مصر: لغة الرصاص الحي مع المتظاهرين

متظاهرون أمام مجلس الشعب في 6 ابريل
Image caption متظاهرون أمام مجلس الشعب في 6 ابريل

يبدو أن الفترة المتبقية على إجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر، ستحفل بالعديد من التفاعلات السياسية والإجتماعية التي ستشكل دائما محورا للجدل.

أقرب الأمثلة بهذا الخصوص ،التصريحات التي أدلى بها أعضاء في مجلس الشعب، يدعون فيها إلى إطلاق الرصاص على المتظاهرين في حال إستخدامهم العنف ضد الشرطة.

جاء ذلك خلال جلسة مشتركة للجنتي حقوق الإنسان والأمن القومي خُصصت لمناقشة المصادمات التي وقعت قبل أسبوعين بين رجال الأمن وشباب حركة 6 أبريل، إثر محاولات الحركة تنظيم مسيرة للمطالبة بتعديل الدستور، آنذاك قوبل الأمر بتعامل أمني صارم، حيث أُجهضت المسيرة وأُعتقل العشرات من منظميها قبل أن تعود السلطات لإطلاق سراحهم بأمر من النيابة العامة.

"حنان الأمن"

على أن ماجرى لشباب 6 أبريل لم يكن كافيا برأي بعض البرلمانيين، الذين إعتبروا أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هؤلاء الناشطين بحنان بالغ.

من بين أصحاب هذا الرأي النائب نشأت القصاص عضو مجلس الشعب عن محافظة شمال سيناء، الذي فجر القضية بمطالبته إطلاقَ النارعلى المتظاهرين في حال إستخدامهم العنفَ ضد الشرطة، كما أيده في مطلبه النائبان أحمد أبو عقرب ( الحزب الوطني الحاكم ) والنائب رجب هلال حميده ( حزب الغد).

ويبدو أن النواب الثلاثة لمحوا ضوءا أخضر في تصريح أدلى به اللواء حامد راشد مساعد أول وزير الداخلية، قال فيه ( إن القانون يعطي قوات الأمن حق إطلاق الرصاص على المتظاهرين، إذا أخلوا بالنظام وعرضوا الأمن للخطر).

"إعتصامات شرعية"

إتصلت هاتفيا بالنائب نشأت القصاص وطلبت لقاءه، فوافق على الفور وحدد لي موعدا أمام بوابة مجلس الشعب، كان الطقس حارا في القاهرة، لكن ذلك لم يمنع مئات المعتصمين على الرصيف المقابل للمجلس من ترديد هتافات شتى ،تطالب الرئيس حسني مبارك ونجله جمال بالتدخل لحل مشاكلهم التي تتراوح بين صرف مستحقات مالية متأخرة وتثبيتهم في أماكن العمل.

إنشغلت في متابعة الهتافات بينما كنت أنتظر قدوم النائب القصاص.توقفت عند هتاف يقول ( يا نظيف أوعى تنام..هنجيلك في الأحلام!)..ينذر أصحاب الهتاف وهم موظفون في شركة حكومية رئيس الوزراء أحمد نظيف بأنهم سيلاحقونه بمطالبهم حتى في منامه.

على جانب آخر من الرصيف، افترش الأرض عشرات من ذوي الإحتياجات الخاصة في إعتصام دخل شهره الثاني للمطالبة بتحسين أحوالهم المعيشية..اللافت أن الجميع يحرص على ترديد هتافات موازية تشيد بالرئيس مبارك مقابل أخرى تنتقد الحكومة بشدة.

باتت تلك الصور جزءا أساسيا من المشهد المصري ، الذي يُسجل فيه تعامل هين من الأجهزة الأمنية مع إعتصامات العمال والموظفين،التي أخذت طابعا شرعيا وقانونيا، بينما تفرض نفس الأجهزة حظرا على المظاهرات التي يسعى منظموها إلى أهداف سياسية.

"القصَّاص والرصاص الحي"

كان المعتصمون يهتفون (لا إله إلا الله) عندما خرج النائب نشأت القصاص من بوابة مجلس الشعب..سألته عن تصريحه بينما يراودني خاطر بأنه سيتراجع متحججا بتحريف كلماته من قبل وسائل الإعلام كما يفعل بعض السياسيين عندما يشعرون بوقوعهم في ورطة.

لكن القصاص بدا واثقا وهو يكرر كلماته ( القانون يكفل التظاهر،مع وجود بعض القيود، منها إستخدام العنف من المتظاهرين..في هذه الحالة يجب أن يضربوا بالرصاص الحي وليس المطاطي!..أنا مازلت عند رأيي لأن هؤلاء يريدون إشعال النار في البلد!)

في ذات المكان إلتقيت لاحقا مع يسري بيومي عضو مجلس الشعب عن كتلة الإخوان المسلمين، الذي عبر عن دهشته إزاء موقف القصاص ( إنه أمرٌ غريب..الشرطة تضبط نفسها فهل يعقل أن يحرضها نائب عن الشعب ضد الشعب؟!..هذه كلمات تنذر بخطر شديد وتمنح المواطن مبررا ليفقد الثقة في نواب حزب الأغلبية وفي الحكومة عموما).

"رسائل محددة "

إهتمام غير عادي أولته الصحف المعارضة والمستقلة لتلك القضية، بينما خلت الصحف الحكومية من أي إشارة لتصريحات القصاص التي يرى فيها المحلل السياسي عمار علي حسن في حديثه للبي بي سي رسائل معينة ( النظام الحاكم يستشعر ضعفا ما ، لذا يريد إرسال رسائل دقيقة ومحددة بأنه لن يتهاون أو يتسامح مع محاولات الخروج عليه أو الضغط عليه).

وبما أن مصر تشهد حاليا حراكا سياسيا غير مسبوق، يطرح العديد من المراقبين أسئلة ملحة حول كيفية التعامل الأمني مع المعارضة في المستقبل القريب.