التراث الفلسطيني والجيل الجديد: "إحياء للتاريخ وإنعاش للذاكرة"

ميس كنعان
Image caption "من قال ان التطريز موضة قديمة ؟"

بعد تأسيس دولة إسرائيل قبل اثنين وستينن عاما لم يغب عن بال الزعماء الإسرائيليين المأزق الذي يشكله وجود شعب آخر يقطن البلاد التي أقاموا دولتهم عليها، وخاصة اضطرار مئات الآلاف منهم الى مغادرة مدنهم وقراهم ليعيشوا كنازحين في دول مجاورة، مخلفين وراءهم ليس فقط ممتلكاتهم بل نسيج حياتهم العائلية والاجتماعية أيضا.

لم يغب عن بال قادة الدولة الجديدة المأزق، وإن كانوا اعتقدوا ان الزمن كفيل بعلاجه، وهو ما تعكسه كلمات ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي، الذي قال "الكبار سيموتون، والصغار سينسون".

الشق الأول من معادلة بن غوريون تحقق، فقد مات الكثير من الفلسطينيين الذين عاصروا تأسيس دولة إسرائيل على الارض التي كانوا يقطنونها، إما بفعل قوانين الطبيعة أو بسبب الحروب التي طالتهم في منافيهم، من لبنان إلى تونس.

ولكن هل نسي الصغار ؟

الوطن الواقع والوطن الحلم

تقول الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية سونيا النمر ان لجوء الفلسطينيين الى إحياء الذاكرة عبر "السرد الشفوي" عبر الأجيال لما كان وما حصل، يؤدي الى استمرارية الارتباط ويقوي الصلة "بالوطن المفقود الذي يتحول تدريجيا الى حلم، بسبب جرعات الحنين المركزة التي تصاحب رواية الذكريات، وتنتقل من جيل الى جيل.

وتذكر سونيا حالة أحد الفلسطينيين الشبان الذي التقته في عين الحلوة، والذي عاد الى بلدته التي لم يرها في حياته بعد سنوات بعيدة، واستطاع أن يهتدي الى كل معالمها بناء على سرد والده لذكرياته بأدق التفاصيل.

عن هذا يكتب الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في كتابه "رأيت رام الله" واصفا رحلته الى الضفة الغربية بعد غياب قسري استمر حوالي ربع قرن، فيصف صدمته بمجرد عبوره جسر الأردن ليجد نفسه وجها لوجه مع "الواقع" مجردا من الصبغة الرومانسية التي أضفاها عليه الحنين، والذي لا يشبه الصورة التي نقلها لابنه تميم.

اذن الصورة خارج الزمان والمكان تكون مشحونة عاطفيا لذلك تكتسب زخما وقدرة على الحياة في ذاكرة الأجيال.

سونيا النمر تقول ان الحفاظ على التراث والتاريخ بشكل ممنهج بحاجة الى مؤسسات قوية ذات ميزانية سخية، وإن كل المحاولات البحثية والأكاديمية التي جرت لمحاولة إحياء التراث بقيت فردية وتفتقر الى التراكمية والاستمرارية.

إطلالة من مدن غريبة

Image caption "اهتمامي بالدبكة يكرس إحساسي بالانتماء"

ميس كنعان وألما ارشيد وروزيت يونس ثلاث فتيات فلسطينيات تجمع بينهن الكثير من الملامح المشتركة: جميعهن ولدن في الغربة، وجميعهن يرتبطن بالتراث والتاريخ الفلسطيني بأواصر قوية تنعكس في عشق ثلاثتهن للتطريز.

في زمن الآي بود يبدو ارتباط فتيات في بداية العشرينات من العمر بالتطريز الذي يعتبره الكثيرون "موضة قديمة" شيئا غريبا.

أما في حال الفتيات الثلاث فالموضوع يتعدى الهواية ليعكس ارتباطا بالتراث الفلسطيني الذي يحيا في وجدانهن من خلال الحكايات التي سمعنها من الأهل عن المجتمع الغائب، أي المجتمع الذي كان يستوطن بقعة واحدة متواصلة من الأرض، له عادات متشابهة وتراث متجانس.

ميس تجاوزت مستوى الهواية الفردية للتطريز لتؤسس مشروعا صغيرا أسمته "كنعانية"، وحرصت على أن تدمج في الإسم اسم عائلتها وكذلك إسم الشعب الذي استوطن بلاد الشام، ومنها فلسطين، منذ الألف الرابع قبل الميلاد، والذين يعتبرهم بعض المؤرخين أجداد الفلسطينيين.

ميس تطمح من خلال مشروعها الى نشر الاهتمام بالتطريز التراثي من خلال معارضها وكذلك من خلال ورشات يتعلم فيها الأطفال فن التطريز.

التطريز ليس المظهر الوحيد لارتباط الفتيات الثلاث بالوطن البعيد عن مكان سكناهن، والقريب من قلوبهن، كما أكدن جميعا.

ميس وألما مثلا مسكونات بالرقص الشعبي الفلسطيني (الدبكة)، وكلاهما تعلمتا (الدبكة) في طفولتهن في بلدان غريبة، ثم أصبحتا يشاركان في فعاليات فلسطينية في الغربة.

وتشارك الفتيات الثلاث بفعالية بمشروع يدعى "كتابي كتابك" يهدف الى إنشاء مكتبات عامة في المخيمات الفلسطينية من خلال حث الفلسطينيين على التبرع بكتب جديدة ومستعملة، وقد أنشأوا أول مكتبة عامة في مخيم جرش في الأردن.

هذه النشاطات تخلق الصلة بالتراث، وتكرس الإحساس بالانتماء كما قالت ألما، وكذلك تعتبرها ميس حماية لهذا التراث من تزييف هويته وسرقته.

ولكن إلى متى يستطيع النقل الشفوي للثقافة الإجتماعية والتراث الحفاظ عليه من الاندثار ؟ وهل تكفي الجهود العفوية غير المنهجية للإبقاء على الأثر؟

ميس وألما وروزيت لسن معنيات بالإجابة على هذه الأسئلة، فالقضية بالنسبة لهن محاولة لتحقيق الذات وتكريس الشعور بالانتماء.