نجلاءالعمري: العالم العربي يعج بالموضوعات الحساسة

نجلاء العمري
Image caption نجلاء العمري و "ما لا يقال"

عندما تجولت كاميرا "بي بي سي" في عدد من المدن العربية تسأل: "ما الذي لا يقال؟"، جاءت الردود لترصد ما هو مألوف وما ليس متوقعا.

فاذاً كان من البديهي ان يحتل الثالوث الشهير المؤلف من الجنس والدين والسياسة رأس القائمة، الا ان اجابات المواطنين العرب الذين سألناهم اضافت الى اللائحة أولويات أخرى مثل "حكامنا"، "حياتنا اليومية"، "مستقبلنا" وصولاً الى أجابات اختصرت المسافات مكتفية بعبارة "كل شئ".

"كل شئ" هي المساحة التي تحاول سلسلة الوثائقيات الجديدة التي باشرت "بي بي سي عربي" الخوض في غمارها من خلال سهرة خاصة على مدى ساعتين تحمل الاولى عنوان "ما لا يقال - القصة" والساعة الثانية "ما لا يقال - الحوار".

أنا مسؤولة عن البرامج الاذاعية الصباحية في اذاعة بي بي سي العربي، حيث نستهل الفترة بفقرة عنوانها "العالم هذا الصباح"- تبدأ في تمام الثالثة وحتى العاشرة صباحاً بتوقيت جرينتش- تشتمل على تغطية اعلامية شاملة للمنطقة العربية.

وتحرص الفقرة الصباحية على الأخذ بعين الاعتبار الفروقات في التوقيت من الخليج وصولاً الى موريتانيا والمشرق العربي، وتسعى لأن تكون ملفات الاخبار أوسع في محتواها من النشرات التقليدية.

ثمة فقرة مخصصة للمستمعين لكي يدلون بآرائهم في أحداث اليوم وليس بمفاجأة ان تكون أغلبية ردود الفعل تأتينا من مستمعينا في السودان، اذ تقليدياً ثمة ما يشبه الارتباط العضوي و التفاعلي بين اذاعة بي بي سي العربية و المستمع السوداني يعود الى عقود من الزمن.

ما اكتشفناه ايضاً عبر هذه الفقرة الصباحية من البرنامج انه لدينا متتبعين للاذاعة في دول لم نكن نعلم أن لدينا مستمعين فيها، كأفريقيا الوسطى، الكاميرون، مالي، جنوب الصحراء، حيث هناك عدد كبير من محبي اذاعتنا يعشقون اللغة العربية ويجدون الـ بي بي سي وسيلة اعلام عربية بأمتياز، يتابعون من خلالها عبر الأثير الخبر و يستقون المعلومة، كما أنهم أظهروا حرصاً ملحوظاً على التواصل المستمر معنا.

ينقل برنامج "العالم هذا الصباح" أيضاً فقرات اذاعية من محطات محلية في بعض الدول وفق اتفاقيات شراكة. فعلى سبيل المثال لا الحصر ثمة تفاهمات مبرمة مع محطة أف أم في المغرب، والاذاعة المصرية، وعدد من اذاعات الخليج (الكويت، دبي، أبو ظبي، البحرين والأردن). وفي السياق نفسه هناك أيضاً محطات أف أم تنقل بثنا الاذاعي كاملاً طيلة 24 ساعة في اليوم في عدد كبير من المدن.

أما في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونتيجة للحصار وإنقطاع التيار الكهربائي في أحيان كثيرة، فلدينا خمس اذاعات ومحطة الأف أم منتشرة تغطي رقعة العالم العربي أجمعها.

والى جانب البرامج الاذاعية الصباحية، أُسندت الي مهمة إطلاق سلسلة من الوثائقيات على التلفزيون والأذاعة لها ايضاً صفحة على موقعنا الالكتروني.

تم انتاج هذه السلسلة الوثائقية بالاستفادة من تراث بي بي سي الأم العريق في انتاج الوثائقيات الذي يعتمد على الجدية في تناول الموضوع، والدقة في التحقيق من صدقية كل معلومة مسبقاً. وتقدم السلسلة بأسلوب جديد تماماً بالمقارنة مع ما جرت عليه العادة في الاعلام العربي.

الواقع أنه مع انطلاقة البث التلفزيوني لـ بي بي سي العربي تم انتاج مجموعة من الوثائقيات، غير أن الظروف حينها لم تكن مؤاتية للاستمرار بهذا المشروع، لأن انتاج فيلم وثائقي مدته نصف ساعة يتطلب من فريق العمل التفرغ لمدة أربعة اشهر او اكثر. فعملية الانتاج معقدة وتتطلب تقنيات عالية لتنفيذه.

ميدان انتاج الوثائقيات في العالم العربي بصورة عامة غير مستقر. لذا عزمنا على الخوض في هذه التجربة ثانية انطلاقاً من أن العالم العربي مفعم بالموضوعات الحساسة والمعقدة التي تجعل من الصعب تناولها في تقرير مدته ثلاثة دقائق أو حتى في برنامج حواري. الوثائقيات هي الشكل الأكثر ملائمة لتناول مثل هذه المواضيع.

