الانتخابات البريطانية: مشاهدات موفدنا

موفدنا أمان الله حسام يكتب انطباعاته عن الانتخابات البريطانية خلال جولة يجوب فيها بعض مناطق في المملكة المتحدة ويرصد لنا جوانب مختلفة لهذا الحدث الهام.

الجمعة 30 أبريل/ نيسان - العالم في لندن

بعد عودتي من جولتي في ويلز واسكتلندا، والتي تعرفت فيها على الكثير من الامور عن هذين البلدين في شمال وجنوب غرب بريطانيا، كان علي أن أتجول في لندن مجددا للحديث مع اللندنيين عن انطباعاتهم وآرائهم عن الانتخابات العامة.

Image caption رغم أن لندن هي عاصمة بريطانيا لكن العالم كله هنا

ورغم أني أعرف الكثير عن العاصمة التي أعيش فيها منذ سنوات إلا أنني وجدت صعوبة كبيرة في الحصول على أصوات أهل لندن، والسبب بسيط: عندما اخترت ميدان ترافلجر الشهير وسط لندن لاجراء مقابلاتي اكتشفت أن غالبية من أوقفتهم كانوا من السياح الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم لرؤية معالم لندن، وأن العثور على لندنيين أو انجليز لم يكن بالامر السهل!

عندما أقارن هذا الموقف مع الوضع في اسكتلندا وويلز حيث لم يكن من الصعب مطلقا العثور على الويلزيين أو الاسكتلنديين رغم التنوع العرقي الموجود أيضا في البلدين. لكن لا مكان مثل لندن، فعندما يتعلق الامر بالتنوع في الاجناس، فإن لندن هي العالم.

نظرة سريعة داخل أي قطار للانفاق تؤكد هذا التصور، ركاب من عدد كبير من الاعراق داخل العربة الواحدة، والاقلية من الانجليز في أحيان كثيرة.

أما آراء الناس فتنوعت بشكل كبير بتنوع اهتماماتهم وربما بلدانهم الاصلية، فكرت حينئذ أنه ربما استحال على المرء أن يرصد آراء الناس حول قضية من القضايا بشكل حقيقي في بلد كبريطانيا.

فعندما سألت اللندنيين عن الرسالة التي قد يرغبون في توجيهها إلى رئيس الوزراء البريطاني القادم تحدث بعض عن قضايا داخلية مثل التعليم والصحة والضرائب، وطالبه كثيرون بالامانة والنزاهة، فيما جاءت اهتمامات قسم ثالث، ربما اقل عددا، متعلقة بالسياسة الخارجية مثل الحرب في افغانستان.

الخميس 29 أبريل/نيسان - بلاد التنين الأحمر على حدود إنجلترا

Image caption ستاد الالفية في كارديف

"كوريسو إيي جمري" أو مرحبا في ويلز باللغة الويلزية أو الويلش، نعم لغة خاصة جدا تميز أهل ويلز وتمنحهم شعورا بالفخر بكونهم ويلزيين. كل ذلك على داخل المملكة المتحدة وليس خارجها، بل وعلى بعد اقل من ساعة بالسيارة.

قبل وصولنا إلى كارديف، عاصمة ويلز، في الجنوب الغربي لبريطانيا، قادمين من شمال الجزيرة من جلاسجو في اسكتلندا لاستطلاع اراء الناس حول الانتخابات، واجهنا موقفين: الاول عندما كان علينا تغيير القطار في منتصف المسافة لاستكمال الرحلة جنوبا. لكن بدلا من ذلك ركبنا القطار العائد لجلاسجو وشاء القدر ان أسأل أحد الركاب امامي قبل تحرك القطار بدقيقتين. المهم تمكنا في اللحظة الاخيرة من انزال حقائبنا ونحن غير مصدقين لما حدث.

الموقف الثاني حدث لدى وصولنا لمحطة كارديف، حيث اكتشفت زميلتي إليس أنها فقدت تذاكر السفر التي يجب إظهارها قبل الخروج من المحطة. لاحظ الموظف حالة الارتباك والبحث ونحن نقف امام ماكينات التذاكر فجاء نحونا مستفسرا وسمح لنا بالمرور متجاوزا القواعد بعد أن شرحنا له الظروف وأننا قدمنا من اسكتلندا. لكن المهم في ذلك كان تعليقه حيث قال – ربما مازحا – سأتجاوز عن ذلك فقط لانكما قدمتما من عند الاسكتلنديين من عرقية الكلت وليس من انجلترا !!

التنين الاحمر والهوية

علم ويلز الذي يتوسطه التنين الاحمر ذو الاجنحة حولنا في كل مكان. وربما كان شعب ويلز الشعب الوحيد الذي

دخل الالفية الجديدة بذات العلم الذي دخل به الالفية السابقة،، وللتنين حكاية.

