد زيادة في المرتبات ناهيك عن تأخر صرفها في الشهور الماضية"

"نحصل على أقل المرتبات في دبي. نحن القادمين من جنوب شرق آسيا."

"أريد أن أقول للشيخ محمد الذي افتتح برج دبي الأعلى في العالم، أننا قمنا ببناء البرج بمرتب لا يزيد عن 500 درهم".

العمال العرب في المعسكر أيضا يشتكون من قلة الرواتب.

"ربما أوضاع العمال الأسيويين أفضل بسبب فارق العملة، لكن بالنسبة لي كمصري المرتب الذي يصل إلى 1000 جنيه مصري لا يكفي لإعالة أسرتي التي أعولها."

وقد شهدت دبي في السابق احتجاجات للعمال ضد أوضاعهم المعيشية ، ووعدت الحكومة حينها بتحسين تلك الأوضاع وزار الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي بعضا من تلك المعسكرات. وربما تغير الوضع للأفضل كما يبدو في معسكر "سونابور".

يقول صلاح الدين: "في المعسكر، هناك تكييف وتلفاز، بل وملعب لكرة السلة وكرة اليد. أنا مبسوط هنا."

لكن معسكرات أخرى بقيت كما هي. في واحد منها، القمامة تنتشر في كل مكان، ودورات المياة قديمة مليئة ببقايا أعمال البناء.

"شغل نوم .. شغل نوم"

على الجانب المقابل لتلك المعسكرات على طريق الشيخ زايد الرئيسي، يوجد جانب آخر من دبي حيث الأبراج العالية والفنادق الفخمة ومراكز التسوق العملاقة.

معظم الزائرين من الأوروبيين والعرب.

عرضنا على صلاح الدين أن نأخذه إلى جانب من المدينة الذي لا يعرفه وزيارة برج دبي الذي يتطلب دفع رسوم تصل إلى حوالي ثلث راتبه الشهري

"لا استطيع أن أرى من هنا معسكر العمال الذي أسكن فيه. الغيوم تنتشر في السماء لتمنع ذلك."

لكن سعادة صلاح الدين كانت بالغة.

"أنا موجود هنا في دبي منذ ثلاث سنوات. هذا أول يوم تسلية لي مئة في المئة. خلال الثلاث سنوات أنا لا أروح إلى أي مكان ... شغل نوم شغل نوم."

رغم فرحة صلاح الدين بيوم الإجازة وزيارة البرج، إلا أنه عبر عن حزنه لعدم وجود زوجته وابنته التي لم يرها حتى الآن.

"في دبي، كل شىء غالي الثمن لا استطيع أن أحضر أسرتي هنا خاصة وأن ذلك يتطلب سكن خاص وأن ابنتي تريد مصاريف للالتحاق بالمدرسة بعد ثلاث أو أربع سنوات."

في نهاية اليوم، عاد صلاح الدين إلى معسكر "سونابور" الذي يعني باللهجة البنجالية "مدينة الذهب" أو "مدينة القضيب"

"لا أعرف كيف جاءت التسمية من هناك إلى هنا، ربما لأن كل من يعيشون هنا رجال دون نساء على الإطلاق ... ربما."

يمكنكم متابعة حياة الشخصيات في الفيلم الوثائقي الذي يعرض على شاشة بي بي سي العربية فيبرنامج "مالايقال" يذاع يوم السبت بمعدل مرة كل اسبوعين من تلفزيون واذاعة بي بي سي عربي ،وذلك في الساعة 2110 بتوقيت غرينتش ويعاد يوم الخميس في الموعد نفسه.

يمكنك المشاركة في الحلقة بارسال سؤالك او تعليقك او تجربتك نصياً عبر الاستمارة على يسار الصفحة.

ويمكنك أيضا المشاركة في البرنامج مباشرة عبر الهاتف بالاتصال بهذا الرقم 442077650211

أو بأ رسال رسالة نصية على الرقم التالي 44790040407

لقراءة حكايات شخصيات الفيلم الاخرى اضغط على الروابط المرفقة :

المهندس المصري: احمد الدسوقي

رجل الأعمال البريطاني "الشيخ" كيفن دريبر

رجل الأعمال الإماراتي : سعيد لوتاه