الموضوعات التي تتناولها السلسلة يدخل بعضها تحت عنوان "التابو والمحرم". مواضيع كثيرة في العالم العربي يعرف عنها الكثير ولكن لا أحد يتحدث عنها. الحديث عنها من الممنوعات، ومن هنا أستوحينا عنوان السلسة: "ما لا يقال".

السلسلة الاولى كانت تحت عنوان "دبي.. هي العالم". وهي العبارة التي وردت في خطاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عند اعلانه عن مشروع "دبي لاند" عام 2003.

ما الذي حدث لدبي العالم في أعقاب الأزمة العالمية؟ كيف تأثرت حياة من يسكن دبي؟ وأين حلم الشيخ محمد لدبي الآن؟ أسئلة يحاول البرنامج الوثائقي الاجابة عليها من خلال قصة اربع شخصيات لكل منهم حلمه ولكل منه "دبي" مختلفة تأخذ منه وتعطيه . الوثائقي يعود الى قصة إنشاء الامارة منذ القرن التاسع عشر عارضاً مواد ارشيفية حصرية لـ بي بي سي.

الصورة التي قدمها الاعلان الغربي عن الأزمة المالية في دبي كانت سلبية وتناولت أزمة دبي بسخرية على انها مدينة لا أساس لها خرجت من عدم الصحراء، تُصرف الأموال فيها بلا حساب، موشكة على الانهيار في اية لحظة مستنتجين: هذا ما فعل النفط بالعرب!

عند وقوع هذه الأزمة الاقتصادية سعى الاعلام العربي بلا جدوى للعثور على محلل متخصص لتسليط الضوء على الموضوع. كان ثمة اجماع او تخيل أن هذه منطقة شائكة لا يمكن التحدث عنها بوضوح وموضوعية دون تعرض المحلل او الصحفي الى الطرد من البلد أو ربما أكثر. كما ان التعامل مع هذه الأزمة كان ايضاً على أساس انها أزمة آنية جاءت نتيجة انهيار البورصات العالمية.

حاولنا رصد هذه التجربة من خلال العودة بالتاريخ الى نشأة دبي في القرن التاسع عشر. هذا هو الخط الذي اتبعناه في كل الوثائقيات، فالموضوع لا ينحصر في استضافة خبراء ومحللين وعلماء تاريخ، بل تحدثنا الى من يعنيهم الأمر مباشرة. انهم أصحاب الشأن وهم: رجل الأعمال البريطاني، الرجل الأماراتي ابن البلد المقرب من الشيخ محمد والذي يمثل له القدوة. المهندس المصري الذي يرمز الى الشاب العربي الذي يعمل ويعيش في دبي. وأخيراً العامل البنغالي الذي يمثل طبقة العمالة الآسيوية، ايضاً ما هو حلم دبي بالنسبة له؟ كيف يعيشون الآن في ظل هذه الازمة، ومدى تأثيرها المباشر على حياتهم!

اعتقد اننا استطعنا ان نقدم دبي بشكل جديد ومختلف تماماً! من يشاهد هذا العمل الوثائقي لن يكره دبي ولن يكره أهل دبي. دبي لا تزال الحلم. أعطت الكثير لكثيرين. لكنها حلم له ثمن مرتفع. نحن نرصد ماذا أخذت دبي من هؤلاء وماذا أعطت لهم؟

الساعة الاولى مخصصة لعرض البرنامج الوثائقي. أما الفقرة الثانية، ومدتها ساعة فمسرحها الأستوديو في فقرة حوارية تفاعلية تقدمها الزميلة ليليان داوود.

من المواضيع الأخرى الشائكة التي تطرقنا اليها في اطار السلسلة الوثائقية الجديدية، ظاهرة ترميم عذرية الفتيات في الشرق الاوسط، التي بالرغم من انها شائعة يبقى الموضوع محصوراً في مجال "ما لا يقال".

نلتقي بفتيات خضعن لمثل هذه العملية. كذلك هو الحال مع مسألة تغيير الدين في العالم العربي التي تعتبر أيضاً من الممنوعات.

الفريق المساعد في الحلقة الاولى: أماني فكري، حازم لبد ومصطفى المنشاوي

تعرض سلسلة الافلام الوثائقية"ما لا يقال" كل يوم سبت بمعدل مرة كل اسبوعين في الساعة 21:10 بتوقيت جرينتش، وتعاد يوم الخميس في الموعد نفسه

________________________________________________

أتمت نجلاء العمري دراستها الجامعية في القاهرة. تحمل شهادة الدكتوراه في الاعلام – فرنسا. عملت في اكثر من مجال في الاعلام كان آخرها في أذاعة مونت كارلو قبل التحاقها بالـ بي بي سي عام 2000