رغم أن أصله ربما يعود إلى الصين فإن الرومان استقدموا هذا الشعار قبل حوالي الف وثمانمئة عام. وتحول مع الوقت من مجرد وحش اسطوري يرمز للحرب إلى علم وشعار لشعب.

واليوم رغم هيمنة انجلترا المجاورة فإن شعب ويلز لم يتوقف مطلقا عن التمسك بهويته وعلمه، وربما يرى العلم الان في انحاء ويلز اكثر من أي وقت مضى.

هذه المشاعر لمستها خلال حديثي مع كثيرين في شوارع كارديف حيث عبروا عن اعتزازهم بهويتهم ولغتهم وبرلمانهم ودولتهم الصغيرة.

لعبة كرة الرجبي هنا من أكثر الرياضات شعبية خاصة مع تميز منتخب الرجبي في ويلز، حيث تكون لقاءاته فرصة كبيرة للويلزين لرفع علم بلادهم والغناء المتواصل. الغناء والموسيقى أيضا من الخصائص المميزة لويلز حيث إن هناك توثيق لمسابقات كانت تعقد منذ القرن الثاني عشر للغناء والشعر والكتابة والموسيقى.

اللغة

Image caption موفدنا عند متحف الالفية

في كارديف العاصمة المتعددة الاعراق – هناك جاليات كبيرة من الصوماليين واليمنيين والهنود والباكستانيين – لا يتحدث الناس الويلزية، التي هي فرع من لغة الكيلت، إحدى اللغات الهندية-الاوروبية.

لكن في مناطق اخرى في ويلز، في الغرب والشمال، تحظى اللغة الويلزية بحضور كبير حيث يعتقد أن حوالي نصف مليون شخص يتحدثون بها، بالاضافة إلى عدة مئات الالاف الاخرين في انجلترا ودول أخرى. ولا يزال البعض هنا يعتقدون أن هناك غيابا للمساواة للغتهم مع الانجليزية.

يذكر أنه مؤخرا فقط اعترف البرلمان في لندن باللغة الويلزية، وأنه في التسعينيات فقط بدأ تنفيذ توصية قديمة بمنح أطفال ويلز الفرصة لاتقان التحدث باللغتين الانجليزية والويلزية مع نهاية مرحلة التعليم الابتدائي.

انتخابات ومعالم

أما ما يشغل بال الناس هنا عند الحديث عن الانتخابات العامة فهو مشترك إلى حد كبير مع القضايا العامة في بريطانيا من صحة وتعليم وضرائب. بخلاف ذلك يطالب الناس هنا بالحفاظ على استقلالية برلمانهم ومنحه مزيد من الصلاحيات ومنح ويلز، التي يعتبرها البعض البلد الفقير في المملكة المتحدة، شريحة اكبر من ميزانية البلاد.

أجمل وأهم المعالم التي شاهدتها هنا في كارديف استاد الالفية، مقر منتخبي ويلز لكرة القدم والرجبي. ومن مفارقات الرياضة التي يتذكرها البعض هنا حصول فريق كارديف لكرة القدم على كأس الاتحاد في عام 1927 بعد هزيمة الارسنال على أرضه، والمفارقة هي أنه كان أول ناد غير انجليزي يحصل على كأس كان تسمى بطولة الكأس الانجليزي.

أيضا هناك قلعة كارديف الرائعة التي يعود تشييدها إلى العصور الوسطى.

الثلاثاء 27 أبريل/ نيسان

الاسكتلنديون والانجليز: انتخابات ومظالم

استغرقت الرحلة ما يقرب من خمس ساعات للوصول إلى جلاسجو، العاصمة التجارية لاستكتلندا، والواقعة في شمال بريطانيا. تنوع عرقي وثقافي لا يخفى على العين هنا. أما ما يميز المدينة عن غيرها فالقائمة تطول.

Image caption متحف كيلفينجروف في جلاسكو، واحد من أكبر المتاحف البريطانية، وهم معلم شامخ في مدينة لا يخفى على العين التنوع العرقي والثقافي الكبير فيها.

منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة ضمت جلاسجو لقائمتها كمدينة للموسيقى. وهي ايضا مدينة الفنون والمتاحف والجامعات.

اول ما رغبت في استطلاعه كان جامعة جلاسجو، وهي واحدة من أعرق اربع جامعات في انحاء العالم الناطق بالانجليزية، ويعود تشييدها إلى القرن الخامس عشر. الهندسة المعمارية الرائعة لبنايات الجامعة الكثيرة دلت على ذلك وأكثر. أما طلابها فمن كل الاعمار والاجناس.

