رولا الأيوبي: تغطية الانتخابات العراقية حققت حيزاً من أحلامي المهنية

رولا الأيوبي
Image caption غطت رولا العديد من الصراعات المسلحة خلال مسيرتها المهنية

هذه الرحلة هي الاولى لي إلى العراق. كنت متابعة لأخبار العراق منذ فترة طويلة وشعرت ان الوقت قد حان لمعرفة المزيد.

كان لدي تصورعام بفضل ما قرأته وشاهدته من صورعن الوجود الامريكي والجدران الاسمنتية. غير ان المشهد على ارض الواقع فاق كل تصوري، رأيت احياءً صغيرة لا يتجاوز بعضها اكثر من خمسة أبنية، يحيط بها الجدار وباتت كالأقفاص وبلا أفق.

كان الحال كذلك حتى في داخل المنطقة الخضراء، التي لا يمكن دخولها بدون أذن او مرافق، غير ان جدرانها كانت مزخرفة بالرسوم واللوحات البابلية والسومرية، على عكس المناطق الفقيرة التي بقيت جدرانها مهملة وقذرة.

المحلات الصغيرة في الشارع المؤدي الى وزارة التخطيط التي تقبع خلف الجدار، باتت محجوبة عن المارة بسبب الجدار، وعلى الزائر الإلتفاف حول الجدار لإيجاد منفذ اليها.

اكتشفت كم هي شاسعة حديقة ابو نؤاس التي تمتد على كيلومترات عدة بالقرب من النهر. وسوق الشورجة الشهير، وشارع المتنبي الذي تعرض لاكثر من عملية تفجير في السنوات القليلة الماضية.

لفت انتباهي ايضاً مدى ثقل وطأة الاحداث على كاهل العراقيين، وعجزهم عن ازاحة ولو جزءاً منها، كان الوضع مشحوناً.

هذا الاحساس أعرفه جيداً من تجربتي في لبنان حيث عشت الحرب الاهلية بين عامي 1975 - 1990، وهي مرحلة كانت جزءاً من طفولتي، مراهقتي وأول شبابي. الشعور بالتوجس والريبة من وقوع انفجار في أية لحظة أو الخروج دون معرفة ما إذا كانت هناك عودة.

اكثر ما عرقل مسار عملنا في بغداد كان الاجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها السلطات العراقية وسط جو الحذر الدائم.

كان لدى بي بي سي العربي اذناً سارياً لتغطية الانتخابات التشريعية العراقية منذ نوفمبر 2009، وفي شهر يناير/ كانون ثاني - قبيل الانتخابات – أصدرت وزارة الاعلام العراقية تعميماً يسمح لكافة وسائل الاعلام اجراء المقابلات والتصوير في الاماكن العامة.

انطلقنا للبدء بعملنا. أول ما مر بنا كان استيقافنا على حواجز الشرطة والجيش مطالبين برسالة خاصة كانت قد أصدرتها عمليات بغداد التي لم يكن لدينا علم بها.

هذا الارباك الواضح بين الدوائر الحكومية العراقية نفسها استدعى قضاء ساعات من الانتظار عند حواجز التفتيش في منطقتي الأعظمية والكاظمية -على الأخص- بأعتبارهما من المناطق المستهدفة بحسب وصف السلطات العراقية.

كنا نضطر الى التفاوض اكثر من مرة مع الشرطة والجيش العراقيين للسماح لنا بالقيام بتغطياتنا، وفي أحدى المرات استوقفتنا ثلاث دبابات عسكرية، وبعد مفاوضات مطولة تمكنا اخيراً من إقناع الضابط المكلف بضرورة استئناف عملنا.

السلطات العراقية كانت تخشى من وقوع اعمال عنف واسعة النطاق في العراق من أجل تعطيل الانتخابات، وقد كانت هناك محاولات فعلا لكنها غير موفقة.

وقد حددت السلطات مركز الاقتراع في حي الكرادة كالموقع الوحيد الذي يسمح لوسائل الاعلام تغطيته، على أعتبار ان هذه المنطقة بعيدة نسبياً عن الاحداث الكبرى. وعلى الرغم من كل الاحتياطات الامنية سقط عدد من قذائف هاون على مقربة منها.

كنت اطمح الى أن ارسل الى مقر القناة في لندن ثلاث تقارير يومياً للبث على التلفزيون والراديو والنشر في موقعنا الالكتروني، لكن الصعوبات على الارض كانت هي العامل الأساسي الذي يتحكم في نتاجنا، علاوة على الاجراءات الامنية الاخرى التي تفرضها بي بي سي على مراسليها لضمان سلامتهم، والتي كانت احياناً تحد من حركتنا.

