موت في الخدمة

تحقيق استمر لمدة عامين يكشف عن أدلة قوية على تعرّض مجندين في قوى الأمن المركزي المصرية لسوء المعاملة وربما للقتل على يد ضباطهم.

لمحة عن الفيلم الوثائقي

تحقيق استمر لمدة عامين يكشف عن أدلة قوية على تعرّض مجندين في قوى الأمن المركزي المصرية لسوء المعاملة وربما للقتل على يد ضباطهم. كما تمكنا من العثور على أدلة على وجود محاولات منظمة للتغطية على هذه الإنتهاكات.

حققت بي بي سي عربي طوال السنتين الماضيتين في سلسلة من حالات الموت والانتحار التي وقعت منذ عام ٢٠٠٨ داخل قوى الأمن المركزي في مصر والتي يُزعم أن الضحايا فيها، وكلهم من المجندين، قُتلوا في الواقع على أيدي ضباطهم. لتصوير هذا الفيلم الوثائقي حصلنا على وثائق وشهادات وتحدثنا إلى عدد من العائلات وقابلنا رجل شرطة سابق رفيع المستوى كما أعدنا مشاهد تمثيلية لأحداث أساسية.

نتائج التحقيق

توصل التحقيق إلى أن المجند حسن الشرقاوي في غيبوبة، وأن هناك رصاصة في رأسه مصدرها مسدس يملكه الضابط المشرف على حسن، واسمه محمود العرابي. كان حسن قد قال لأسرته قبل حادث إطلاق النار بستة أشهر إن الضابط العرابي يسيء معاملته. تفيد الرواية الرسمية للحادث أن العرابي كان يحقق مع حسن الشرقاوي عندما سارع الأخير نحو خزنة الضابط وأمسك مسدسه، وضعه في فمه وأطلق النار في سقف حلقه.

وقال العرابي خلال تحقيقات النيابة :

لم أتمكن من إيقافه، لأن كل شيء حدث في لمحة بصر.

الضابط محمود العرابي

ولم يكذب رواية محمود العرابي هذه أحد لأنه كان وحده مع المجند حسن الشرقاوي، ولم يكن هناك شهود، لكن حسن الشرقاوي استفاق بعد شهرين من غيبوبته.
فقدَ حسن القدرة على الكلام بسبب الطلقة التي استقرت في رأسه، لكن من الواضح أنه كان يتذكر ما حدث، وكان يفهم ما يقال له، في فيديو مسجل بكاميرا الموبايل تظهر الأسرة وهي تطرح عليه أسئلة عما وقع ليلة الحادث. صار حسن يستخدم حركات اليدين للإجابة، كما أخبرنا :عمه شحاتة عبد الصافي الذي قال

"قلت له: أخبرني يا حسن، لكي لا تظلم أحدًا: هل أنت من أطلقت النار على نفسك؟ أم أن أحدًا آخر أطلق النار؟"

يقول عم حسن إن حسن أكد لأسرته مرارًا أنه لم يطلق النار على نفسه، ويظهر حسن في الفيديو وهو يشير بيده لكتفه، يفسرها عمه أنها اشارة إلى رتبة الضابط، ثم يتبع ذلك بحركة تشير إلى مسدس في فمه.

بعد أن استفاق حسن الشرقاوي من غيبوبته بنحو أسبوعين، وبعد عشرة أسابيع على إطلاق النار، حاول الجراحون إزالة الرصاصة التي كانت لا تزال في رأسه، لكنه مات خلال العملية. سَجل الادعاء العام الحادثة على أنها انتحار، وأغلق القضية.

من الجاني؟

موت المجند حسن الشرقاوي ليس هو الوحيد الذي تحيط به إشارات الاستفهام بين الوفيات داخل قوى الأمن المركزي المصري، فقد سَلطت عدة حوادث بارزة وقعت في مصر مؤخرًا الضوء على المعاملة القاسية التي يلاقيها الناشطون والمعارضون للحكومة والسلطة في البلاد، لكن الحديث عن معاملة الحكومة للمجندين الذين يؤدون خدمة التجنيد الإجباري، في صفوف قواتها، حديث شبه معدوم.

تصور: علاء القمحاوي 

تصور: علاء القمحاوي 

حاولنا الوصول إلى أي من مسؤولي الأمن المركزي الحاليين أو السابقين، قائدي المعسكرات، الضباط، مسؤولي التدريب، لكن جميعهم رفضوا الحديث عما يحدث داخل المعسكرات من وقائع انتحار، حتى قابلنا العميد خالد عكاشة، الضابط السابق بقطاع الأمن المركزي والخبير الأمني، والذي رفض ادعاءات أسرة حسن بأن هناك شبهة جنائية في الوفاة قائلًا "من المستحيل التلاعب، الأمور مفتوحة ومكشوفة داخل المعسكرات".