ورغم أني لاحظت أن عددا كبيرا من أهل المدينة لا يحبون كثيرا الظهور امام الكاميرا، او التحدث لوسائل الاعلام، أو على الاقل هذا ما حدث معي، فقد لاحظت ايضا انهم لطفاء وودودون. وربما كان السبب الكاميرا التي كنا نستخدمها للتصوير التلفزيوني، فهي كاميرا صغيرة للغاية في حجم التليفون المحمول. تكنولوجيا جديدة في إطار التجربة مع ما تحمله لنا من تحديات وقيود.

بمجرد وصولنا إلى جلاسجو، انطلقنا في جولة استطلاعيه في المدينة شبه الساهرة – مقارنة بأحياء لندن الكبرى التي تتوقف مظاهر الحياة في شوارعها تقريبا عند السادسة أو السابعة مساء، ولم تكن نتيجة الاستفسار الاول لنا رائعة.

دخلنا أحد المطاعم المتواضعة للحلوى، وفي رأسنا سؤال عن نوع تقليدي من الحلوى الاستكلندية الشهيرة، أو هكذا ظننا. لكن رغم ابتسامته الواضحة، لم يستطع صاحب المطعم اخفاء ملامح السخرية والاستخفاف عندما رد بقوله: "إن هذه من الاشياء التي لا وجود لها."

واتضح لنا من الحوار أن مصدر سخريته أن كثيرا من الزائرين يدخل مطعمه ليسأله عن هذه الحلوى، لكن لا أدري إن كان يعتبر جهل الناس ببعض جوانب الثقافة أو الطعام الاسكتلندي يمثل إساءة! أضف إلى ذلك أن لهجتنا اللندنية التي لا تطرب البعض.

ناخب واحد وصوتان

ربما لا يعرف البعض أن نظام الاقتراع هنا مختلف عما ألفناه في انجلترا، حيث لكل ناخب صوتان، احدهما لمرشح بعينه والاخر يمنحه لاحد الاحزاب.

ويمكن أن يكونا مختلفين! ولا يهم الحزب الذي يحكم في بريطانيا، فالانتخابات وحدها تحدد من يهمين على البرلمان الاسكتلندي. وقد حصل الاسكتلنديون على برلمانهم المستقل هذا فقط في عام 1999 لاول مرة منذ حوالي ثلاثمئة عام.

أكثر القضايا التي حدثني عنها الناس هنا، باعتبارها القضايا الاهم التي تشغل بال الكثيرين في اسكتلندا، هي توفير فرص العمل وتحسين مستوى التعليم. لكني وجدت أن الكثيرين لا يحفلون بالسياسية أو السياسيين في ضوء مظالم ووعود ضائعة مع تعاقب الحكومات، كما يقولون.

لمست في الناس هنا فخرا واعتزازا كبيرين باسكتلنديتهم التي تشمل الثقافة والتاريخ وحتى الجغرافيا. كما أن بعضهم لم يتردد في التعبير عما يعتبرونه مظالم، وهي قديمة متجددة، تتعلق بتوزيع عادل للثروة بين الانجليز (اهل انجلترا) و الاستكلنديين.

وقد اكد من تحدث إلينا ان الميزانية التي تخصص لبلدهم لا تتناسب مع الموارد التي يسهمون بها لخزانة الدولة، وعلى رأسها النفط. وربما لهذه الاسباب تلقى الدعوات لاستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة قبولا لدى البعض هنا.

وليس سرا أن كون الزائر لجلاسجو، أو أي مدينة اسكتلندية أخرى، انجليزيا، لن يمنحه كثيرا من الترحاب والود من البعض هنا، وقد سولت لي نفسي ان أعول على ذلك عند الحاجة!

شعار هذا البلد، الذي اتعبتني لهجة أهله، وكادت تشكل لي عائقا عن العمل لولا وجود زميلتي إليس معي في تجولي، هو زهرة الشوك – او الثيسل - وهي زهرة بنفسجية برية ذات أشواك.

أما الاسطورة وراء هذا الشعار، فتتعدد رواياتها. لكنها باختصار تتحدث عن أن غزاة دنماركيين، أو غيرهم ارادوا اقتحام اسوار المدينة ليلا، وأنهم خلعوا احذيتهم ليسهل تسللهم ومفاجئة الحراس. لكن بعضهم داس على زهرة الشوك ونبّه صراخهم الجنود، وهو ما مكنهم من صد الغزاة ودحرهم.

أما الآن، فإن تفكيري منصب على المحطة التالية من رحلتي، والتي ستأخذني إلى ويلز في جنوب غرب بريطانيا، والتي احتاج لست ساعات للوصول إليها بالقطار، قاطعا الجزيرة الام طولا من شمالها إلى جنوبها.