رغم كل العوائق، بأمكانني القول أنني كنت اكثر حظاً من غيري من المراسلين الاجانب بحكم اللغة، وتمكنت من التواصل وتقديم التغطيات والتقارير المطلوبة.

لا شك في أن العراق مر وقد يكون لا يزال بمرحلة حرب أهلية. لكن مع هذا يسمع المرء من طرفي النزاع مقولات تصب في ما معناه "نحن شعب واحد وبلد واحد يجب ألا يكون لهذا الخوف من الآخر وجود. أن من يقوم بهذه الاعمال الارهابية ليس منا من هذا الطرف كنا أم من ذاك..بل هم مدسوسون او عصابات".

ثمة عدم رغبة في التصديق بأن من الممكن أن يكون هذا العمل بيد اخ عراقي، بالرغم من أن ما يجري على الارض يوحي بعكس ذلك.

أفغانستان

قمت ايضاً بتغطية الانتخابات في افغانستان عام 2009، وللانتخابات معنى مختلف لدى الأفغان عما هوعليه لدى العراقيين، فتجربة الانتخابات في أفغانستان حديثة العهد، بينما مرت على العراق تجارب كثيرة.

انطباعي الاول عن افغانستان كان انها عالم آخر مختلف تماماً. تقع كابول حوالي 2000 متر فوق سطح البحر، وهي في معظمها جبال ورمال مع شح في الماء و الكهرباء. طرقاتها متعرجة غير معبدة.

أعتقد أن محك العمل الميداني هو نقل الوقائع، وهذا بالنسبة لي هو العمل الصحافي الذي اطمح ان امارسه بشكل دائم. كل تغطية اقوم بها هي تجربة اضافية تعلمني كيف اكون وفية للمعلومة، ان انقل تجربة شخص آخر بأسلوب موضوعي، وان أتفهم معاناة أي طرف بدون أن تتأثر موضوعية وتوازن التغطية.

ثمة قصة تكمن وراء اي مكان أذهب اليه، كابول كان أم بغداد ام بيروت، و أي انسان أتحدث اليه.

تخلف الحروب الاهلية التي تعصف بالشعوب وراءها حساسية معينة نتيجة الصراعات الطائفية أو العرقية أو الطبقية تجعل الانسان في ريبة من أخيه الانسان، بالرغم من الجهود المبذولة لتجاوز ذلك الخوف. هكذا كان الحال في بغداد. فمن الصعوبة بمكان تناسي ان ثمة من قاتل شريكه في الوطن في يوم من الايام.

الانتخابات الامريكية وبيروت في 7 مايو /أيار

وكأن الانتخابات رفيقة دربي المهني. قبل العراق وافغانستان، ساهمت في تغطية الانتخابات الرئاسية الامريكية الاخيرة عام 2008 التي فاز بها أوباما. وفي سياق هذه التغطية زرت اكثر من 10 ولايات كانت نتائجها كفيلة بتحديد الفائز. كانت تجربة غنية جداً، فالولايات المتحدة بلد شاسع يستغرق المرء في تغطيته عمراً!

وبعد الولايات المتحدة مررت بتجربة نوعية لم تكن في الحسبان. اثناء عودتي من واشنطن لزيارة الاهل في لبنان قبل العودة الى لندن. بدأت اشتباكات في بيروت فجأة وبدون سابق انذار. لم تكن الاجواء في لبنان تشير إلى أن البلد على حافة اشتبكات بهذا العنف. أغلق المطار. شاركت مع الزميلة ندى عبد الصمد في تغطية الاحداث.

لم يكن ذلك اول صراع مسلح اقوم بتغطيته، حيث قمت بتغطية معارك بين الجيش اللبناني وتنظيمات أصولية في شمال لبنان جرت في عام 2000 اثناء عملي في اذاعة محلية في لبنان

_______________________________________________________

تخرجت رولا الأيوبي من كلية الحقوق ونالت دراسات عليا في الصحافة، التحقت بالبي بي سي العربي في اوائل 2004 كمنتجة ثم بدأت في تقديم الاخباربعد فترة وجيزة. وفي عام 2005 نقلت الى برنامج بي بي سي أكسترا على الراديو، كانت ضمن الفريق التأسيسي مع الزميل سمير فرح ومجموعة من المنتجين. كانت رولا المذيعة الاساسية لسنة ونصف في البرنامج ثم انتقلت الى واشنطن كمراسلة لمدة عام ونيف. عادت بعدها الى لندن كمذيعة اخبار ومقدمة برامج على الراديو.