نادرًا ما تسمح وزارة الداخلية بمقابلات إعلامية أو بالتصوير داخل قواعدها، ما يصعب الحصول على صورةٍ كاملة عن الحياة داخل جهاز قوات الأمن المركزي. لكن دكتور خالد فهمي، مؤلف كتاب "كل رجال الباشا" عن نشأة الجيش المصري في عهد محمد علي باشا، يرى أن الفلسفة الحاكمة للأمن المركزي بنيت علي قمع المظاهرات، لذلك فإن المجند "تمسح من دماغه أي محاولة تفكير مستقل ويدرب على الانصياع للأوامر وسط ظروف معيشية صعبة وطريقة تجنيد مهينة". تؤكد ذلك روايات متعددة ومسجلة لمجندين تشير إلى أن ما يشهدونه من ضرب أو إهانات أو سباب، هو استعداد لما سيشهدونه خلال فترة خدمتهم من أوامر عند مواجهة المظاهرات وغيرها. اتضح هذا عندما حصلنا على صور لـ٢١ مجنداً من المستجدين بقوات أمن كفر الشيخ تظهر إصاباتهم المتفرقة من شدة التدريبات، حيث قام أحد ضباط بالمعسكر بتدريبهم على الرمال الساخنة وأمرهم بالزحف على الرمال لمدة طويلة، ما أصابهم بالإعياء الشديد و بإصابات متعددة بالصدر والبطن والذراعين. لكن المصابين بجروح في الصدر والبطن والذراعين يبدون سعداء الحظ إذا ما تمت مقارنتهم بالمجند بشاي موسى الذي انتهت حياته برصاصة قاتلة في البطن.

في عام ٢٠١٤، فتحت وزارة الداخلية تحقيقًا في موت مجند في قوى الأمن المركزي، عمره عشرون سنة واسمه أحمد حسني. جُند أحمد حسني عام ٢٠١٤ وأرسل ليؤدي خدمته في العريش، شمال سيناء. في الرابع من سبتمبر/أيلول اتصل أحد الضباط بأسرته ليخبرهم أن ابنهم فقد الوعي ثم مات الساعة السادسة صباح ذلك اليوم.

ذهبنا إلى منزل أهل أحمد في محافظة الشرقية وتحدثنا مع والدته التي قالت إنها لم تصدق أبدًا الرواية الرسمية حول موت ابنها:

قالوا إنه تعرض لضربة شمس، أي ضربة شمس هذه التي سَببت جرحًا كبيرًا في رأسه، وجَرحت حاجبه، وكَسرت سنه؟

والدة المجند أحمد حسني

عُززت شكوكها عندما قال أحد شهود العيان، وهو مجند كان إلى جانب أحمد وقتها، إن أحمد حسني فقد الوعي نتيجة الإرهاق الشديد الناتج عن أربع ساعات من التدريب المتواصل، فبدأ الضابط المسؤول، واسمه محمد حسني ولا يمت بصلة لأحمد حسني، بركله لإيقاظه، لكن ذلك لم ينجح، فأمسك بعصا وظل يضربه حتى مات.

احتجز محمد حسني في السجن. لكن، بعد أسبوعين من القتل، أطلق سراحه بكفالة، ولم يطلب منه حضور جلسة محاكمته ولا حتى الإدلاء بشهادته فيها. أدين محمد حسني غيابيًا بالقتل وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. وفور صدور الحكم استأنفه.

في جلسة الاستماع العلنية، شاهدت بي بي سي محمد حسني وهو يتحدث على انفراد مع عدد من مجندي قوى الأمن المركزي، بينهم اثنان من الذين كانوا سيشهدون ضده لاحقًا يومها. بعد ذلك بقليل، أعلن القاضي، دون أن يوضح السبب، أنه لن يستمع لأي شهادات شهود. لم تُصدر المحكمة حكمها في القضية بعد، بينما عاد محمد حسني للعمل كضابط في قوى الأمن المركزي.

"فلسفة قوات الأمن المركزي هي قمع المظاهرات"

خالد فهمي - أستاذ زائر في جامعة هارفرد

في مايو من عام ٢٠١٦ صدر الحكم ضد الضابط بالسجن ثلاث سنوات وتبقي له فرصة في الاستئناف مرة ثانية، لكن أيًا ما سيحدث في جلسات الاستئناف، فإن من المرجح أن تكون هذه آخر واقعة وفاة مشبوهة لمجند ينظر فيها علنًا، فبعد وفاة "أحمد" بشهر أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى تعديلًا على قانون الشرطة، وخاصًة على المادة المتعلقة بمحاكمات قوات الأمن المركزي. من الآن فصاعدًا "يختص القضاء العسكري، دون غيره، بالفصل في كافة الجرائم التي تقع من المجندين الملحقين بخدمة هيئة الشرطة"، ما يعني أنه سيتم نظر جميع قضايا وفاة المجندين بعد ذلك أمام محاكم عسكرية مغلقة ولن تكون مفتوحة للرقابة العامة.

في نوفمبر من عام ٢٠١٥ أعلن عن واقعة انتحار مجند في أحد المعسكرات بمحافظة القاهرة، قيل إنه انتحر بشنق نفسه داخل زنزانته الانفرادية. وفي ديسمبر من عام ٢٠١٦ أعلن عن انتحار مجند أثناء تكليفه بحراسة رئيس مجلس الشعب بالقاهرة ، لم تجر تحقيقات موسعة في أي من الواقعتين، وقيدتا كانتحار بالدفاتر الرسمية على الرغم من تساؤلات أسرهما وتأكيداتهم بعدم وجود أي إشارات أو أحداث قد تدفعهما للانتحار، لتطول قائمة الانتحار للشباب المجندين لتأدية الواجب الوطني، دون تفسير مقنع.

ما الذي يعنيه ذلك على أرض الواقع؟ بالنظر إلى سجل قوى الأمن المركزي في مصر، علينا أن ننتظر ما سيحمله المستقبل لهؤلاء المجندين.

فريق العمل
تحقيق: مصطفى المرصفاوي
تصوير: علاء القمحاوي
محمد عماد
محمد فتحي
إعداد ومونتاج: Simon Ardizzone
منتج منفذ: Elizabeth C Jones