دور دبي الذي لا ينكر في كشف تفاصيل عملية اغتيال المبحوح

جوازات بريطانية في عملية دبي
Image caption ظن من استخدموا جوازات خمس دول غربية انهم لن يكتشفوا

تلك مدينة من اكثر مدن العالم فخامة، بناطحات السحاب العالية فيها وفنادقها المبهرة. الا ان دبي تشتهر الان بدورها الذي لا ينكر في عملية الاغتيال التي تكاد تكون منسوخة من رواية جاسوسية.

والمثير في العملية انها سجلت بالكامل على كاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان في دبي.

وعلى مدى ثمانية اشهر، تنقل 27 شخصا من والى دبي عبر تسع دول مختلفة وهم يخططون لقتل رجل واحد: محمود المبحوح.

واغتيل المبحوح، العضو البارز في حركة حماس الفلسطينية المتشددة المعادية لاسرائيل، في 19 يناير/كانون الثاني.

تتبعت خطى فريق الاغتيال في ارجاء دبي، من مراكز التسوق التي التقوا فيها الى الفنادق الفخمة التي اقاموا فيها، حتى ممر الدور الثاني في الفندق الذي اغتيل المبحوح في غرفته رقم 230.

كان 12 من فريق الاغتيال يحملون جوازات سفر بريطانية لاشخاص يعيشون في اسرائيل، اما الجوازات المزورة الاخرى التي استخدمت فكانت فرنسية والمانية وايرلندية واسترالية.

وكان الرابط بين الجوازات واسرائيل هو ما جعل دبي واثقة من البداية بنسبة 99 في المئة ان اسرائيل هي من يقف وراء اغتيال المبحوح.

وفي يوم انكشاف العملية سجلت كاميرا مراقبة صورة منسقة الفريق، وهي امرأة شقراء تتحرك بجواز سفر ايرلندي باسم جيل فولارد، وهي تحجز في احد الفنادق الفخمة.

اقمت في احدى الغرف الانيقة في ذاك الفندق، على مقربة من الغرفة التي اقامت فيها جيل، واطلعت على فاتورة حسابها ولاحظت انها طلبت وجبة خفيفة من خدمة الغرف في الساعات الاولى من صباح يوم تنفيذ العملية.

وربما تظن، من طريقة تصرفها التي سجلتها الكاميرات، انها لم تكن تدري انه يجري تصويرها ـ لكن هذا ظن خاطيء.

كانت جيل مدركة تماما لوجود الكاميرات وهي تدخل الحمام في فندق اخر لتغير ملابسها تماما وترتدي شعرا مستعارا داكنا.

وكانت عمليات التخفي تهدف الى تضليل من سيشاهد الكاميرات، لكن فريق الاغتيال اساء تقدير قدرة شرطة دبي على تحليل الاف الصور في اعقاب العملية وكشف اسرارها.

حظوظ

وفي الثالثة و25 دقيقة من بعد ظهر يوم الاغتيال، تحول الاهتمام الى فندق اخر: البستان روتانا قرب المطار.

عندئذ كان محمود المبحوح، الذي يقول الاسرائيليون انه تاجر سلاح يشتري الصواريخ لحماس لتطلقها على اسرائيل من غزة، يحجز الغرفة 230 في الفندق.

وفي الساعات القليلة التالية يمر 13 من فريق الاغتيال عبر بهو الفندق ذي الارضية الرخامية التي تتوسطها نافورة بشكل كرة ارضية.

وبينما كان المبحوح في طريقه الى غرفته، تتبعه شخصان في ملابس رياضة التنس داخل المصعد ليعرفوا رقم غرفته. كانت الغرفة في الطابق الثاني وبعيدة عن الشرفة التي تطل على منطقة مفتوحة.

وسجلت كاميرا المراقبة احد المتخفين في زي لاعب تنس، دون ان يبدو رياضيا على الاطلاق، وهو يستخدم جهازا يرسل به رقم غرفة المبحوح الى الفريق.

لم يتواصل فريق الاغتيال مع بعضهم البعض مباشرة، بل عبر مركز اتصال في مكان ما في الخارج.

Image caption ابلغت حماس دبي بشكوكها على الفور

عندئذ حجز الفريق الغرفة المقابلة لغرفة المبحوح مباشرة، ولحسن حظهم كانت الغرفة رقم 270 متاحة.

ثم اجتمعت جيل وفريق اغتيال من اربعة اشخاص يحملون حقائب ومنسق اخر في الغرفة 270 بانتظار هدفهم بينما كان ثلاثة فرق مراقبة تقوم بمراقبة البهو.

اخطاء

اقمت في غرفة مطابقة لغرفة المبحوح، ولاحظت الديكور البسيط والقفل الاليكتروني على باب الغرفة. ولاحظت ان هناك حركة شبه دائمة في الخارج، من عمال نظافة ورواد وغيرهم من العاملين في الفندق.

ومع ان هناك مخاطرة في اي تصرف يثير الشبهات في ذلك الممر، تظهر تسجيلات الفندق انه في الساعة 8 مساء ذلك اليوم عبث شخص ما بالقفل الاليكتروني للغرفة 230.

ويعتقد ان جانبا من فريق الاغتيال دخل الغرفة وبقي ينتظر الهدف.

وفي الثامنة والنصف عاد المبحوح الى غرفته، وخلال ربع ساعة كان قد قتل.

الا ان قاتليه ارتكبوا خطأ فادحا.

فقد حقنوه بمادة تعمل على ارخاء العضلات كانت كفيلة باصبته بالشلل ومن ثم توقف التنفس.

لكن يبدو انهم ارتبكوا، او كانوا في عجلة من امرهم، وخشية انكشافهم قاموا بخنقه بوسادة.

وتركت عملية الخنق اثرا ظهر في التشريح فيما بعد وادى الى اكتشاف اثار المخدر في دمه، وموضع ابرة حقن في رجله.

لكن مع ذلك الاكتشاف كان القتلة قد رحلوا واصبحوا في مكان بعيد آمن، وتقول شرطة دبي ان ذلك المكان هو اسرائيل.

خيانة

ومن اجواء دبي المبهرة، انتقلت الى ارض غزة المقفرة والمغطاة باثار الدمار لاتقصى اكثر عن المبحوح.

وفي احد المخيمات، التقيت عائلته وهي تؤبنه معتبرة اياه قائدا مقاوما وشهيدا.

وقال والده عبد الرؤوف المبحوح: "للامانة كنا نتوقع خبر موته"، واضاف: "كان الاسرائيليون يتعقبونه لسنوات".

لكن لو كانت اسرائيل هي المسؤولة عن اغتياله، فعلى الارجح لم تكن وحدها.

فالعداء المستحكم بين الفصيلين الفلسطينيين فتح وحماس ربما ادى الى تعرض المبحوح للخيانة من بين اهله.

توضح كاميرات المراقبة من مطار دبي لقاء شخص عربي باحد افراد فريق الاغتيال قبل قليل من وصول المبحوح، وتحتجز شرطة دبي شخصين فلسطينيين على علاقة بحركة فتح.

ويشكون ايضا ان تحركات المغدور ربما تم تسريبها من شخص في حركته حماس.

وقالت والدته فاطمة بمرارة: "االكلاب العرب خانوه، والموساد اجهزت عليه".

تشفي

في مدينة عسقلان، على بعد اميال قليلة من غزة، بيت عائلة سعدون التي اثكلها المبحوح قبل عقدين من الزمان حين قتل جنديا اسرائيليا عائدا الى بيته.

فعلى مقابلة على قناة الجزيرة العام الماضي ذكر المبحوح انه قتل ايلان سعدون ودفن جثته.

وقالت اخته مازال هوتا: "عانينا كثيرا لنحو 21 عاما، ولا يهمني من قتل المبحوح لكني اود ان اشكرهم من اعماق قلبي".

ارتكب القتلة غلطة اخرى حين استخدموا جوازات من خمس دول غربية ظنا منهم انهم لن يكتشفوا ابدا.

ومع ان اسرائيل لا تنفي او تؤكد انها مسؤولة عن العملية الا الاسرائيليين في شوارع تل ابيب قالوا لي كم هم فخورون بالموساد.

ووقعت عملية الاغتيال في وقت عطلة اسرائيلية معروفة بارتداء الملابس الغريبة. وهذا العام اختفت ملابس التنس والشعر المستعار وقمصان شعار الموساد من ارفف المحلات.

كل ذلك رغم استمرار الخلافات الدبلوماسية حول الجوازات المزورة وطرد دبلوماسي اسرائيلي من السفارة الاسرائيلية في لندن.

وفي دمشق اجرت بانوراما اول مقابلة مع خالد مشعل حول مقتل قائد حماس العسكري.

وقال مشعل ان الاجراء البريطاني وان كان مرحبا به لكنه ليس كافيا.

واضاف ان "رد فعل الدول الغربية لم يتناسب مع الجريمة ... واحذر الغرب من ان يأخذ تلك الجريمة بخفة"، وقال انه اذا كانت اسرائيل من القحة بما يكفي لارتكاب تلك الجريمة فان دولا اخرى ومواطنيها قد يجدوا انفسهم هدفا لها ايضا.

ويعرف خالد مشعل ما يحكي عنه، فقد كان ضحية محاولة اغتيال قامت بها الموساد عام 1997.

وقال: "هذه جريمة ضد الانسانية، وضد الاخلاق وضد القانون الدولي"، ووصف العملية بانها "ارهاب اسرائيلي واضح".